لا تتوفر نتائج هذه اللحظة.

مقاربة البنك الدولي الزائفة من كارثة المياه الفلسطينية

لفت انتباهي وأنا أطالع صحيفة القدس الصادرة يوم الخميس 24/11/2016 تقريراً على صفحتها الأولى يحمل عنوان التالي (البنك الدولي موارد المياه شحيحة لدرجة خطيرة والوضع في غزة كارثي).

وليعذرني القارئ على تأخر هذا المقال لتأخر وصول صحيفة القدس ولذلك تأخر نشر هذه المقالة نتيجة لظروف الأسر، وعلى أية حال أود التحدث بخصوص هذا التقرير الذي تنطوي تفاصيله على التضليل واتباع سياسية لا تتناسب مع الحقائق على الأرض هدفها طمس الحقائق، خاصة وأنها جاءت على لسان خبير فلسطيني يعمل موظفاً في البنك الدولي وهو السيد " عدنان غوشة" أخصائي المياه والصرف الصحي في البنك الدولي كما عرفه التقرير، ولا أدري إن كان هذا الموظف يعمل في غزة أو الضفة أم أي مكان في العالم.

 ومما يثير الاستغراب وأتمنى أن أكون مخطئاً أننا لا نجد من يتصدى لهكذا تقارير خطيرة تصدر من جهات دولية كالبنك الدولي؛ فالمشكلة لا تكمن في التقرير ذاته فهو يتحدث عن حقائق ويحذر من كوارث وبالتالي فإن نوايا التقرير هي نوايا أخلاقية وإنسانية ولكن المشكلة تكمن في لغة التقرير وطريقة عرض الحقائق التي تثير الريبة في عقل ووجدان القارئ، فقد أثار التقرير حقائق معروفة وتثير الفزع حيث بدأ السيد غوشة التقرير بالجمل التالية " الوضع المائي في غزة كارثي فالحاجة الملحة للمياه في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا ستشتد بارتفاع درجة حرارة الأرض بسبب التغير المناخي، فكل المياه تم ضخها في الخزان الجوفي تحت الأرض في غزة، ومنذ ذلك الحين بدأت مياه البحر تتسرب إليه فجعله مالحاً لدرجة أنه لم يعد يصلح للشرب"، إن هذه الديباجة الهائلة التي تسلط الضوء على مشكلة معروفة للجميع وهي تتهم الطبيعة عن هذه الكارثة من شح للمياه ومن ارتفاع حرارة الأرض وتسرب مياه البحر المالحة إلى حوض المياه في غزة بعد أن فرغ تماماً.

 وما يثير الدهشة أن السيد غوشة يضع المشكلة في إطار مشكلة عامة تتعلق بالشرق الأوسط وبهذا فإن مشكلة غزة المائية هي جزء من مشكلة الشرق الأوسط، وهي محاولة بائسة لطمس حقيقة ساطعة لنهب " إسرائيل" للمياه الفلسطينية وإخلاء مسئوليتها تماماً عن هذه الكارثة، فمشكلة غزة حسب البنك الدولي ناجمة عن عوامل طبيعية تتعلق حصراً بخزانها الجوفي تحت الأرض الذي فرغ تماماً، وبدأت مياه البحر تتسرب إليه.

إن وصف غوشة للمشكلة لا غبار عليه وهذا حقيقي وبالتالي على أهلنا في غزة أن يتحملوا قدرهم السئ لأنهم يعيشوا في أرض أزمة مياه سببها الطبيعة ويتعين عليهم ألا يحملوا وزر هذه المشكلة لجيرانهم الإسرائيليين الذين يبعدون عنهم سوى بضعة مئات من الأمتار في سديروت وعسقلان والمستوطنات المحيطة بغزة والذين يستهلكون مياه صالحة للشرب أكثر من 6 إلى 8 أضعاف ما يستهلكه.

عليهم أن ينسوا أنهم في الوقت القريب كانت بضعة مستوطنات في القطاع ينعم سكانها بالمياه النظيفة قبل أن يجري تفكيكها منذ أكثر من عشر سنوات، وكأن هذه المستوطنات لم يكن لها دور في استهلاك واستنزاف مياه غزة وتلويثها، ولم تكن تسيطر على أكثر من نصف مساحة القطاع وتستغل أراضيه بأراضي زراعية طوال أربعة عقود.

 ويضيف تلميذ البنك الدولي " هذه العوامل وعوامل أخرى تعني أن 10% فقط من سكان غزة يحصلون على مياه الشرب الآمنة، وبالمقارنة من 92% من سكان الضفة أو حوالي 85 % من الشرق الأوسط وشمال أفريقيا يحصلون على مياه شرب آمنة".

 لقد فهمنا ما يعني من إثارة هذه الحقائق المتعلقة بعوامل الطبيعة لكننا لم نفهم بعبارة عوامل أخرى؟، ولماذا لم يذكر السيد غوشة طبيعة العوامل الأخرى، ألم تتحمل " إسرائيل" مسئوليتها عن تدمير البيئة في غزة ونهب المياه الفلسطينية، ولماذا 10% فقط من سكان القطاع يشربون المياه الآمنة، ألا يعني ذلك أن 90% من سكان غزة حياتهم مهددة بالخطر وأنهم يشربون مياه غير آمنة!، ألا يعد هذا جريمة إنسانية تتحمل " إسرائيل" مسئوليتها، لكن السيد " غوشة" بدلاً من مواجهة هذه الأسئلة يلجأ إلى التهرب من الحقائق وهو يشير إلى أن 90% من سكان الضفة يشربون مياه آمنة، وبهذا فإنه يبرئ ساحة " إسرائيل" من أن المشكلة في غزة مشكلة طبيعية وأن "إسرائيل" مسئولة عنها بدليل أن 90% من سكان الضفة يشربون ماءً نقية، وهنا تبدو المسألة مسألة حظ، فحظ غزة السئ أن خزانها الجوفي فرغ تماماً وامتلأ بمياه الحرب، أما الضفة فخزاناتهم الجوفية عامرة وممتلئة والحمدالله وبأن "اسرائيل" لا تسيطر على أكثر من 92% من المياه الجوفية فيها.

 ثم يكمل غوشة تضليله وخلطه للأوراق بالإشارة إلى أن 85% من الشرق الأوسط وشمال أفريقيا يشربون مياه آمنة، وهنا نستغرب لماذا تجري مقارنة غزة والضفة مع الشرق الأوسط وشمال أفريقيا! ولا تجري مقارنة ذلك مع " إسرائيل" لماذا لا يقول مثلاً أن 100% من سكان " إسرائيل" يشربون مياه آمنة وغير ملوثة، إنه بذلك يطمس الحقائق ويذر الرماد في العيون، ويحاول الإيحاء بأن مشكلة المياه عالمية أو مشكلة منطقة على أقل تقدير ولا علاقة لإسرائيل بها.

ثم يضيف خبير البنك الدولي الموقر مشكلة أخرى يضيفها إلى مشاكل الطبيعة " وتتسرب مياه الصرف الصحي غير المعالجة إلى خزان المياه الجوفي" إذاً ليس عوامل الطبيعة وحدها المسئولة عن كارثة مياه غزة، وإنما يتحمل البشر المسئولية، وهنا يحملها هذا الخبير إلى أهالي غزة المسئولين عن تسرب مياه الصرف الصحي إلى الحوض المائي، فأهل غزة إذاً لا يشربون مياه مع مياه البحر المالحة فحسب وإنما مياه الصرف الصحي أيضاً وهم يتقاسمون المسئولية مع عوامل الطبيعة المسئولة عن مشكلة المياه، وإذا حدثت كارثة صحية لا قدر الله فإن الطبيعة وأهالي غزة يتحملون المسئولية!!

هذا كلام جميل وعلمي وحيادي فلماذا نتهم " إسرائيل" بمسئولية كارثة المياه والقطاع محرر بالكامل وعلى أهل غزة أن يقتلعوا شوكهم بأيديهم! ويضيف موظف البنك الدولي المحترم "يحدث نقص في المياه مقترناً بالطلب نظراً لزيادة النمو السكاني " لننتبه جيداً لهذه العبارة التي تنطوي على دلالة اقتصادية خاطئة وكأننا نتحدث عن أن مشكلة الماء عبارة عن سلعة عرض وطلب، ويحدث النقص في المياه مقترن بارتفاع الطلب عليها نتيجة زيادة السكان.

ركزوا على جريمة قطاع الطلب فعندما يرتفع الطلب على الماء يحدث نقص في السلعة " الماء" وهذا يعني ارتفاع سعر السلع، إن مقاربة قضية المياه وفقاً لهذه المعادلة ينطوي على استخفاف بالمضمون الإنساني والأخلاقي وكأننا نتحدث عن سلعة ولا نتحدث عن حاجة وجودية، فالقضية وفقاً لهذه المقاربة قضية عرض وطلب ليس إلا، فما الذي يخطط له البنك الدولي هل هي مقدمات مقايضة موضوع الماء بمواقف سياسية ؟ وهل علينا أن نقوم بتقنين مصدر مياه شربنا من "إسرائيل" التي تستولي على مياهنا؟ ثم يضيف غوشة " إن إسرائيل أجازت في الماضي توفير كميات معقولة من المياه إلا أن الطلب ارتفع بزيادة السكان، فالمياه العذبة التي نحصل عليها من إسرائيل بموجب اتفاق أوسلو أقل بكثير من الطلب" لنتأمل هذا النص جيداً فها هو مختص المياه في البنك الدولي يأتي على ذكر " اسرائيل" وليس بوصفها دولة محتلة وإنما بوصفها جمعية خيرية فكانت بالماضي توفر كميات معقولة من المياه إلا أن الطلب ارتفع مع زيادة السكان، وبالتالي فإن "إسرائيل" تنفض يدها بالحاضر عن هذه المشكلة؛ فجمعية " إسرائيل" الخيرية تعجز عن توفير المياه التي كانت تقدمها، فلننتبه إلى كلمة " تقدمها" كأنها منحة مجانية تقدمها للشعب الفلسطيني وبهذا فإن عدم سعيها لزيادة كمية المياه بسبب مشكلة خارج عن إرادتها وسيطرتها أي مشكلة الطلب، وعلى من يموت عطشاً بسبب تزايد السكان أن يعذرها، لأن جمعية " إسرائيل" الخيرية ليست لديها المياه اللازمة لتقدمها لهؤلاء السكان.

 ثم يصل خبيرنا إلى استنتاج مجحف فيما يقول " وبهذا فإن كميات المياه التي تحصل عليها غزة من المخزون الجوفي ومن إسرائيل لا تكفي " حتماً إنه رجل متوازن إنه يضع الطبيعة وإسرائيل في ميزان واحد، والجيد في الأمر أنه يقول بأن إسرائيل تتحمل جزءاً ولو بسيطاً من هذا الكارثة، ولكنه يتحاشى إثارة مشكلة المياه الفلسطينية التي  تنهبها " إسرائيل" ثم يبدأ السيد غوشة في استعراض الحلول لهذه الأزمة ولنستمع إليه وهو يقول " هناك أفكار لبناء محطة لتحلية المياه أو استيرادها من مصر أو من إسرائيل" فحلول السيد غوشة تنسجم تماماً مع توجهات البنك الدولي لتحويل المياه إلى سلعة يجري تصنيعها في محطات التحلية أو استيرادها من أي دولة تتوفر لديها هذه السلعة لتبيعها، وهنا يضع غوشة المشكلة في إطارها الحيادي المطلق فالاستيراد إما من مصر أو من " إسرائيل" وبهذا فإن مصر " وإسرائيل" متساويتان كدولتان تمتلكان سلعة الماء، ولا يتحدث هذا الخبير عن ضرورة حصول الفلسطينيين على حقوقهم المائية التي تستولي عليها " إسرائيل" ويبشرنا غوشة في الوصول إلى حلول حينما يزج الطرف الفلسطيني بالمسئولية عن معالجة هذه الأزمة كمحطة التحلية من خلال قيام سلطة المياه الفلسطينية بإنشاء محطة مركزية لتحلية المياه وبدعم من البنك الدولي". إذاً الفلسطينيون فضلوا تحلية المياه على استيرادها، والبنك الدولي سيتعاون مع الطرف الفلسطيني لإنجاز هذه التقنية التي توفر حلولاً عملية بدلاً من تحميل أي طرف ومن بينها " إسرائيل" المسئولية.

 ثم يضيف قائلاً" البنك الدولي يعمل عن كثب مع السلطة الوطنية الفلسطينية اتساقا مع استراتيجيته الإطارية في مجال الأمن المائي" ونحن لم نفهم ما هي الاستراتيجية الإطارية ولماذا يتشدق موظف البنك الدولي بهذه العبارات الغامضة ؟ نحن نفهمها بلغة واحدة وهي أنها تنسجم تماماً مع سياسات البنك الدولي والتي مضمونها خصخصة مياه الشرب وبناء محطات التحلية، وإخلاء مسئوليات " إسرائيل" عن هذه الكارثة وصرف أنظار الفلسطينيين عن حقوقهم المائية، فهل هذه بداية لتصفية ملفات المفاوضات النهائية لإعداد حلول أحادية الجانب ونفض يد " إسرائيل" عن المسئولية عن مأساة الشعب الفلسطيني؟ فلنتابع ما يقوله السيد غوشة " إن سلطة المياه الفلسطينية وضعت استراتيجيتها الخاصة بالمياه من 2017 إلى 2022، وفي إطار هذه الاستراتيجية، فإن أحد الأهداف الرئيسية هي إنشاء محطات لتحلية المياه كمصدر غير تقليدي لمياه الشرب بعد أن نضبت الآبار الجوفية".

 الحلول الوحيدة فهي لدى الطرف الفلسطيني وبوصفات البنك الدولي هي فقط محطات التحلية، ولا توجد حلول من هذا المنظور، ويضيف بلهجة باردة " وفي غزة حيث دمرت البنية التحتية الأساسية نتيجة للعديد من الصراعات، وحدثت الكثير من التسريبات في المياه"، فما هي هذه الصراعات؟ ولماذا لم يذكر الحروب والتوغلات والقصف الذي يتعرض له القطاع منذ أكثر من 15 عاماً ودمرت البنية التحتية؟ ولماذا لا يُسمي المسميات بمسمياتها وهو يحاول وضع الانقسام الفلسطيني الداخلي في خانة هذه الصراعات وبهذا فإن الفلسطينيين والإسرائيليين فإنهم يتحملون المسئولية سواسية عن تدمير البنية التحتية في غزة!.

ويتابع خبيرنا بذات اللغة الحيادية والجليدية " نحن نفهم أن هناك قيوداً: هناك أمور تقع تحت سيطرة السلطة الفلسطينية وأخرى خارج نطاق سيطرتها" فما هي هذه القيود؟ وما هي الأمور التي تقع تحت سيطرة طرف السلطة الفلسطينية والأخرى التي تقع خارج سيطرتها؟ مرة أخرى يراوغ السيد " غوشة" ولا يسمي المسميات بمسمياتها ويوحي بأن السلطة تتحمّل جزء من المشكلة إلى جانب " إسرائيل" ثم يوزع المسئولية حين يقول قائلاً: " فالحصول على المياه من إسرائيل، فضلاً عن إدخال المواد والخبراء هو خارج نطاق سيطرتها" وهنا يحدد غوشة المسئوليات، فالحصول على المياه وإدخال الخبراء والمواد تتحملها " إسرائيل" وبلغة باردة برودة القطب الشمالي ولكننا لم نفهم ما هي الأمور التي تتحملها السلطة الفلسطينية؟ لماذا لا يضعها في موازاة "إسرائيل" ولماذا يحمّل دولة الاحتلال معطيات غير صحيحة حتى من العدم، ويتابع " بالنسبة لمشروع معالجة مياه الصرف الذي ننفذه في شمال غزة، حصلنا أخيراً على موافقة من حكومة "إسرائيل" لتوصيل خط كهرباء مخصص فقط لتشغيل محطة معالجة المياه، وهو طلب قدمناه منذ ثلاث سنوات"، إذاً ثمة حل آخر غير تحلية المياه واستيراده وهذه المرة في معالجة مياه الصرف الصحي، ومع ذلك يواجه هذا المشروع رفض وعراقيل من جانب " إسرائيل" فبعد ثلاث سنوات من تقديم الطلب للحكومة الإسرائيلية، وافقت أخيراً على إيصال كمية الكهرباء اللازمة لتشغيل محطة معالجة مياه الصرف الصحي".

 ويتابع غوشة " إن الجميع يتفق على أن البيئة لا حدود لها، ولذا فعند إنشاء محطة لمعالجة المياه، فإن هذا سيخدم مصالح جميع الأطراف، وإلا فإن مياه الصرف ستغمر الجانب الآخر. إنها مصلحة متبادلة على الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي، ومن ثم فإن التصدي لهذه الضرورة ليس ترفاً"، لا مشكلة إذاً طالما أن الجميع يتفق على أهمية البيئة التي لا حدود لها حسب خبير البنك الدولي، لهذا فإن المصلحة تقتضي من جميع الأطراف التعاون وإلا فإن مياه الصرف ستغمر الجانب الآخر، فهل هذا تهديد مهذب من جانب خبير البنك الدولي، فغزة التي تهدد أمن "إسرائيل" من الصواريخ و الأنفاق والعمليات عبر الحدود والآن غزة تهدد " إسرائيل" بسلاح من نوع آخر إنها مياه الصرف الصحي، التي ستغمرها مالم تتدارك نفسها وتتعاون وتتفضل مشكورة لبيع الكهرباء اللازمة لتشغيل محطة معالجة المياه العادمة، فكمية قليلة من الكهرباء ستنقذ " إسرائيل" من الغرق في مياه الصرف الصحي، ومع ذلك ماطلت "إسرائيل" طوال ثلاث سنوات بأنها كعادتها لا ترضخ أمام التهديدات حتى لو كانت على شكل مياه الصرف الصحي، المصلحة وفقاً لهذا الخبير متبادلة، الفلسطينيون سيحصلون على مياه الشرب بعد تكرير مياه الصرف الصحي، والإسرائيلي سينجو من كارثة الغرق بهذه المياه، وبهذا يحذرنا الخبير بأن التصدي لهذه المشكلة ليس ترفاً وإنما ضرورة لكلا الطرفين!

ثم ينتقل خبيرنا إلى مكان آخر إلى الضفة الغربية وكأنها على كوكب آخر لنستمع إليه " إن الحصول على المياه في الضفة الغربية، يواجه تحدياً" ولم يذكر الخبير ما هي هذه التحديات، وكيف يواجه سكان الضفة هذه التحديات؟ وحتى لا نظلمه ونتهم بانتزاع الجمل من سياقاتها نواصل معه مقاربته حيث يقول " هناك بعض المناطق لا يتجاوز فيها استهلاك الفرد من المياه ما بين 25 و30 لتراً، بينما توصي منظمة الصحة العالمية بـ 120 لتراً للفرد في اليوم، ويعود هذا في الأساس إلى عدم حصول سكان الضفة الغربية على المياه الكافية من مصادر إمدادها" يعود خبير البنك الدولي إلى لغة المراوغة والتضليل، فلماذا لا يذكر صراحة الأسباب التي تحول دون حصول سكان الضفة على المياه الكافية من المصادر، فلماذا لم يقارن بين ما يستهلكه الفرد في الضفة من لترات ماء مع نظيره الإسرائيلي؟ ألا تسيطر " إسرائيل" على المصادر الجوفية والسطحية ومياه نهر الأردن لماذا لا يذكر بأن " إسرائيل" تستولي على 90% من مياه الشرب بالضفة، ولماذا لا يتحدث عن عشرات القرى والمدن في الضفة التي تتعرض لمصادرة حقوقها في مياهها ؟ لماذا لا يتحدث عن عدادات المياه التي تقنن الكمية المسموح لها للفلسطينيين لضخها؟ لماذا لم يذكر انعكاس هذه القرصنة على مياه الشرب مياه الشعب الفلسطيني وعلى صحته وعلى الإنتاج الزراعي والصناعي، فلا يعترف الخبير بالبنك الدولي وليته لم يعترف إذ يقول " الكثير من موارد المياه في الضفة الغربية تخضع لسيطرة إسرائيل، ويحتدم الطلب بشكل خاص في الصيف" إنه يهرب بسرعة كلما اقترب من الحقيقة خوفاً من الإمساك به وهو يتهم " إسرائيل" باللصوصية العالمية للمياه ويراوغ بطريقة ذكية حين يحاول التهرب من حقيقة خضوع المياه لسيطرة " إسرائيل" وعلاقتها باحتدام الطلب على الماء بالصيف، وهنا يعيدنا إلى مفهوم الطلب، فالبنك الدولي لا يرى في الماء إلا سلع، وهذه السلع تستولي عليها "إسرائيل" ولكنه لا يطلب منها عرض هذه السلع، ومن خلال مثال حي يحاول موظف البنك الدولي أن يلامس المشكلة الإنساني إذا يقول " بلدية الخليل لم تعد قادرة على توزيع المياه إلا مرة واحدة كل 21 يوماً" مرة أخرى يتجاهل أسباب ذلك ويعفي " إسرائيل" من المسئولية وفقط لو تذكر هذا الخبير أن يقارن هذه المدينة مع مستوطنة كريات أربع أو حتى المستوطنين الذين يعيشون في قلب مدينة الخليل لشكرناه على هذه المقارنة بدلاً من مقارنة الاستهلاك المائي الفلسطيني مع استهلاك الماء في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

ويخلص خبير البنك الدولي إلى نتيجة "محايدة" تليق بمكانة البنك الدولي ومنحه الدائرة بأخذ يد الشعوب نحو التنمية والازدهار، إذا يقول: " يؤكد البنك الدولي أنه رغم الظروف القاهرة، فإننا نعتقد أن من حق الفلسطينيين، مثل أي شعب آخر، الحصول على المياه والصرف المناسبين"، هل يتعين علينا شكره على هذا الاعتراف الجريء رغم الظروف القاهرة التي لم يذكرها والمهم أنه يعتقد وركزوا على كلمة " نعتقد" أنها من حق الشعب الفلسطيني مثل أي شعب آخر الحصول على المياه والصرف!!

وأخيراً، تساوينا مع شعوب العالم حسب هذا الاعتقاد وبما أن الاعتقاد لا يحمل في مضمونه لغة الجزم والإثبات فإنه قد لا تصلح وتبطل فرضية الاعتقاد، وبالتالي ستتحول إلى النقيض تماماً، أي لا يحق لنا مثل بقية الشعوب الحصول على المياه والصرف.

يصمت البنك الدولي عن سيطرة " إسرائيل" على المياه الفلسطينية ويتعامل مع مشكلة الضفة وغزة كل على حدة، ويعزو هذه الأزمة إلى عوامل الطبيعة تارة، ومياه الصرف الصحي تارة أخرى، وتارة إلى زيادة الطلب على المياه بسبب تزايد أعداد السكان ويحيل المشكلة إلى عوامل غامضة يتجاهل ذكرها مع أنها تشير إلى مسئولية "إسرائيل" الكاملة عن هذه الأزمة.

إن الحقيقة الساطعة التي يتجاهلها البنك الدولي وهي أن " إسرائيل" تستولي بالكامل على المياه الجوفية بالضفة الغربية وتحرم الفلسطينيين من حقوقهم المائية سواء في الضفة أو القطاع، ويقترح علينا حلولاً على شاكلة تحلية مياه البحر، ومعالجة مياه الصرف، ليصرف الأنظار عن حقوقنا المائية، ويتوجب علينا ألا نعفي أنفسنا من المسئولية عن التقاعس في المطالبة بهذه الحقوق وهي أن مشكلة المياه تعتبر مشكلة خطيرة خاصة وأننا في صراع مع " إسرائيل" حول كل شيء بما فيها المياه كما يهمنا أن نعلم أن هذه القضية رغم أهميتها قد جرى ترحيلها إلى ما يُسمى مفاوضات الحل النهائي لهذا لن تجد لها حلاً في المدى المنظور، وبالتالي تخضع لابتزازات " إسرائيل" وشروط البنك الدولي وتنظيرات خبرائها، فهذه القضية لا تحتاج إلى انتظار لأنها مسألة ملحة ولا أحد يمانع في البحث عن أدوات للتخفيف عن معاناة شعبنا حتى لو كان ذلك بتحلية مياه البحر ومعالجة المياه العادمة، ولكن لا يجوز إهمال حقوقنا المائية، وعلينا أن نجعل من قضية المائية على رأس مهامنا النضالية في الميدان السياسي والجماهيري والإعلامي، وأن نتحرك في هذا الملف في ساحات المحافل الدولية، أما الشارع فعليه أن يتحرك ويشكّل لجانه الشعبية للدفاع عن حقوقه الأساسية لإجبار " إسرائيل" أن تفك قبضتها عن مياهنا، فلا يعقل أن يموت الفلسطيني عطشاً بينما ينعم الإسرائيلي بهذه المياه، فالإسرائيلي كما تشير الأرقام يستهلك 8 أضعاف ما يستهلكه الفلسطيني من المياه، وهذا هو التفسير الوحيد لمشكلة شح المياه بدرجة خطيرة كما وصفها خبير البنك الدولي والذي يدل على أن " إسرائيل" هي التي تسرق مياهنا، ولا ذنب للجغرافية ولا للأحواض الجوفية، علماً أن الأحواض الجوفية في الضفة كفيلة بحل أزمة غزة والضفة معاً ولأجيال في المستقبل، ولكن أن نتهم عوامل الطبيعة ونعفي " إسرائيل" من المسئولية هي جريمة تضاف إلى جرائم " إسرائيل" بحق شعبنا، أما البنك الدولي فنحن في غنى عن وصفاته ونصائحه ونعلم جيداً أجندة هذا البنك القائم على أساس خصخصة كل شيء والضغط على حكومات العالم لخصخصة مصادر مياهها وبيعها للشركات العملاقة، ولا داعي للتضليل وتزييف الحقائق من خلال العبارات الغامضة والباردة التي تنطوي على انحياز كامل لإسرائيل مع أنها تتصنع لغة الحياد.

( انتهى)

* مسئول فرع الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين في سجون الاحتلال 

التعليقات