كلمة وفاء في الذكرى التاسعة لاستشهاد القائد الدكتور أحمد المسلماني

أحمد سعدات

()

  • 1 مقال

مركز حنظلة للأسرى والمحررين

تمر علينا الذكرى التاسعة لاستشهاد القائد المميز طبيب القدس الدكتور أحمد المسلماني، والتي نستعيد فيها ملامح شخصيته كقائد وإنسان، وعن أعماله وانتاجيته العالية وشخصيته الوطنية والحزبية والإنسانية.

نحتفي بهذه الذكرى وفاءً لمن خاض العمل الوطني الثوري، وجسد وطنيته العالية من خلال انتمائه واخلاصه للوطن والشعب، وشكّل نموذجاً طليعياً وعطاءً غير محدوداً نستمد منه القوة والعزيمة والإصرار في مسيرتنا النضالية الثورية.

في المحطات والمنعطفات الحادة المجافية لنضالنا الوطني تتعاظم التحديات وتصبح معاني الوفاء للشهداء وقوداً لترسيخ أقدامنا وقوة دفع لتجاوز المسالك الوعرة، وحل المعضلات التي تعترض تقدمنا صوب محطة النصر. من هذه المبادئ المتماسكة بانتمائها وانخراطها الثوري، وعطائها المتميز من طراز الرفيق القائد المسلماني " أبو وسام" تظهر مشاعل حرية تنير دربنا وتمدنا بالأمل وإرادة التحدي؛ فالرفيق القائد سجل في مسيرته الثورية خارج الوطن حيث كان طالباً وعضواً في منظمة الجبهة في رومانيا نموذجاً للالتزام المبني على أسس الانتماء الوطني الثوري، والاستعداد غير المحدود للعمل والعطاء، فلم يُسجل عليه أي موقف يعكس أدنى تثاقل في أداء مهامه، فعلى مدار السنوات التي امتدت من النصف الأول من ثمانينات القرن العشرين وحتى استشهاده لم يرفض أي مهمة طُرحت عليه مهما كانت صعبة وخارج غطاء مهامه الثورية التي يحددها وضعه الحزبي، فكان عن جدارة رجل المهام النوعية في أحلك الظروف وأكثرها صعوبة.

 واصل نشاطه في الحزب داخل منظمة الأرض المحتلة بعد تخرجه طبيباً من احدى جامعات رومانيا، حيث التحق بالعمل الحزبي فور وصوله ومعه فريق من الرفاق الذين انخرطوا معه، وكان من أبرز المبادرين لتشكيل أول النواة للجان العمل الصحي في إطار العمل التطوعي الطبي لإغاثة فقراء الشعب، وهذه النواة التي أطلق عليها اللجان الشعبية للجان العمل الصحي تطورت لتصبح اليوم مؤسسة عريقة تقدم خدمات طبية مميزة لجماهير شعبنا في الضفة والقطاع، لكن الرفيق لم يحصر نشاطه في إطار تخصصه المهني، بل عمل في مهمات حزبية عديدة بنائية في منظمات القدس، مساهماً في إعادة بنائها وتأسيسها بعد الضربة الاعتقالية التي وُجهت لهرمها التنظيمي عام 1985، وأخرى جماهيرية في منظمة القدس، فضلاً عن مهامه الجماهيرية في المكتب الجماهيري المركزي الذي لعب دراً مهماً في الانتفاضة الشعبية الأولى.

 تدرج وضعه في الهرم الحزبي بمنظمة فرع الأرض المحتلة، وارتقى وصولاً إلى عضويتها في اللجنة المركزية لفرع الأرض المحتلة قبل المؤتمر السادس، وعضواً منتخباً في قيادة فرع الضفة في دورتين متتاليتين، واللجنة المركزية العامة بعد انتخابه لهذا الموقع من قبل المؤتمر السادس الذي أنهى أعماله في عام 2000.

في سياق نشاطه تعرض للاعتقال مرات عديدة سجل خلالها مواقف مبدئية صلبة في مواجهة جلاديه، وأمضى في أقبية التحقيق في السجون عدة سنوات بين محكوم في الاعتقال الإداري،  حيث لم تؤثر هذه الاعتقالات على مواصلة مسيرته النضالية واندفاعه للعمل الثوري.

أذكر أنا ومن عمل معه أنه لم يتردد يوماً أو طالب بتخفيف مهامه أو حتى نقاش تلك المهمة على خلفية الرفض، أو واجبه في إغناء مضمونها أو التدقيق فيها، علاوة على دوره القيادي الجماهيري المميز في بناء منظمة القدس الحزبية، بعد تعرضها لضربات وحاجتها للكادر للبناء، حيث شكّل القائد الفقيد في محطات متعددة أحد أهم أعمدة البناء الحزبي لهذه المنظمة.

 ولعل أبرز ما ميز وشكّل سجايا شخصيته الثورية هي وضوح شخصيته الإنسانية والحزبية، فهي تعرف ما تريد، وتوجهها مجموعة من القيم الأخلاقية الإنسانية الرفيعة، وهذا ما أكسب الفقيد القائد تقدير واحترام الرفاق في الحزب والمجتمع وفي أواسط الحركة الوطنية؛ فالرفيق القائد الفقيد تميز بشخصية شاملة وامتلك مواهب ثورية متعددة اقترنت بالاستعداد العالي للتضحية والعطاء.

ولا أجافي الحقيقية حينما أقول أنه ترك بصمات مهمة في كل مجال العمل الثوري والحزبي خارج السجن وداخله، وفي إطار المهام الحزبية في داخل الأسر والعمل المهني الاجتماعي الجماهيري، وشكّل رحيله خسارة نوعية للحزب والحركة الوطنية الفلسطينية بشكل عام.

فقبل أن أنهي كلماتي والتي مهما تنوعت لن تصل بالتأكيد لترجمة عمق العاطفة والحب والتقدير التي يحملها الرفيقات والرفاق للفقيد القائد " أبو وسام" لابد من التطرق لموقف سُجل للرفيق، وكشف أصالة ثوريته وعمق انتمائه الحزبي بشكل خاص وتواضعه الثوري، فقد كان اسمه من بين الأسماء التي رشحها الرفيق القائد أبوعلي مصطفى لعضوية المكتب السياسي للجبهة بعد انعقاد المؤتمر السادس للجبهة، وانتخاب اللجنة المركزية للجبهة لكنه اعتذر عن قبول الترشيح مقدماً غيره لهذه المهمة، وبالتأكيد لم يكن موقفه لينتقص من استعداديته بل لأن المرتبة الحزبية تعني له مضمون المهام التي يقدمها. ولذلك فإنه علل موقف بأنه لا يستطيع قبول استحقاق هذه المهمة في ظل الحاجة للقيام بالعديد من المهام البنائية القاعدية، فلم تكن أولويات واهتمام الرفيق الجري خلف مكاسب مادية أو معنوية أو تراتبية حزبية، بل في العطاء بالمجال الذي يستطيع التركيز عليه في المهام التي يطرحها.

وختاماً، لابد لنا من توجيه التحية وتضامننا الوجداني الحار للرفيقة زوجته، والتي كانت سنداً مهماً له في أداء مهامه ولأبنائه ولعموم عائلته الكرام الذين يفتقدونه في ذكراه كما يفتقده رفاقه وحزبه؛ فعلينا للرفيق القائد الشهيد وللشهداء عموماً واجب الوفاء لهم، والذي نترجمه بمضاعفة مجهودنا الثوري، وعطاؤنا الثوري حتى تحقيق الأهداف التي ناضلوا واستشهدوا من أجلها.

التعليقات

تعليقك على الموضوع