لا تتوفر نتائج هذه اللحظة.

فتحي شاهين "سفيان" (أبو حسن)... قمرٌ يودع غزة!

توقعت يا أبو حسن أن نلتقي ذات يوم في غزة... لنواصل حديثنا وضحكاتنا.... توقعت أن ألتقي أختي يعني زوجتك شادية في بيتها في غزة كما كنت أدخل بيت أمها اللبنانية الأصيلة المقاومة في بيروت... يومها كانت تعانقني كأم... وتتصرف معي كما أمي تماما.... لكن الحدود مغلقة... وغزة تبدو بعيدة كأنها في آخر الكون.

في حديثي مع شادية كانت تسأل: متى ستأتي لتزور أختك..؟  كنت أقول لها: انتظريني سآتي... لكنني لم أستطع.. فعذرا يا أختي!.

هو الموت المفاجئ يفجعني بك يا أبو حسن، إنك تعرف يا رفيقي... فأنت بالنسبة لي كنت اكثر من رفيق، كان بيتك مشرعا لي في بيروت وفي دمشق، أذكرك بحيويتك ونشاطك وجرأتك... فأنت دائم الابتسام أبدا، قريب من القلب كوردة.

 اليوم يرحل أبو حسن... يرحل بهدوء دون أن تفارق عينه وعدا بوطن حر وجميل... وطن أعطاه عمره كله... فقاتل في معارك الشرف الكثيرة في صفوف الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين... قاوم ما استطاع... لكنه في النهاية يرحل، يرحل بعد أن خاض معركته الأخيرة مع المرض بكل جرأة وبسالة دون أن يفقد ابتسامته الساحرة.. لكنه المرض الذي لا يجامل ولا يترك أمامنا هامشا للمناورة.

 في لحظة الرحيل المفاجئ هذه تحضر الذاكرة، تنهمر كالمطر المفاجئ، ومعها تنهمر دمعة عفوية، كم كنت جميلا يا صديقي... وكم هذه الكلمة "كنت" محزنة في وقعها المفاجئ... فأنت لم تكن عابرا في حياتي كما لم تكن شادية عابرة، فأنتما مكونان أصيلان في الوعي والحياة.. 

 يا شادية يا أختي لا أدري كيف أعزيك، فأنا لا أدري كيف أعزي نفسي أصلا، ليتني قريب لأقف بجانبك وأحضنك وأنت تودعين رفيق عمرك.... 
 ليتني قريب لأشد على يد دينا وحسن ومجد... فيوم عرفت أبو حسن وشادية لم تكونوا قد تعلمتم كلماتكم الأولى بعد... ولكنها الأيام تمضي في نهر الحياة يا أعزائي ومع تدفقه كنتم تكبرون... واليوم تودعون الأب الجميل... ومع ذلك تبقى الذاكرة مليئة باللحظات التي تثير البهجة... 
الآن أنظر من النافذة فيبدو المدى حزينا... فما هذا الحزن...! أي حزن مؤلم هذا حين لا يستطيع الإنسان أن يودع رفيقه...

الآن... تأخذني اللحظة إلى غزة... حيث يغفو أبو حسن... ويرحل فوق أكف رفاقه... فعذرا يا رفيقي فهذا زمن الحصار... زمن لا نحزن فيه حتى بشكل طبيعي... ولا يمشي فيه الرفيق في رحلة رفيقه الأخيرة... ولا يستطيع الإنسان أن يمسك بيد أخته ليواسيها... 
 لا بأس يا أبو حسن... إذهب حيث تشاء.. لقد قمت بما يجب أن تقوم به دون أن تفقد البوصلة.. فرحلت جميلا كما كنت. 

لا بأس يا أختي شادية لقد كانت رحلة حياة مليئة بالشرف والكرامة والمقاومة... لا بأس يا دينا ويا حسن ويا مجد... لقد كانت لكم طفولة جميلة في حضن أب وأم جميلين.

وماذا بعد... لا شئ هو الرحيل المفاجئ لا يترك لنا هامشا للوداع أو التعبير أو القول... 
فقط... هي كلمة وفاء لزمن كنا فيه معا... زمن كان فيه للصداقة والوفاء معنى الدفء... 

التعليقات

تعليقك على الموضوع