إزالة الصورة من الطباعة

قراءة في الواقع العربي .. تداعيات سياسية وأخطار محدقة

أفرزت المرحلة الاستعمارية الكولونيالية على الوطن العربي والتي استمرت عقودا طويلة مجموعة من التناقضات والتعارضات على المستويات السياسية والاقتصادية والاجتماعية لم تستطع حركة الاستقلالات الوطنية التي شهدتها الأقطار العربية حسمها بعد وذلك بسبب عدم القدرة على الانفلات من الأطر الإقليمية فقد ظلت إشكالية التجزئة السياسية الممنهجة للمنطقة العربية قائمة بعد حصول الاستقلال بل وتكرست أكثر وازدادت مخاطرها بسبب بروز إشكاليات الأقليات العرقية والطائفية خاصة في المشرق العربي والتي تحاول الدوائر الامبريالية الغربية توظيفها لخلق دويلات طائفية كما يخطط الآن للعراق ولسوريا.

والواقع أن الوضع الاجتماعي الطبقي للأنظمة العربية ولحركة التحرر العربية قد ساهم أيضا كل منهما بدوره فيما وصلت إليه أمور الواقع العربي من تجزئة وتشرذم وعدم القدرة على اتخاذ أي قرار نتيجة لسياسة التبعية للمراكز الرأسمالية الغربية من جهة وهيمنة الخط الإصلاحي على فصائل العمل الوطني والقومي والديمقراطي من جهة أخرى وقد نجم عن سياسة التبعية هذه أن أصبحت المنطقة العربية مفتوحة أمام مخاطر الهيمنة الغربية الكاملة في ظل فشل التجارب الاستقلالية القطرية في وضع خطط تنموية شاملة.

غير أن التناقض الرئيسي الذي يبقى قائما ومطروحا بحدة في المنطقة العربية طالما بقيت المسألة الفلسطينية بمنأى عن الحل الشامل والعادل هو التناقض مع الدولة العبرية مع ما تمثله هذه الدولة في كيانها الاستيطاني العنصري الاجلائي في ظل ترسيخ مفاهيم التجزئة السياسية الممنهجة من نموذج خطير قابل للتعميم على صعيد العلاقات العرقية والطائفية واستنادا إلى طبيعة هذا الواقع القائم فإن الصراع يبدو واضحا بين الأمة العربية وقواها التحررية من جهة وبين قوى الاستعمار العالمي والصهيونية العالمية والرجعية العربية من جهة أخرى، صراع بين مشروعين متناقضين على كل المستويات الاقتصادية والسياسية والثقافية والاستراتيجية مما يجعل احتمالات المواجه السياسية وحتى العسكرية قائمة من اجل اعادة رسم خارطة المنطقة وفق مصالح كل منها.

اما “اسرائيل” والولايات المتحدة فإن كل منهما يعملان على ترتيب أوضاع المنطقة بما يضمن بالدرجة الأولى تفوقهما الاقتصادي فتتبنى كل منهما في هذه المرحلة الدعوة إلى نظام اقتصادي وسياسي لشرق أوسط جديد يتم فيه إلغاء كل مقومات ومعطيات الوجود القومي العربي ومردوده على مستوى العلاقات الاجتماعية العربية طبقة اجتماعية منتفعة بل شرائح قليلة منها أما الجماهير العربية العريضة فهي ستتحول الى جماهير منكوبة بالفقر لأن الأطراف العربية في هذا النظام الجديد مقرر لها أن تكون مفردات ترتبط بالمركز الرأسمالي لأنها لا تستطيع أن تصيغ بحكم تخلفها الصناعي علاقتها الاقتصادية من خلال مبدأ التكافؤ وستسعى الدولة الصناعية الكبرى على وضع العراقيل أمامها حتى لا تقوى على الانفلات من إطار التبعية الاقتصادية وهذا من شأنه أن يفتح المجال واسعا في المستقبل لتحقيق الهيمنة الاسرائيلية والأمريكية والغربية بصورة عامة على مقدرات المنطقة وهكذا فإن الغزو القادم الذي يخطط له في الدوائر الامبريالية والصهيونية هو غزو اقتصادي بالدرجة الاولى بالاضافة الى طابعه الأمني الاستراتيجي وهو غزو أكثر ضررا وخطورة من الغزو الاستعماري السابق الذي شهدته البلدان العربية منذ أوائل القرن الماضي لآنه غزو سيصادر كل خطط التنمية العربية وسيرهن كل الاقتصاد العربي لمصلحة الاحتكارات الغربية التي تتميز بتعاظم نفوذ الدوائر المالية اليهودية واذا كان قد حدث في الفترة الاخيرة تراجع على صعيد فكرة الشرق الاوسطية فهو في الواقع تراجع مؤقت بسب استمرار سلطة الليكود والائتلاف اليميني على سدة الحكم في “اسرائيل” حيث لايتحمس هذا الحزب اليميني وغيره من الاحزاب القومية والدينية المتطرفة لهذه الفكرة بسب ان كل سياساتها موجه لتكريس الطابع اليهودي التوارتي للدوله وهذا بخلاف حزب العمل وقوى المعسكر الصهيوني الاخر الذي يسعى في حالة فوزه بانتخابات برلمانية قادمة لإقامة نظام اقتصادي اقليمي واحد على مستوى الشرق الأوسط من شأنه أن يوفر الأمن الاقتصادي والمائي والغذائي وبذلك يتحقق التطبيع الكامل مع الكيان.

وليس من شك في أن مشروع الشرق الأوسط الجديد هذا، هو فكرة “اسرائيلية” بالأساس وأن الولايات المتحدة معنية بالدرجة الأولى بنجاحها اعتمادا على فكرة الفوضى الخلاقة التي اعتمدتها السياسة الأمريكية في الوصول إلى رسم خارطة جديدة للمنطقة العربية وان العديد من المؤشرات والمواقف تؤكد ان ما يجري في المنطقة العربية الان من احداث متسارعة هو ليس ببعيد عن هذه السياسة حيث تستغل الولايات المتحدة الحركات الشعبية المناهضة للاستبداد السياسي والقمع وكذلك موضوع الإرهاب الدولي ومحاربة خطر انتعاش القوى السلفية الجهادية المتطرفة ودموية وتكفيرية البعض منها كتنظيم داعش وذلك في صياغة نظام عربي جديد يضمن لها مكانتها ويبقى على مصالحها في المنطقة.

إن التدخل الأمريكي والغربي بصورة عامة واطراف اقليمية وأنظمة عربية رجعية معروفة تاريخيا تبعيتها للمعسكر الغربي الاستعماري. هذا التدخل في شأن المنطقة ما هو إلا صورة من صور التآمر الامبريالي الصهيوني الرجعي لتحقيق هذا النظام الاقليمي الجديد وذلك على حساب المشروع القومي الديمقراطي التحرري حيث العداء واضحا عند هذه الأطراف للروح القومية العروبية وللنزعة الديمقراطية التحررية ولكل القوى الثورية والتقدمية واليسارية وأنه بسبب هذا التدخل الذي من شأنه أن يحرف نضالات شعوب المنطقة عن الأهداف التي انطلقت من أجلها وهي أهداف مشروعة ضد استبداد السلطة السياسية القمعية الحاكمة التي أشاعت أجواء الفساد في مجتمعاتها وضد التقدم وتكوين مجتمعات ديموقراطية تأخذ بمنهجية الحداثة.

بسبب هذا التدخل وما ينتج عنه من تأثير على مجريات الأمور في المنطقة العربية فإن الواقع العربي أصبح الآن ميدانا للصراع بين القوى الإقليمية والدولية وساحة للمواجهة بين قوى الاستقطاب الجديدة وهذا يعني بوضوح أن ما سمي بالربيع العربي لم يعد صراعا كما هو بالاصل بين قوى المعارضة العربية سواء كانت سياسية أو مسلحة والأنظمة الاستبدادية الحاكمة بهدف التغيير الديمقراطي بقدر ما أصبح الهدف هو إقامة أنظمة سياسية جديدة تلتحق بهذا المحور الذي تشكل أو ذاك!ّ

وهكذا فإنه بالارتباط بهذا الواقع السياسي الجديد الذي طغى فيه التباين أكثر من اى وقت مضى في المنطقة بين الاتجاهين الديني والعلماني الديمقراطي فإن القضية الفلسطينية في ان تكون هي مركز للتناقض الرئيسي في المنطقة قد تراجعت كما تراجعت أيضا خطط التنمية المحلية بسبب الانفلات الأمني وعدم الاستقرار كما هو حادث الآن في مصر وتونس وليبيا واليمن وسوريا والعراق مما يدفع بالكيانات السياسية العربية جميعها سواء الذي أفرزها واقع التجزئة عقب الاستقلالات القطرية أو الواقع السياسي الجديد الذي يترتب عن التدخل الامبريالي الرجعي، مما يدفع هذه الكيانات بالالتحاق بالدول الكبرى خاصة الصناعية منها كأطراف مهمشة في النظام الدولي وبالمركز الرأسمالي العالمي.

والسؤال الآن .. أي تأثير ستجلبه هذه الأوضاع المتسم بها هذا الواقع العربي الآن؟ واي جهد علينا أن نبذله كقوى وطنية وتحررية عربية في مواجهة هذه الأخطار المحدقة؟

وهل هناك أخطر من أن تصبح المنطقة العربية ميدانا للاستقطاب بين القوى الإقليمية (تركيا-إيران) والدولية (الولايات المتحدة-روسيا) ويزيد أيضا من حجم هذه الأخطار تربص الكيان الصهيوني ودخوله مؤخرا كطرف في الصراع على رسم مستقبل المنطقة وفي ظرف يغيب فيه دور إقليمي عربي فاعل يعمل لصالح مستقبل الأمة ومستقبل شعوبها في التغيير؟