إزالة الصورة من الطباعة

غياب الديمقراطية: تعميق الانقسام وتصفية القضية

 

لم يصل الوضع الفلسطيني الداخلي منذ قيام السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة بناءً على اتفاقية أوسلو إلى مرحلة بائسة، على مختلف المستويات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، كما يحدث الآن من تكريس حالة الانقسام وتعميقه من خلال ممارسة أسلوب التحريض إعلاميًا وشعبيًا، في صورة استنساخٍ لتجربة ما سميت بثورات الربيع العربي، التي أسقطت رؤساء من سدة الحكم، لكنها أفرزت بعد ذلك حالة من الصراع الدموي على السلطة، انهارت بها هيمنة الدولة الوطنية.

هذا الأسلوب التحريضي يتنافى حقيقة مع استحقاق العملية الديمقراطية التي تقوم على الانتخابات بهدف وضع حد لظاهرة الاستبداد السياسي، وتحقيق مطلب تداول السلطة، وقد يُخرج القضية الفلسطينية من طابعها الوطني التحرري المقاوم للاحتلال، إلى الطابع المصلحي في التكالب على الحكم والذي تتوارى به غالبًا المبادئ الوطنية، لتحل محلها المصالح الفئوية للطبقة الحاكمة، أو لبعض شرائحها التي يعبر الحزب أو الحركة عنها.

 لقد طغى على الخطاب السياسي الفلسطيني الداخلي في هذه الأيام مفردات هي أبعد ما تكون عن النضال الوطني، حيث هيمنت القضايا المعيشية كقضية الرواتب وكذلك قضية الخصومات التي اتخذتها حكومة الاحتلال الإسرائيلي من عائدات الضرائب (المقاصة)، بحيث أصبحت هذه القضايا هي حديث المواطن الفلسطيني الذي أصابه القلق من جراء تداعياتها المعيشية. وكذلك على المستوى الرسمي الحكومي الشغل الشاغل الآن للدبلوماسية الفلسطينية التصدي لهذه القرصنة الإسرائيلية.

هكذا فالقضية الفلسطينية أصبحت الآن قضية اقتصادية أكثر منها قضية سياسية، وإذا ما استمر هذا الوضع البائس الذي وصل إليه الداخل الفلسطيني فإن ذلك سيؤثر على مكانة القضية الفلسطينية على المستوى الخارجي، حيث سيتم التعامل معها مستقبلًا على أساس أنها قضية إنسانية بالدرجة الأولى، وهي بحاجة إلى حلول اقتصادية عاجلة أكثر من حاجتها لإيجاد حلول سياسية عادلة. كما سيوفر هذا الوضع البائس بيئة صالحة للسير قدمًا من جانب الإدارة الأمريكية لتحقيق خطوات على طريق مشروع صفقة القرن، الذي يجري تسويقه عربيًا، وهو في الأساس كما تسربت بعض بنوده من خلال زيارات مبعوثي ترامب، كوشنر اليهودي صهر الرئيس، وغرينبلات، مشروع اقتصادي لحل القضية الفلسطينية أكثر منه مشروع سياسي.

إن إخراج الوضع الفلسطيني الداخلي من أزمته المتفاقمة التي يسببها بالدرجة الأولى استمرار الانقسام السياسي يتطلب في الواقع، حتى لا يزداد الوضع سوءًا، تجديدًا سياسيًا برنامجيًا، يستجيب بدقة ووضوح لاحتياجات الواقع السياسي والمعيشي للمجتمع الفلسطيني، تجمع عليه مختلف القوى السياسية الفلسطينية، ويتجاوز الاستقطاب الجاري الآن في حياتنا السياسية بين القطبين الرئيسيين: السلطة وقاعدتها الرئيسية حركة فتح، ومن جهة أخرى القوى الإسلامية وفصيلها الرئيسي حركة حماس.

إن أحد أبرز المداخل للتغلب على الأزمة يتمثل في الإسراع بتفعيل العملية الديمقراطية من خلال إجراء الانتخابات التشريعية والرئاسية والمجلس الوطني، وهي عملية واقعية ومطلب شعبي ملح يجب أن تنخرط فيها القوى السياسية والشخصيات الوطنية والديمقراطية، ولا يجوز الاكتفاء بالإشارة إلى أهميتها، ثم الاكتفاء بموقف انتظاري يتم خلاله قطع خطوات ملموسة وشوطًا كبيرًا على طريق تعميق الأزمة وتصفية القضية.