لا تتوفر نتائج هذه اللحظة.

صهر الــوعـي أو في إعادة تعريف التعذيب

مقدمة...

 ليس هناك أشدّ وأقسى من أن يعيش الإنسان إحساسًا بالقهر والعذاب دون أن يكون قادرًا على وصفه وتحديد سببه ومصدره. إنه الشعور بالعجز وفقدان الكرامة الإنسانية عندما يجتمع اللايقين بالقهر، فيبدو لك بأنه ليس العالم وحده قد تخلى عنك، وإنما لغتك قد خانتك من أن تصف عذابك وأن تعرّفه، أو حتى أن تقول آخ.. آخ مفهومة ومدركة من قبل الآخر الحرّ. أو أن تكون قادرة على اختراق الضباب الإعلامي والسياسي لتحتل قضيتك كأسير مكانة معقولة على أجندات السياسيين والإعلاميين، وأن تحظى باهتمام لجان حقوق الإنسان. فتلجأ حينًا لهذا الغرض، وللضرورات الإعلامية إلى تبسيط المركب في عذابك، فيبدو عذابًا بسيطًا لا يستحق الإهتمام. أو تضطر حينًا آخر للتهويل والتضخيم، فيكون من اسّهل على سجانك أن يفند ادعاءاتك الكاذبة. ليكرس عزلك عن العالم مجددًا لتواصل عذابك وحيدًا فتقف أمام خيارين؛ إما أن تكف عن كونك ذاتا وتتحول كليًا إلى موضوع لسجانك، وإما أن تحوّل ذاتك لموضوع بحث لإعادة تعريف التعذيب وأسبابه. الأمر الذي لن يكون بالمهمة السهلة على الإطلاق. فأن تكون الذات الباحثة وموضوع البحث في نفس الآن يعني أن تكون المُعذَّب والذي يُبلغ عن التعذيب.. أن تكون المشهد والمشاهد، أن تكون التفاصيل والتجريد معًا.

يشعر الأسير الفلسطيني في سجون الإحتلال الإسرائيلي بحالة من العجز النابعة من صعوبة توصيف حالة القمع التي يعيشها منذ بداية الإنتفاضة الحالية. فقد أصبح القمع والتعذيب مركبًا وحداثويًا يتماشى مع خطاب حقوق الإنسان، حيث يحتاج الأخير ومؤسساته لجهد خاص لإثبات بعض الخروقات التي غالبًا ما تقدم من جانب القضاء والإعلام الإسرائيلي على أنها الإستثناء لقاعدة الإلتزام بحقوق الإنسان والأسرى. فيبدو كشفًا للتغطية، وشفافية لغرض التعتيم وحقائق لإخفاء الحقيقة.

إن القمع الحداثوي مُقنع مخفي ويقدم على أنه استجابة لحقوق الإنسان، إنه قمع لا صورة له، ولا يمكن تحديده بمشهد. إنه مجموعة من مئات الإجراءات الصغيرة والمنفردة، وآلاف التفاصيل التي لا يمكن أن تدلّ منفردة على أنها أدوات للتعذيب. إلا إذا أدركنا الإطار الكلي والمنطق الذي يقف من وراء هذه المنظومة. إنه تمامًا كالإستغلال في اقتصاديات السوق الحرّ في ظلّ العولمة، الذي يقدم دومًا على أنه ضرورة لرفع معدلات النمو الإقتصادي، إنه كالإستغلال الذي لا وجه له أو وطن أو عنوان محدّد لمستغلك. حيث تمتد أذرع احتكاره كالأخطبوط إلى كل زاوية من زوايا العالم، وإلى كل تفصيل من تفاصيل حياتك. فأنت المُستغل عاملاً أو مستهلكًا قد تصبح وفي نفس الآن مالكًا لأسهم الإحتكار الذي يستغلك.. هكذا بحيث تضيع الفواصل والحدود بين المستغِل والمستَغَل. فيغدو فهم الإستغلال أو تعريفه مهمة صعبة تكاد تكون مستحيلة في نظم الإنتاج الحديثة وسوق العولمة الحرّ.

لا يشبه القمع والتعذيب في السجون الإسرائيلية حالات القمع والتعذيب التي تصفها أدبيات السجون في العالم. ليس هناك حرمان فعلي من الطعام أو الدواء، ولن تجدوا من هم محرومون من الشمس ومدفونون تحت الأرض. لا يكبل الأسرى كما في الروايات بسلاسل مشدودة لكتل حديدية طوال النهار. فلم يعد الجسد الأسير في عصر ما بعد الحداثة هو المستهدف مباشرة، وإنما المستهدف هو الروح والعقل. لا نواجه هنا ما واجهه ووصفه فوتشيك في ظل الفاشية في كتابه "تحت أعواد المشانق"، وليس الحديث هنا عن ما يشبه سجن "طوزمارت" في رواية "تلك القمة الباهرة" للطاهر بن جلود. ولن تجدوا وصفًا يشبه ما وصفته مليكة أفقير للسجون المغربية. نحن هنا لا في سجن "ابو زعبل" ولا حتى "أبو غريب" أو "غوانتنامو" من حيث شروط الحياة. ففي كل هذه السجون تعرف معذبك وشكل التعذيب وأدواته المستخدمة. وأنت تملك يقينًا على شكل تعذيب حسّي مباشر. لكنك في السجون الإسرائيلية تواجه تعذيبًا أشد وطأة "بحضاريته" يحوّل حواسك وعقلك لأدوات تعذيب يومي. فيأتيك هادئًا متسللاً لا يستخدم في الغالب هراوة ولا يقيم ضجة. إنه يعيش معك رفيق الزنزانة والزمن والباحة الشمسية والوفرة المادية النسبية.

إن السجون كنموذج، وإن كانت هي موضوع هذه الدراسة، إلاّ أن حالة فقدان القدرة على تفسير الواقع والإحساس بالعجز وفقدان الحيلة لا تقتصر عليها، ولا هي من نصيب الأسرى وحدهم، وإنما هي حالة فلسطينية عامة. حيث تتطابق ظروف المواطن الفلسطيني مع ظروف الأسرى، ليس في شكل القمع فحسب.. أو حيث يحتجز المواطنون في معازل جغرافية منفردة، كما هم الأسرى معزولون عن بعضهم البعض في أقسام وعنابر لا صلة بينها إلا بإرادة السجـّان، وإنما هناك تشابه جوهري يتصل بالهدف الذي يريد أسراهم تحقيقه في كلا الحالتين.

والهدف الذي ندعي بأنه يريد تحقيقه هو إعادة صياغة البشر وفق رؤيا اسرائيلية عبر صهر وعيهم، لا سيما صهر وعي النخبة المقاومة في السجون. وبالتالي فإن دراسة حياة الأسر المصغرة عن حياة المواطنين في الأراضي المحتلة يمكنها تبسيط الصورة وإيضاحها لفهم المشهد الفلسطيني برمته.

لا ينتهي الشبه بين السجن الصغير والسجن الكبير فلسطينيًا عند هذا الحدّ. بل هناك تشابه بالقراءة الخاطئة والمعالجات التقليدية العاجزة عن النهوض بالقضية الفلسطينية كما هو النهوض بقضية الأسرى. إن النماذج الحاضرة في أدبيات القوى السياسية الفلسطينية في مواجهة الإحتلال، أو قراءة سياساته، ما زالت نمطية تُستمد شكلاً ومضمونًا من أدبيات حركات التحرر وتجاربها التي عقبت الحرب العالمية الثانية، وتشكلت في ظل الحرب الباردة، وفي مرحلة حضارية مختلفة عما نواجه اليوم. فكما أن أدب السجون لا يعكس واقعها اليوم، فإن الأدبيات السياسية وفرضياتها عاجزة عن معالجة الواقع السياسي. وبينما يواجه الفلسطيني منذ أكثر من 15 عامًا، واقعًا يستمد المُحتل أفكاره ونظرياته وأدواته القمعية من واقع حضاري ما بعد حداثوي، أو كما يسميه بويمن "الحداثة السائلة" [1]- فإن القوى السياسية الفلسطينية تبدو عاجزة عن تشخيص واقعها، وتقديم تفسير وحلول قادرة على أن تستنهض الجماهير، أو على الأقل واقعها، وتقديم تفسير وحلول قادرة أن تستنهض الجماهير، أو على الأقل أن تمنحها الإحساس باليقين، حتى وإن بدا هذا اليقين على شكل تفسير لكوارثها.

إن الأدوات والمفاهيم الفلسطينية في التحرر تخلفت عن الواقع فغدت بحدّ ذاتها أدواتا للقمع والتعذيب. وهي تقودنا رغم التضحيات المرة تلو الأخرى لطريق مسدود. إننا أشبه بمن يواجه حربًا نووية بسيف فما نراه في الواقع أو ما يبدو لنا أننا نراه جرّاء هذا العجز، هو أيضًا أشبه بحرب من كتب التاريخ كغزوة "الخندق" أو غزوة "أحد" فتصبح المسافة بين أدوات تغييرنا للواقع والواقع ذاته شاسعة، بحجم المسافة بين التاريخ والمستقبل.

هكذا هو حال الأسرى الفلسطينيون في السجون الإسرائيلية موضوع دراستنا. يَشـْكون حالا غير قائم، وما هو قائم غير قادرين على وصفه. إنهم يواجهون تعذيبًا ليس بمقدورهم تحديد شكله ومصدره. وهذه الأوراق لا ندعي بأننا نقدم من خلالها تفسيرًا شاملاً، أو تعريفًا وافيًا للتعذيب. بل هي ليست أكثر من صرخة تحاول قول افعلوا شيئًا قبل فوات الأوان. فمهمة كشف ما يجري في السجون وتوضيحه للرأي العام في إطار تعريف جديد للتعذيب، هي مهمة لجان حقوق الإنسان ولجان الأسرى. لكنها قبل كل شيء مهمة الفصائل الوطنية والقوى السياسية الفلسطينية. فالقضية المطروحة ليست قضية حقوقية أو إنسانية وإنما سياسية بالدرجة الأولى.

إن هذه الأوراق لا تدعي بأنها بحث علمي، فقد كتبت في السجن حيث لا مصادر جدية يمكن الإعتماد عليها، واعتمادنا أكثر على الذاكرة. على الأقل في تناولنا لما يجري في المعازل التي بنتها إسرائيل. خصوصًا وأننا محتجزون ومعزولون عن العالم ما يقارب ربع قرن. وذلك وبشكل أساسي لتبيان ما يجري في السجون الصغيرة على أنه ليس مجرد احتجاز وعزل لأسرى يشكلون خطرًا أمنيًا على إسرائيل. وإنما هو جزء من برنامج شامل ومخطط علمي ومدروس يهدف إعادة صهر الوعي الفلسطيني.

إن حالة نجاح أو فشل هذا المخطط مرهونة بالدرجة الأولى بقدرتنا على كشفه والوقوف على تفاصيله المحرجة في كثير من الأحيان، بعيدًا عن محاباة الذات والكذب عليها. فالمطلوب وضوح وصراحة، وبحث علمي وليس خطابًا حماسيًا يشيد بالأسرى ونضالاتهم وتضحياتهم، بحث يجيب على الأسئلة والتساؤلات التي نأمل أن نتمكن من إثارتها في هذه الأوراق.

 

تحميل الكتاب