غسان كنفاني والعمل الفدائي " الخاص " (1)

خالد بركات

()

  • 1 مقال

خاض الرفيق الشهيد غسان كنفاني صراعاً فكرياً، لا هوادة فيه، في مواجهة الذين وقفوا " ضد العمليات الخارجية للجبهة " ولم يرد على منتقدي تلك " العمليات " بالردح والشتائم، واجتهد بتوفير المعلومات الموثقة الصحيحة وعرض الفكر السياسي، العلمي الثوري، الذي يقف خلف " ظاهرة العمليات في الخارج " وإن كان نقده لهؤلاء لم يخلو -طبعاً-من لغته اللاذعة والموجعة والساخرة. ذلك لأن صاحب شعار " وراء العدو في كل مكان " ظل يؤكد -حتى لحظة استشهاده -أن لا انفصال أو تناقض بين أهداف العمل الفدائي في غزة  والأغوار والنقب وعلى الحدود، وبين " العمليات الخارجية" طالما أن العدو/ الهدف : واحد.

هذه القناعة الراسخة استندت إلى فهم عميق لطبيعة العدو وطبيعة الصراع وإلى قراءة واعية لمتطلبات المرحلة وظروف شعبنا وموازين القوى في المنطقة والعالم وغيرها وغيرها من الأسباب التي شكّلت في محصلتها النهائية الدليل الذي أضاء لرؤيته طريقها.

وهكذا تكاملا: وديع وغسان ....

يسأل كنفاني:

لماذا يموت شاب مثل عبد المحسن حسن على ثلوج مطار زيورخ؟  أو لماذا تُعرّض فتاة مثل أمينة دحبور نفسها للموت أو الاعتقال في سجون سويسرا؟ أو لماذا يُعرّض ماهر اليماني ومحمود عيسى نفسيهما للموت أو السجن في معتقلات اليونان؟ لماذا تخاطر ليلى خالد وسليم عيساوي بحياتهما في عملية جريئة مثل عملية الاستيلاء على الطائرة الأمريكية التابعة لشركة الخطوط الجوية العالمية وتدميرها؟ وأخيراً وليس آخراً لماذا يشتري شبل مثل خالد أو طلعت أو وائل أو عادل، الموت أو السجن، في أكثر من مدينة أوروبية؟

ويجيب غسان:

“لأن الأمور تقاس عادة بنتائجها، إن ضربة واحدة من هذه الضربات، كانت أشد فعلاً وأبعد أثراً من مكاتب إعلام أو ملحقين ثقافيين أو صحفيين، أنفقوا أموالاً وجهوداً كان يمكن لو وضعت في خدمة الثورة الفلسطينية لكانت الثورة نمت وتصاعدت وأفادت، على الصعيد الإعلامي ، أكثر..!

كأن كنفاني أراد أن يقول لنا في جملته الأخيرة، إن الاعلام وليس القتل كان دائماً هو الهدف. هكذا ارتسمت العلاقة الوطيدة بين العقل الاستراتيجي لمدرسة الشهيد وديع حداد في " العمل الخاص " وبين المؤسسة الاعلامية الثورية التي أرادها الشهيد غسان كنفاني، أن تكون في خدمة الثورة، أولاً وأخيراً، أو لا تكون. إن إعلام الثورة الفلسطينية يجب ألا يوظف في خدمة فرد أو زعيم أو حزب أو منظمة.

يرد غسان على منتقدي " العمليات " فيكتب :

" القول بأن مثل هذه الضربات أدت، أو ستؤدي، إلى استنفار أو استعداء أمريكا أو ألمانيا أو بريطانيا أو غيرها فإنه قول يبلغ قمة المهزلة، إنه قول يلغي ببساطة ساذجة تاريخاً كاملاً عن معاناة شعب فلسطين والأمة العربية على يد هذه الدول" .

ويرمي كنفاني سؤاله / الجواب فيقول

  " إن السؤال الذي يجب أن يسأل: ما هو الشيء الذي لم تقدمه هذه الدول الاستعمارية "لإسرائيل" بعد؟ وما هو الدليل الذي لا زال البعض بحاجة إليه ليثبت لهم عداء الدول الاستعمارية المستعمرة لنا ولقضايانا"؟

معسكر العدو، بالنسبة للشهيد الأديب، لم يكن يقتصر على " اسرائيل " والحركة الصهيونية، لو كان الأمر على هذا النحو، لاختلف كل البناء الفكري السياسي وما وجدنا هذا الرابط الوثيق بين الامبريالية وبين الصهيونية وكيانها العنصري في فلسطين المحتلة. ان الشريان الذي يمد العدو بالمال والسلاح والتقنية والدعم السياسي هو لم يتغير. منذ انشاء هذا الكيان على أنقاض شعبنا وقراه حتى هذه اللحظة. 

صحيح أن هذا الشكل من العمل الفدائي الثوري توقف منذ عقود، وصحيح أيضاً أن ما جرى ضخه من إعلام معادٍ لمثل هذا العمل جعل البعض يراه اليوم (دماراً وتخريباً) لكن كل هذا لا يمنع من مسائلة الواقع مجدداً وإجراء المراجعة السياسية والتاريخية لكل أشكال العمل المقاوم. ومنها وفي قلبها: العمل الفدائي في الخارج.

ربما صار من الواجب أن تُعيد القوى الثورية الفلسطينية، أو ما تبقى منها، أو ما سيلد منها مستقبلاً، قراءتها لدورها وللعمل الفدائي. ليس المطلوب هو تكرار واستنساخ ما سبق من تجارب، أو العمل على قاعدة " فش الخلق "، بقدر ما نحتاج إلى شق آفاق جديدة لأشكال نضالية جديدة، وفق رؤية ثورية جديدة، لا تنفصل عن جوهر الرؤية التي قدمّها الفدائيون الأوائل لنا وتستعيد من خلالها طليعة شعبنا الشعار الصحيح ( وراء العدو في كل مكان ) مجدداً

المطلوب قوة تُشكّل سنداً وذراعاً لشعب مُعذب أصبح كله اليوم مطاردًا ومحاصرًا ومنبوذاً، لم يعد لديه ما يخسره.

ملاحظة: الجزء (2) ينشر لاحقاً

التعليقات