"الثورات" العربية...وتفكيك الجيوش والمجتمعات!

راسم عبيدات

(كاتب صحفي )

  • 1 مقال

لكاتب الصحفي والمحلل السياسي راسم عبيدات مواليد 10/8/1959،جبل المكبر/القدس،حاصل على شهادة بكالوريس في إدارة الأعمال/ من جامعة بيت لحم عام 1982،ودبلوم صحافة،أمضيت عشر سنوات في سجون الاحتلال الإسرائيلي بتهمة الانتماء للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين،آخرها كانت في حزيران/2005 بتهمة الرغبة بالترشح لانتخابات المجلس التشريعي الفلسطيني في القدس،حيث امضيت على خلفية ذلك سبعة عشر شهراً في السجن،شغلت عضوية الهيئة الإدارية لنادي جبل المكبر الرياضي لأكثر من ثلاث دورات انتخابية،وكذلك رئيساً للجنة أولياء الأمور في مدارس جبل المكبر لمدة عشر سنوات،وعضو الهيئة الادارية لرابطة خريجي جامعة بيت لحم،وعضو مجلس أمناء لأكثر من مؤسسة مقدسية مجتمعية،كاتب للمقالة الصحفية،كاتب المقالة الرئيسية لجريدة القدس مرتين في الأسبوع وأكتب مقالة أسبوعية على الصفحة الأولى لجريدة العربي الناصري المصرية،وكذلك اكتب في صحيفتي تشرين السورية والبناء القومية،وتنتشر مقالاتي في عشرات المواقع الالكترونية المحلية والعربية والدولية،ويبلغ عدد زوار موقعي الفرعي على صفحة موقع الحوار المتمدن (1610000 قارئ،مؤلف لكتابين واحد بعنوان "صرخات في زمن الردة" والآخر بعنوان" من ذاكرة الاسر"،وأشغل حالياً وظيفة منسق الإعلام في برنامج التأهيل التابع لجمعية الشبان المسيحية في بيت ساحور،وأحد قيادات العمل الأهلي والمجتمعي في مدينة القدس،وعضو هيئة العمل ال

في بداية قيام ما يسمى ب" الثورات" العربية،وما رفعته من شعارات ومطالب اقتصادية واجتماعية ومن ثم سياسية، تصورنا بأن الهدف هو التغيير والإصلاح وتحقيق أعلى قدر من العدالة الإجتماعية والحريات العامة والخاصة،وبناء مجتمعات مدنية تقوم على المواطنة والمشاركة في القرار والقيادة وتداول السلطة ديمقراطياً..الخ،ولذلك وجدنا اوسع التفاف شعبي وجماهيري حول تلك الثورات.

ولكن سرعان ما انحرفت البوصلة وجرى استثمار واستغلال تلك الثورات خدمة لأهداف وأجندات ومصالح قوى مرتبطة بأحلاف ومشاريع سياسية كبرى يجري رسمها للمنطقة تقوم على تفكيك وتركيب الجغرافيا العربية على تخوم وحدود المذهبية والطائفية،وبما يمنع أي حالة نهوض قومي عربي او توحد،ولذلك بحثت امريكا عن شركاء لمشروعها هذا الذي كانت تحاول تنفيذه منذ عام 2000 و20006،لكنها فشلت في ذلك بفعل صمود حزب الله اللبناني ومعه المحور المتماسك من قوى المقاومة على وجه التحديد ايران وسوريا.

جاءت ما يسمى ب"الثورات" العربية،وركبت جماعة الإخوان المسلمين الموجة، باعتبارها قوة منظمة كبرى، ولديها حنفيات ومزاريب اموال تضخ عليها كمال سياسي من اكثر من عاصمة خليجية وإسلامية، واعتلت حركة الإخوان السلطة في اكثر من بلد عربي وبالتحديد مصر،ولكن سرعان ما انكشفت حقيقة الإخوان، وانهم لا يعرفون سوى مصالحهم ورفعوا ايديولوجيتهم فوق أوطانهم،وشرعوا بأخونة الدولة والسلطة والمجتمع، مما ادى لسقوطهم المدوي،ولكن بسقوط الإخوان لم يتوقف المشروع الأمريكي-الاسرائيلي-الاستعماري الغربي على المنطقة بأدواته العربية والإقليمية، حيث تصدر ذلك قطر والسعودية وتركيا.

المشروع التفكيكي للجيوش حقق نجاحات كبيرة في ليبيا والعراق، حيث ان تفكيك الجيوش من شأنه ان يفتح الطريق واسعاً امام تفكك المجتمعات، وخصوصا ان ليبيا كانت دولة غير محصنة مجتمعيا ولا تتمتع بمواصفات الدولة المدنية، وجيشها اقرب الى مليشيات عشائرية منه الى جيش نظامي وطني،ولذلك وجدنا بأن تفكيك الجيش الليبي، سهّل بشكل كبير تفكيك المجتمع،بحيث تحولت ليبيا الى ساحة حرب بين مليشيات وعصابات متناحرة،حروب عشائرية وقبلية،تسفك فيها دماء المدنيين وترتكب مجازر،فالحرب تجري على البيئة المدنية لهتك نسيجها المجتمعي،وبالتالي تنفصل مكونات المجتمع الى قبائل وعشائر وملل وطوائف،وتفقد القيم المدنية معناها بين الناس لصالح القيم البدائية التي تحيي حرباً مزمنة بين أطياف المجتمع تتغذى وتشبع يومياً من البيئة اللا مدنية التي تحوّل ماء المجتمع الى مستنقع.

وفي العراق وجدنا مباشرة بعد احتلاله في عام 2003، اول خطوة قام بها الحاكم العسكري الأمريكي للعراق "بريمر" بتفكيك الجيش العراقي، لكي يسهل تفكيك المجتمع العراقي، ووجدنا أنه بعد تفكيك الجيش استولى ودعم ما يسمى بتنظيم الدولة الإسلامية "داعش" وإستيلائه على مساحات واسعة من أراضي الدولة العراقية،كانت المجازر ترتكب بحق المدنيين بشكل كبير، وجرت وتجري عمليات تطهير عرقي بحق جماعات أثنية ودينية كاملة، ودخل العراق في حروب مذهبية وطائفية وتقسيمات عشائرية وقبائلية،في حروب الهدف منها خلق ثارات وندوب وجروح عميقة ومستديمة في المجتمع تمنع لملمة شظياته والعودة به لمجتمع مدني لأكثر من مئة عام قادمة على الأقل،حيث تتحول المجتمعات الى مجتمعات بوهيمية تحكمها الغرائز والعواطف،وتعمل القتل والدمار في بعضها البعض، في حروب تذكر بحروب داحس والغبراء وحرب "البسوس" وغيرها.

هذا المشروع الذي نجح في ليبيا والعراق حاولت امريكا وحلفاؤها تطبيقه في سوريا، ودفعوا بمرتزقتهم وعصاباتهم من اكثر من 80 دولة في حرب عدوانية إجرامية على سوريا،ولكنها طوال خمسة اعوام لم ينجحوا في كسر إرادة السوريين ولا فك عرى العلاقة بين الجيش السوري المبني على أسس وطنية وعقائدية وبين حاضنته من المجتمع المدني،ففي ليبيا والعراق،التدخل الخارجي فكك ودمر الجيش، وسهل تدمير وتفكيك المجتمع المدني ولكن في سوريا لم يكن هناك تدخل عسكري مباشر، ومن انيط به من الحلفاء للقيام بهذه المهمة تركيا، فشل في ذلك فشلاً ذريعاً، فرغم كل الحرب والضربات التي تعرض لها الجيش السوري، وما رافق ذلك من تحريض مذهبي وطائفي وتشويه وإشاعات وأخبار كاذبة وتلفيقات، لم يثمر في حصول أي انشقاق جدي، وذلك لكون البيئة الحاضنة للجيش لم تتآكل ولم تتفتت، وانشقاق الجيش يكون عندما ينهار المجتمع الذي ينتج الجيش ويستند عليه.

هذا الفشل قاد أصحاب هذا المشروع وحواضنهم وأدواتهم التنفيذية لشن حرب شاملة على المجتمع المدني السوري، حيث التفجيرات الإرهابية وعمليات القتل الوحشية والمجازر المروعة بهدف زعزعة الاستقرار في المجتمع المدني، لكي يتم خلق حالة من الانفصال والخصام والعداء بين الجيش وبيئته الحاضنة، وبما يشغل الجيش عن القيام بدورة في اجتثاث واستئصال الجماعات الإرهابية، ولهذا فإن المجازر المتنقلة والتي يتناوب عليها داعش والنصرة والفتح وجيش الاسلام وأحرار الشام هي عمل منظم خبيث غايته أبعد من مجرد عملية ثأر بل عملية ضرب المجتمع والقيم المدنية، تديره نفس الجهات التي تفاوض من واشنطن ومن خلفها تل أبيب.

وكما قال امين عام حزب الله حسن نصرالله ستشهد الأشهر القادمة عملية تصعيد غير مسبوق،ولكن حلف المقاومة سيفرض معادلاته وسينتصر،وستنهض سوريا من جديد،وستصبح رقماً صعباً في المعادلات الإقليمية والدولية.

Quds.45@gmail.com

التعليقات