لا تتوفر نتائج هذه اللحظة.

سلطة " أوسلو " ستنهي منظمة التحرير؟

اسحق أبو الوليد

(اسحق أبو الوليد)

  • 1 مقال

اسحق أبو الوليد

عندما نجحت الامبريالية من تمكين الحركة الصهيونية العالمية لإقامة كيان في فلسطين له مواصفات دولة، عملت أيضاً على تشكيل " كيانات" أخرى غير مرئية كجزء من بنيان بعض الممالك والدول، خاصة النفطية، التي منذ قيامها ارتبط وجود ملوكها وحكامها ومجمل نظام الحكم فيها عضوياً بهذا الكيان وحاضنته الحركة الصهيونية العالمية التي هي احدى أهم مؤسسات النظام الرأسمالي الامبريالي العالمي، لهذا شكّلت هذه الأنظمة جزءاً أصيلاً من معسكر أعداء حركة التحرر الوطني العربية وخاصة الفلسطينية، وقد خاضت العديد من المعارك الدموية نيابة عن هذا الكيان، وخاصة في الأردن ولبنان، وقامت بقمع وملاحقة كل المناضلين الوطنيين والقوميين الحقيقيين واليساريين سواء كانوا ماركسيين أم لا، الذين ناضلوا وما زالوا من أجل إنهاء كل مظاهر التبعية والتخلف، ومن أجل التحرر من الاستعمار بكل أشكاله وتحقيق الاستقلال التام الذي يضمن السيطرة الكاملة على خيرات ومقدرات الأمة لوضعها في خدمة كل مواطنيها وخاصة الفلاحين والعمال وكل الكادحين.

ولكن وبما أن للصراع الطبقي والقومي ضد معسكر الأعداء الصفة الموضوعية، أي لا يمكن لأحد إيقافه، فإن الحركة الوطنية يمكن لها أن تتقدم أو تتراجع، في إطار عملية مد وجزر تحددها الظروف الموضوعية وموازين القوى في اللحظة المعطاة، بالإضافة لمدى جرأة وفاعلية العامل الذاتي.

بهذا الفهم كانت ثورة يوليو في مصر بقيادة الزعيم الراحل جمال عبد الناصر تعبير عن مرحلة من مراحل المد التاريخي للأمة بأكملها حيث شكّلت مصر في تلك الفترة رغم أنف الأعداء الرافعة والموحِدة لقوى الأمة والمعبِر عن طموحاتها، وحدثت أعمال البناء والتطوير في مصر، ومناطق أخرى من الوطن بدعم وإسناد من الاتحاد السوفيتي السابق. هذا النهوض القومي تم قطع الطريق عليه، بشن حرب امبريالية صهيونية رجعية عربية شاملة عام 1967 ( 7 حزيران) على كل من مصر وسوريا بالأساس، تخلى فيها النظام الأردني، رغم استبسال بعض قطاعاته العسكرية عن ما تبقى من فلسطين للصهاينة وخسرت سوريا مرتفعات الجولان، وأما مصر فقد خسرت كل شبه جزيرة سيناء وقطاع غزة الفلسطيني.

حرب حزيران عام 1967 كانت نقطة تحوّل استراتيجية في بنية الكيان الصهيوني، ارتكز عليها للانطلاق من جديد لتحقيق الأهداف المركزية الاستراتيجية للحركة الصهيونية في السيطرة الكاملة على فلسطين من جهة، ولتنفيذ المخططات الامبريالية في إحكام الهيمنة الكاملة على المنطقة وخاصة على الوطن العربي لنهب ثرواتها الطبيعية واستخدام أراضيها كقواعد عسكرية للاعتداء على شعوبها وشعوب أخرى من العالم.

لقد أحدثت الهزيمة جزر عميق للمشروع القومي النهضوي – التحرري وعرت أزمته البنيوية والفكرية، لكن انطلاقة العمل الثوري المسلح الفلسطيني بزخم وقوية مباشرة بعد هزيمة حزيران، أسس لإمكانية البدء في تعديل ميزان القوى القائم، وأحدث من جديد ظروف موضوعية لمد ثوري قومي ارتكزت عليه الأنظمة الوطنية في رفضها للهزيمة وإفرازاتها، وشاركت فيه الجماهير العربية من المحيط إلى الخليج، مما أفزع وأرعب أنظمة النفط وأسيادهم وعملوا معاً لوأد هذا المولود ( المقاومة المسلحة) واستخدموا كافة الأساليب وخاصة البوليسية والعسكرية الدموية للقضاء على المقاومة المسلحة التي بنت أول وأهم نقطة ارتكاز لها في الأردن، التي استمرت منذ نهاية 1967 حتى أواسط العام 1971.

لكن، ورغم عنف الحملة العسكرية المعادية وفاشيتها، إلا أن الثورة صمدت وحققت إنجازات عسكرية كبيرة، ووضعت في مرمى التهديد الجدي وجود النظام الملكي نفسه مما دفع هذا النظام للمساومة السياسية مع عرفات لتحقيق ما عجزت عن تحقيقه آلته الحربية. هنا تكشّفت الميول التساومية للقيادة البرجوازية اليمينية البراغماتية لمنظمة التحرير الفلسطينية التي كان عرفات على رأسها ومتحكماً بها، للتساوق والتناغم مع سياسات الأنظمة الرجعية والانضباط لرؤيتها وفهمها لطبيعة  الصراع العربي – الصهيوني.

هكذا ترافقت الانتصارات العسكرية الواضحة للمقاومة في الأردن وتحقيقها لإنجازات كبرى مع هزيمة سياسية بسبب مساومة غير عادلة وغير ثورية وغير وطنية على مبدأ وجود المقاومة في هذا البلد العربي ذات الأغلبية الفلسطينية ما زلنا ندفع ثمنها حتى الآن، والأنكى من هذا أنه رغم التوصيف الدقيق للذي جرى من قبل بعض القوى الفلسطينية، وخاصة الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين إلا أنه لم تتم مراجعة هذه المرحلة وطنياً في حينها لتحديد الأخطاء والمسئولين عنها ومحاسبتهم، مما فتح الأبواب لهذه القيادة على مصراعيها لمزيد من المساومات السياسية والأمنية مع أطراف عربية وإقليمية ودولية حيث كرسّت ورسخّت النمط البرغماتي الليبرالي التساومي كأيديولوجيا لها، واستجابت عن طيبة خاطر لوساطات الأنظمة الرجعية العربية وخاصة في المغرب لفتح خطوط " الاتصال" مع العدو الصهيوني منذ بداية سبعينيات القرن الماضي " للبحث عن حل سلمي للنزاع" وأخذت ببناء أجهزة عسكرية وأمنية بيروقراطية استعراضية في لبنان، لم تكن الثورة والمقاومة من أولوياتها، كي تستخدمها لخدمة أهداف محددة وفي مراحل متميزة، مما ساهم في توفير شروط موضوعية لتحكمها المطلق في الإمكانيات المادية وخاصة المالية، وبالتالي بالقرارات السياسية المفصلية مما مكنّها من السيطرة المطلقة على القيادة في منظمة التحرير ومركز القرار فيها.

هذه القيادة التي تعلمت فن المساومة من أجل الدفاع عن مصالحها الطبقية البرجوازية الطفيلية والمالية بتمرس وخبرة استطاعت أن تجعل من منظمة التحرير " أوتوستراد" باتجاهين لها وللحكام العرب للمزيد من الاتصالات مع الصهاينة متخلية في كل مرة عن مبدأ من مبادئ الميثاق الوطني كي تكسب رضى الأعداء الذين منحوها في نهاية المطاف شهادة حسن سلوك قُبلت على أساسها عضواً في نادي المساومين ( المفاوضين) في أوسلو الذي توصل " لصفقة تاريخية" بين منظمة التحرير والكيان الصهيوني، كما وصفها "رابين" رئيس وزراء الكيان في تلك الفترة.

إذاً الصفقة التي أنُجزت في اتفاقية أوسلو ووقُعت في واشنطن هي صفقة طبقية بامتياز ولكن بثوب وطني، وهذا ليس بغريب أو جديد على البرجوازية أو أي شريحة من شرائحها بل تعبير عن انسجامها الذاتي مع محيطها الذي هو يتناقض مع مبدأ المقاومة والتحرير، لهذا هي تتعامل مع بقايا مؤسسات منظمة التحرير كجسر لاستكمال بناء المؤسسات البديلة التي شُكلّت على أساس اتفاق أوسلو في إطار سلطة الحكم الذاتي.

إن كل إنجازات النضال الوطني الفلسطيني وحلفائه – منظمة التحرير الفلسطينية ومكاتبها في الخارج، القوات العسكرية والأمنية، الصندوق القومي والمجلس الوطني، وكذلك الانتفاضة المجيدة الأولى – تم خطفها والاستحواذ عليها من قبل القيادة اليمينية والتعامل معها وظيفياً، للوصول إلى أي شكل من أشكال السلطة، لأنها ورؤوس أموالها لم تعد تحتمل "الهجرة" في ظروف عالمية وعربية جديدة أنهت وجود البرجوازيات الوطنية كمكون من قوى التحرير والنضال الاجتماعي.

إذاً هذه القيادة لم تذهب إلى أوسلو مكرهة أو بضغط من أحد، بل بالعكس شكّلت رأس قاطرة المهرولين وحجتهم للتصالح مع الصهيونية وكيانها  على قاعدة أن السياسة هي " فن الممكن" و" التعامل الإيجابي مع كل متغير"، وكان القيادي السابق في حركة فتح خالد الحسن من أبرز المنظّرين لهذه الأيديولوجية التي بدورها تندرج في إطار نهج متكامل " الخطوة – خطوة" أي الممكن – الممكن، كما أرسى قواعده الصهيوني "هنري كيسنجر" وزير سابق للخارجية الأمريكية، والذي تُوج لاحُقاً بتوقيع اتفاقيات " كامب ديفيد" بين نظام السادات في مصر والكيان الصهيوني، هذه الاتفاقيات التي شكّلت المرجعية والحاضنة المفرخة لكافة الاتفاقيات التي تلتها بين أطراف عربية فيما بعد والكيان الصهيوني ( أوسلو ووادي عربة) وكذلك لمجمل العلاقات العلنية والسرية للأنظمة، والقوى الرجعية العربية مع كيان العدو.

إن مراجعة الفترة التي تمتد من وقف إطلاق النار لحرب أكتوبر، التي أكد فيها الجندي العربي وقياداته العسكرية قدرات هائلة، وحتى توقيع الاتفاقيات الخيانية في " كامب ديفيد" تؤكد تواطؤ وتشجيع العديد من الحكام التابعين للامبريالية، للسادات، الذي أبلغ بعضهم بنواياه سراً وخاصة السعوديين، وما حضور ياسر عرفات لجلسة مجلس الشعب المصري التي أعلن فيها السادات استعداده " لزيارة إسرائيل للبحث عن السلام وتحقيقه" إلا بعض الأدلة.

إن الاستخلاص العلمي من كل ما تقدم أن كل أطراف التصالح مع الصهيونية وكيانها، المباشرين والمشجعين، سائرين في هذا الطريق، بمن فيهم الطرف الفلسطيني، وقد أحرقوا قوارب العودة ولا يراهن عليهم إلا السذج. فليس صدفة أن يتخلى محمود عباس عن  "حقه" في صفد، وأن يؤكد مع كل طلعة شمس " أن إسرائيل وُجدت لتبقى ولا طريقة للتعامل معها إلا بالمفاوضات"، مما يفرض على المناضلين والوطنيين والقوميين والمؤمنين الحقيقيين القطع التام من نهج التصالح ( التسوية) مع الصهيونية وكيانها في فلسطين، عربياً وفلسطينياً شرط أساس، وأولي وضروري للنهوض، ويجب الإدراك أن " منظمة التحرير" التي أفرغتها اتفاقية أوسلو وملحقاتها من محتواها الوطني والنضالي باعترافها " بشرعية" الكيان وأن الأرض التي أقيم عليها، والتي هي أصل وجوهر الصراع هي " حق له" أي تسليمها بهزيمتها في حقل التاريخ والسياسة أمام نقيضها التي قامت على أساس أنه غير شرعي ويجب إزالته، لن تكون إلا بمثابة الحبل السري والثدي الذي يرضع منه مولودها المشوه العاق ( سلطة أوسلو) وستنتهي موضوعياً، أو ينهيها هذا المولود وحاضنيه ومموليه عندما " تشتد عضلاته ويتقن المشي على جثث المدافعين عن القضية، أي الذين يرفضون استسلامه وخيانته ويعملون مهما طال الزمن على وأدها"، إن ما هو قادم صعب وخطير لنؤسس لمواجهته وتحديه من الآن.

التعليقات

تعليقك على الموضوع