في عين العاصفة عن الشهيد أبو علي مصطفى

في عين العاصفة

عن الشهيد أبو علي مصطفى

 وليد عبد الرحيم

تقديم: أحمد سعدات

 

الكتاب: في عين العاصفة

            عن الشهيد أبو علي مصطفى

تأليف : وليد عبد الرحيم

تقديم: أحمد سعدات

 جميع الحقوق محفوظة

الطبعة: 2010

 إخراج وتنضيد: أمل عصفور 279705/0944

تصميم الغلاف: زهدي العدوي

مقدمة المؤلف

كنت قد اتخذت موقفاً كموقف العديد من الكتاب الشباب، أبناء جيلي، الذين ملّوا كلام السياسيين من قادة وكوادر المقاومة، معتبرينهم يكررون نفس الأسطوانة وبأنهم «قارئون عند شيخ واحد!»

... استمر ذلك لفترة طويلة، وكنت اهتم بأمور الأدب والفن، ضارباً عرض الحائط ومزدرياً كلام وتنظيرات القادة السياسيين، حتى أنني كنت أخرج من القاعات عندما يعتلي المنصة، سياسي أو قائد فلسطيني.

... فجأة، وفي مخيم اليرموك، أُجبرت من قبل أصدقائي على حضور ندوة حول الانتفاضة، وشارك في هذه الندوة أبو علي مصطفى، نائب الأمين العام للجبهة الشعبية آنذاك، كان ذلك في عام 1990، فاعتلى المنصة، وكان ثمة كلام كثير يحكى عن حل القضية الفلسطينية، وعن آمال البعض بأن القضية على وشك النفاذ، وكانت الخلافات لا تزال مستعرةً بين مختلف القوى والفصائل بسبب الاختلاف على تحديد طريقة الحل، سياسي أم كفاحي، بينما تصدر همسات من غير مكان حول لقاءات مع إسرائيل وعلاقات مع أنظمة عربية يعتبرها الكثير من الفلسطينيين مشبوهة، ويخجل مؤيدوها من رفع أصواتهم لتأكيد قناعاتهم الفانتازية!

اعتلى أبو علي المنصة، وكان متجهماً لأمر لا أعرفه حتى اليوم، لكنه بدأ بهذه الجملة بقول جبران: «إن العاهرات، هن أكثر النساء حديثاً عن الفضيلة».

 

كان مؤدباً حتى أننا لاحظنا قسمات الخجل ترتسم على وجهه وبدا يتحدث في الموضوعات السياسية، والانتفاضة، والهم الفلسطيني...

في ذلك اليوم،  من خلال استخدام الرجل لمفردات تبين إطلاعه الأدبي والفكري العميق، واهتمامه بالفنون، اكتشفت أن كلماته التي ترن في القاعة بصوت واثق، ليست كتلك الكلمات، الرافض للاستماع إلى قائليها، واكتشفت أيضاً أنني كنت مخطئاً في وضع البيض كله في سلة واحدة.

بعيد اللقاء، صادف كرسياً إلى جانبي فجلس عليه، وبدأت جموع الصادقين والمتملقين بالحج إلى مجموعة الكراسي التي نجلس عليها... امتدحت له كلماته ورؤيته وشجاعته، ولابد أنه قال في نفسه بأن هذا الشاب قد فهمني، وسألني عن عملي، وكان يقصد بحنكة السياسي المخضرم سؤالي إلى أي فصيل أنتمي، فأجبته بوقاحة، إنني أرفض الانتماء، وكاد يتحدث عن فوائد وضرورة ذلك إلاّ أن أحد مساعديه همس في أذنه فنظر إليَّ بحسرة وأسف، رابطاً وضعي بحال الجيل الجديد كله، ثم انطلق..

من خلال بضع كلمات، اكتشفت بأنني أظلم بعض القادة الفلسطينيين لاعتقادي بأنهم غير جديرين للتحدث باسم شعبي، لكنني منذ تلك اللحظة أعدت حساباتي، وتحدثت مع نفسي بأن هؤلاء ليسوا جميعاً من طائفة الجهلة، كما أدركت بأنني أمام شخص ستقتله إسرائيل يوماً ما!. وصرت أدقق في تصريحات ومقالات القادة الفلسطينيين، فاكتشفت بأنه ليس وحيداً، هناك كثيرون ممن فهمتهم خطأً، وكثيرون أيضاً لا أزال مصراً بأنهم ينتمون إلى فصيلة الجهلة حتى اليوم.

ما لفت نظري وكنت آنذاك في السادسة والعشرين من عمري، هو أن هذا القائد يفهم الصراع بكليته، وكنت أثناء فترة حماس الشباب صدامياً وحاداً، كما كنت ولازلت أعتقد، بأن القضية الفلسطينية ليست قضية سياسية فحسب، فهذه القضية أخلاقية، وحضارية، وقانونية بدرجة لا تقل أهمية عن كونها سياسية، وهو ما أزعم أن الثورة الفلسطينية المعاصرة لم تفهمه جيداً، ولازالت الغالبية تتحدث عن مآسي الشعب الفلسطيني بلغة الأرقام، كأن يقال استشهد(3)، وكأن الثلاثة مجموعة من المواد الجامدة، ولازلت أرى بأننا لا نفهم قضيتنا كما يجب، لا نفهم أن الوحدة الوطنية قضية روحية بالدرجة الأولى، قضية إحساس كل تيار بما يمكن تسميته «المشاعر السياسية» للطرف الآخر، وسأقول هنا صراحة، لم أجد هذا الفهم إلاّ عند قلة منا، واحد من أهمهم وأكثرهم التصاقاً بهذا الشأن هو أبو علي مصطفى، وهو يجسد بالمشاركة مع فلسطينيين آخرين، حالة صراع سياسي داخلي، يحمل حبّاً معيناً في داخله، فلو قرأت لأحدهم تجده قال عن الآخر كلاماً سياسياً حاداً، وأن راقبت كتاباتهم وأحاديثهم، لاكتشفت كماً هائلاً من المحبة يدور في داخل كل منهم، وهو الأمر الذي يجب أن ندرسه جيداً، ليس بالفعل السياسي، وإنما العقل الوطني، الحاكم بالوحدة والمتمسك بالاختلاف، الذي هو سمة حيوية هائلة في الوسط الفلسطيني. وهو سمة إيجابية بكل تأكيد.

لم يكن هناك في فصائل المقاومة الفلسطينية نائب أمين عام واحد، قد برز بالشكل الذي برز فيه أبو علي، على الرغم من أن الأمين العام كان د. جورج حبش، الذي يكن له كل فلسطيني كمية هائلة من الاحترام والتقدير، والقائد البارز، الذي ملأ الدنيا وشغل الناس. وهو من اكتشف ذات يوم الشاب الحالم، الذي يحظى بطيبة فلاحية وروح مناضل صلبة في آن معاً، ويحمل فكراً قابلاً للتطور، مصطفى الزبري، القادم من هدوء عرابة إلى صخب عمان.

ظل أبو علي مصطفى يتحدث بقوة وكثافة عن الوحدة الوطنية، وعن المبادئ التي إن لم نكن قد اتفقنا عليها، فلن نختلف، وظل شجاعاً، فكان يدلي بتصريحات جريئة في زمن خنع فيه العديدون وكان يتحدث كفلسطيني مؤمن بقوميته العربية، ويتخذ المواقف الشجاعة عندما يمس وضع ما مسيرة شعبه.

دخل أبو علي إلى فلسطين، وكانت أولى كلماته بعد عبوره الجسر ووصوله إلى أريحا، أن هذه ليست عودة، لأن هناك الملايين من اللاجئين تنتظر هذه اللحظة، وقد رأى في عودته، محطة أخرى من نضاله، لا نهاية لهذا النضال، فيما علت أصوات السطحيين. آنذاك، متهمة الرجل بالانهزام والتنازل، وهي الأصوات نفسها التي وصفت عرفات، ومحمود درويش، وسميح القاسم، وفيصل الحسيني وإميل حبيبي وغيرهم بالخيانة أو التفريط، وكان أبو علي يعرف هدفه فلم يلتفت إلى هذه الأصوات وسار بالقافلة.

كان يمارس الصراع من خلال الوحدة، خصوصاً مع تيار «السلام الفلسطيني» الذي يقوده الرئيس الفلسطيني، ولذلك لم تتغير لكنته السياسية وهو في داخل الوطن. ولم تهدأ عقيرته في مطالبته بحل موضوع الأسرى من خلال الإفراج عنهم، والمطالبة بحق عودة اللاجئين إلى ديارهم، ومناهضة الاستيطان، إلى جانب مناهضة الاتفاقات الموقعة والتي تثبت رؤيته -أوردناها في هذا الكتاب – بأن هذه الاتفاقات هزيلة، وإنها مقدمة لصراع أكثر عنفاً، وبالفعل حدث ذلك فقد اندلعت الانتفاضة، وكان آنذاك يزور عائلته في دمشق عندما دخل شارون المسجد الأقصى بحراسة الآلاف من عناصر الشرطة فاندلعت المواجهات المرتقبة، وركب أبو علي مصطفى سيارته منطلقاً بسرعة نحو الأردن ثم فلسطين، التي وصل إليها وبصحبته زوجته..

.. انكب على قضايا الصراع اليومية مع اندلاع الانتفاضة، وبدأ يعيد تاريخه كما بدأ، فينظم صفوف حزبه، ويحث الجميع على الوحدة والتماسك ولم يتسن له السكن في أول بيت يملكه في حياته، في مدينة جنين وكان يحلم أنه لأول مرة في حياته سيسكن في بيت ليس مستأجراً!.

قال لزوجته قبيل اغتياله، وكأنه يصدر وصيته بأن شارون لن يتركه حياً، وإن الوضع هنا غير الوضع في خارج الوطن، وكان يعرف مصيره بدقة، عملية اغتيال.

في السابع والعشرين من آب، ذهبت إلى صديقي الشاعر ماهر رجا، كنا نلتقي يومياً للحديث عن الانتفاضة، كما يلتقي كل الفلسطينيين يومياً في مختلف أنحاء العالم، نتحدث في آخر المستجدات، ولم أكن قد علمت بعملية اغتيال أبي علي مصطفى نظر إلي صديقي قائلاً: «كأنك لا تعلم... لقد اغتالوا أبا علي مصطفى»...

ذهلت لدقائق طويلة، لم أنبس ببنت شفه، وعندما صحوت كانت دموع الشاعر قد طغت، ورأيته لأول مرة في حياتي يذرف الدمع، فخرجت ويممت شطر مجلة الهدف حيث الصديق، د. محمد أبو ناموس، وكان الكلام قليلاً، فلم أطل وخرجت لأجد شوارع مخيم اليرموك تعج بأناس يسيرون سكارى، وما هم بسكارى، كان الخبر قد صعق جميع الفلسطينيين، واكتشفت لحظتئذ كم يحب الفلسطينيون العاديون هذا الرجل، هم بالتأكيد لم يقرؤوا مقالاته أو حضروا ندواته لكنهم استشعروا ذلك الجانب اللا مرئي في شخصيته، الجانب المتعلق بقوة الالتصاق بالوطن، والذي لا يُرى لكنه يُحس!

... لم أقرر حتى اليوم التالي كتابة شيء عن أبي علي، لكنني وجدت نفسي مرغماً على كتابة قصيدة، ورأيت الفلسطينيين صاخبين، بينما هو هادئ متفحم، ولازال خجولاً فكتبت:

إهدأ قليلاً في رفاتك لا تنم

 

واحمِ نشيدنا في التراب بلا خجل

وجدت نفسي أعود لما توفر لدي من مواد عن الرجل الذي أضحى شهيداً وجدتُ له مقالاً يعج بالذاكرة حول غسان كنفاني، الذي سبقه بسنوات طويلة، على يد نفس الجماعات الإرهابية. وقد لفت نظري ذلك الإطلاع الدقيق على شخصية وأدب ومكانة غسان في ذهن ذلك الرجل الذي شيعته فلسطين كلها، والمخيمات في الشتات وكأنه مدينة أبيدت بأكملها، فقررت الكتابة عنه..

حاولت في هذا الكتاب ما أمكن، الابتعاد عن تمجيد وشرح مناقب ومزايا أبي علي مصطفى، لكنه أبى ألا أن يُحضر مناقبه ومزاياه مع كل حدث، صغيراً كان أم كبيراً، وقد جمعتُ ما أمكن من المواد الصحفية التي تنتقد أبا علي أو تعارض أفكاره وسياسة ولكنني أقول بصدق إنني لم أجد، إلا بعضها، خصوصاً من قبل أولئك الذين اتهموا أبا علي بتهمة فظيعة هي العودة إلى وطنه! ولا أعتقد بأنها جديرة بالاحترام والنشر، ذلك أنها لا تفتقد الموضوعية وحسب وإنما تفتقد قيمة الكتابة الأخلاقية.

كما حاولت تجنب نشر مقالات وزوايا المديح المجاني، الذي برأيي يسيء هو أيضاً لتجربة الرجل، وإن كان بعضه صادقاً، لكننا علينا كفلسطينيين أن نكف عن أسلوب المدح والذم، لأنهما ببساطة لا ينسجمان مع حالتنا التاريخية، بحيث يصبح المديح شبيهاً بالذم وإن اختلفت المفردات، لهذا تركت جميع المقالات، أو معظمها.

في هذا الكتاب قد يجد القارئ نواقص، وهذا أمر طبيعي، عائد إلى أن فكرة التوثيق لم تنضج بعد، ولم ندرك أهميتها في الوسط الفلسطيني، حتى أنني قمت ببحث مستفيض وقلبت الوثائق لأصل إلى فقرة واحدة يتحدث فيها أبو علي عن تجربته الحياتية الشخصية فلم أجد. وهو ما يذكرنا الآن بضرورة دعوة جميع المشاركين والمناضلين في الحركة الوطنية الفلسطينية إلى عدم البخل في تقديم المذكرات والمعلومات بشكل صادق ليتسنى كتابة التجربة الفلسطينية، التي تحمل في ثناياها طاقة هائلة يصعب تخيل مدى سعتها وعمقها.

وفي هذا الكتاب بعض المفردات والمواضيع التي قد تحرج البعض وأرجو بل أتمنى أن لا تفهم على أنها للنيل من هذا أو ذاك ولكنها مجرد اقتحام لأبواب الحقيقة، وإن كان أهم ما يميز شخصية أبي علي مصطفى، هو حرصه على نقاء الموقف والكلمة، وتمسكه بالوحدة الوطنية، وهو أمر ليس فريداً في العصر الفلسطيني، وإننا إن كنا نود أن نكون أوفياء لشهدائنا، فالأحرى بنا أن نكون أوفياء لأفكارهم وتجاربهم ونضالاتهم، لا أن نعلق صورهم على جدران منازلنا ومكاتبنا وحسب.

إن تجربة الاغتيالات الإسرائيلية، تدل على حنكة وذكاء عال في اختيار الشخص المراد اغتياله، وقد نجحت إسرائيل في العديد من عمليات الاغتيال بوسائل شتى وأوقات مختلفة، وعلينا أن ننجح في إبقائهم أحياء من خلال الاستفادة من تجاربهم والاستمرار في نضالهم، وصون الوحدة الوطنية، كما وتأسيس فلسطين المستقبل، ديمقراطية وادعة كما حلم بها آباء الثورة الأوائل. وآلاف اللاجئين اليتامى داخل الوطن وخارجه.

وليد عبد الرحيم                


تحميل الكتاب