هكذا تتغير المدن

أسامة عطوة

()

  • 1 مقال

نقلاً عن اتجاه 

قوَّة سائلة هلاميَّة من الصعب الإمساك بها، هكذا يتحرك رأس المال بشكله الحاليّ في محاولاته المستمرة لإعادة صياغة الإنسان ولتحقيق الربح والسيطرة دائماً.

تغيير الإنسان يستلزم بالضرورة تغيير البنية الاقتصاديَّة للمجتمع وهذا يستلزم بدوره تغيير جغرافيا المكان لخلق ثقافة جديدة.

فبينما كان "الاقتصاد الحقيقي" المنتِج هو الشكل الاقتصاديّ القائم والذي يسكن أطراف المدن والمناطق الخارجيَّة فإنَّ اقتصاد الخدمات يستهدف قلب المدن ومراكزها الحيوية.

في الشكل الأول "الاقتصاد الحقيقي" تكون المزارع والمصانع وحتى الاقتصاد المنزليّ هي الأدوات المستخدمة والإنتاج هو الطابع العام لهذا الشكل ويخلق لمجتمعه أخلاقه وقيمه. ويترافق مع هذا النمط إنتاج ثقافيّ وفكريّ يسهم في حراكه التنويري، وهنا تبرز دور السينما والمقاهي والصالونات الأدبية وما تنتجه في حقول الفن والثقافة والفكر. وتبقى الأماكن "المدن" كما هي تقريباً بلا تغيير حقيقي في شكلها لأنَّ المصانع والمزارع تسكن على الأطراف وسواء عاش العاملون فيها في مناطق الإنتاج أو في المدن فإنَّها (المدن) تكون التجلي للحالة الإنتاجيَّة بمعنى أنَّها مركز للبيع والشراء -لما ينتجه المجتمع- والتنوير وهكذا تتطور وتبني تاريخها.

في الشكل الثاني "اقتصاد الخدمات" تكون المجمعات التجاريَّة والأماكن الترفيهيَّة وشركات وأدوات الاتصالات ..الخ هي الأدوات المستخدمة والاستهلاك هو الطابع العام والسمة الأساسيَّة. وهذا النمط يعتمد أساساً على الإنسان المستهلك بما أنَّ دورَه الأساسيّ البيع لتعظيم الربح، واقتصاد الخدمات غير منتج إنما وكيل لسلع ومنتجات من الخارج وبالتالي لا ينتج لا ثقافة ولا فكر مما يؤدي إلى ردة للوراء وإعطابا للتنوير. الاستهلاك هو الأهم، والإنسان المستهلك هو المطلوب.

يستهدف هذا الشكل قلبَ المدن ومراكزها الحيويَّة لضمان أعظم قدر من الربح وهذا يتطلب تغيير شكل المدن وتفريغها من محتواها الثقافيّ والفكريّ والتاريخيّ "الإنتاجيّ" لخلق ثقافة الاستهلاك وصناعة الإنسان المستهلك-الإنسان-الليرة. ويتم التعامل مع كلِّ ما هو ثقافيّ "فنيّ وتراثيّ .. الخ" بشكل يسلخه من سياقه التاريخيّ ودوره الطبيعيّ ويكون استخدامه فقط بما يجلبه من ربح ومستهلكين فترى "جاروشة" هنا و "بابور" هناك، أو يعلّق على هذا الحائط "بساط" وعلى ذاك قصيدة أو صورة شاعر وبالتالي مسخ وتفريغ المحتوى وتحويل الموضوع لشكل فقط.

هنا ربما نستطيع فهم لماذا نشهد الاستهداف للمعالم التاريخيَّة من بيوت ومقاهي ودور سينما.

في طولكرم مثلاً تم شراء مقهى "كرمول"، وهو أقدم مقهى في المدينة كي يبنى مجمع تجاريّ ضخم مكانه. ومن قبله تم شراء ما كنا نسميه "القصر" وهو بيت تاريخيّ في المدينة وهُدم وتم تجاهل الاعتراضات على ذلك. وفي جنين بيعت سينما جنين بكل ما تحمله من تاريخ المدينة لكي تحوَّل إلى "مول" . يحدث هذا أيضا في رام الله ونابلس وغيرها من مدن فلسطين، وحدث ويحدث في بيروت وعمَان، تعلو المباني الزجاجيَّة الضخمة وتختفي المعالم التاريخيَّة التي ارتبطت بالبشر وإنتاجهم وبحثهم وأحلامهم بالحرية.

التعليقات

تعليقك على الموضوع