لا تتوفر نتائج هذه اللحظة.

قرقاش العنيد... درس في فلسفة "الحياد"!

حين تصبح قضايا الأوطان والشعوب والأمم موضوعاً للكذب الفاضح والتفاهة، ولا تنتفض هي ونخبها السياسية والثقافية والاجتماعية للدفاع عن وعيها وكرامتها وحقوقها، حينها يمكن القول أنها تستحق أن يُداس على رأسها وأن تُسام كالقطيع من قبل أنظمة حولت الأوطان إلى كازينوهات يتسلى فيها وينهب ثرواتها المقامرون والمغامرون واللصوص ورعاة البقر والنصابون والقتلة.

السيد أنور قرقاش وزير الدولة الإماراتي للشؤون الخارجية يعلن أن "مواقف الحياد ليس هذا مكانها وزمانها".

أتفق تماماً مع السيد قرقاش بأن مواقف الحياد في اللحظات الفاصلة في التاريخ، وفي المواجهات الكبرى هي بمثابة انتحار ذاتي.

فالمواقف الواضحة والحاسمة بدون مراوغات تجاه القضايا القومية والوطنية والتحالفات وتسمية الأمور بمسمياتها، والوقوف حيث يجب، هو بالمعنى التاريخي والسياسي والثقافي معادل لحماية وحراسة الوعي والوطن والإنسان.

الممارسة السياسية وثقافة "الحياد" وهمهمات وغمغمات الكثير من القوى والمثقفين والكتاب والإعلاميين العرب الذين استنزفوا على مدار عقود جهدهم لتبرير جبنهم وعجزهم أو ربما سقوطهم باسم الحياد، دفعت الشعوب العربية ولا تزال تدفع حتى الآن أثمانها الباهظة.

بالضبط ، لتكن إذن وقفة قراءة ومحاكمة بعيدا عن "عدم الحياد"، ذلك لأن غمغمات الحياد ومهما كان مبررها ليس الآن مكانها وزمانها فعلاً.

بالتأكيد ليس الهدف من هذا النقاش هو إشعال المواجهات والملاسنات كيفما اتفق، كما ليس الدافع ممارسة الانتقام أو تصفية الحسابات والتشفي. الحديث يجري هنا عن ممارسة سياسية وثقافية ترتقي لشروط ومحددات المواجهات الحاسمة، بمعنى وضوح المواقف تجاه القضايا قيد الصراع، وكشف الخطاب السياسي الملتبس والمقاربات المشوهة.

السيد قرقاش يعلن وبوضوح أن "مواقف الحياد ليس هذا مكانها وزمانها"، هذه الدعوة المدهشة كان سببها، كما فهمت، الصحوة المفاجئة للسعودية والإمارات للدفاع عن الأمن القومي العربي والمصالح القومية العربية، يقول قرقاش: "هناك خطر ماثل أمامنا من خلال تحول الحوثي إلى حزب الله جديد... و(أن) المهم تعزيز الموقف الخليجي الموحد تجاه الخطر الإيراني وعميله الحوثي" (المصدر – الميادين 6 تشرين ثاني 2017).

مباشرة يشد السفير السعودي السبهان على يد قرقاش مؤكداً "أي حكومة لبنانية يشارك فيها حزب الله هي حكومة إعلان حرب"... ولكن لم يوضح لنا السبهان الحرب ضد من...؟

هذه المواقف "غير الحيادية" مطلقاً استقبلها رئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو "برقصة عرضة بالسيف" حين اعتبر المتحدث باسمه أن "استقالة سعد الحريري وتصريحاته بمثابة مكالمة إيقاظ للمجتمع الدولي ليتخذ إجراءات ضد إيران التي تحاول تحويل سوريا إلى لبنان آخر لافتا الى ان العدوان الإيراني يشكل خطراً على "إسرائيل" والشرق الأوسط برمته لذلك يجب على المجتمع الدولي أن يرص صفوفه ويواجه هذا العدو" (وكالات أنباء).

لاحقا وزعت الخارجية الإسرائيلية رسالة عاجلة إلى كافة بعثاتها الديبلوماسية في العالم تطلب منها تكثيف الجهد لدعم السياسة السعودية في مواجهة إيران وحزب الله، وهما بالمصادفة، من يعتبرهما دونالد ترامب، تهديدا للأمن والمصالح القومية الأمريكية!!!.

 

والآن لأعيد صياغة الفكرة ولكن بطريقة أخرى: فكما فهمت، ولكي لا نكون حياديين بالمعنى السلبي، بل على طريقة السيد قرقاش وفلسفته في فقه السياسة وثوابت الدفاع عن المصالح القومية العربية فإن المقصود بصرخة قرقاش المدوية، أي "مواقف الحياد ليس هذا مكانها وزمانها"، هو التالي:

• أن تعلن القوى السياسية والدول والمثقفون والسياسيون والإعلاميون العرب بكل بوضوح أن العدو أولا وعاشرا هو إيران وحزب الله، أما تل أبيب فهي حليف أصيل يستوجب الاحترام والتواصل والتطبيع.

• أن يعلن الجميع وبوضوح أن برنامج إيران النووي هو تهديد لنا، بينما مفاعل ديمونا و300 رأس نووي إسرائيلي ما هي إلا لإبداع المطر واستصلاح الصحراء وعلاج السرطان ومرض السفلس والكوليرا في اليمن.

• أن نعلن دون مراوغة أن صواريخ حزب الله هي تهديد للأمن القومي العربي، أما ترسانة إسرائيل العسكرية وقواعد أمريكا المقيمة في غرف نوم العرب فهي للحفاظ على السلم الأهلي.

• أن نعلن بلا مراوغة أن دعم إيران للعراق وسورية في حربهم ضد داعش وعصابات الموت التكفيرية هو تدخل وعدوان ضد "ثورات القرنفل" التي نظر لها القرضاوي والعرعور والعريفي، فيما تسليح وتمويل وإسناد وتغطية تلك العصابات واحتضان أبو عمر الشيشاني، وشرحبيل السعودي، والحجاج التونسي، ومحمد الفاتح التركي، وأبو المقداد الباكستاني، وأبو مصعب الإيغوري وحمزة الأفغاني، وأبو الأسود الفرنسي، وأبو حذيفة الألماني، والقعقاع البريطاني، والمثنى الأمريكي، وطلحة البلجيكي، وضرار ابن الأزور الميكرونيزي، هو واجب إنساني وديمقراطي وديني لتحرير سورية والعراق من الديكتاتورية ووضعهما على طريق الديمقراطية.

• أن نعلن بالإنجليزية الشكسبيرية أن أنصار الله والجيش اليمني هما ميليشيا إيرانية، بينما طائرات التحالف السعودي تقصف اليمن منذ 3 سنوات بعلب الحليب والبطانيات والأدوية والفواكه والخضار والأفوكادو والمانغا.

• أن نرقص فرحا وفخرا ونحن نعد نصف ترليون دولار وهبها آل سعود لترامب وإيفانكا وفي ذات الوقت أن نعلن تأييدا لا لبس فيه لحصار اليمن برا وبحرا وجوا باعتباره تضامنا مع شعب اليمن الشقيق.

• أن نعلن أن الدولة الوطنية السورية دولة سارقة وقاتلة بينما تفكيك مصانع حلب وسرقة النفط والآثار وتدمير تدمر وأسد آشور وحرق القمح والقطن هو برنامج سياسي وثقافي واقتصادي عبقري لحماية الاقتصاد والحضارة في سورية وبلاد ما بين النهرين.

• أن نعلن ونحن بكامل قوانا العقلية أن روسيا والصين وفنزويلا وكوبا ودول بريكس أعداء لنا، بينما أمريكا وبريطانيا وفرنسا وكندا وحلف الناتو والبنك الدولي أشقاء لنا منذ 1000 عام مضت وحتى 1000 عام قادمة، فهي لم تقصف عواصمنا يوما ولم تستعمر أوطاننا ولم تنهب ثرواتنا ولم تغرقنا في الديون أبداً... أبداً... أبداً.

• أن نعلن أن إيران دولة احتلال بينما إسرائيل دولة "شئيئة" من طراز رفيع، فهي لا ولن ولم تتدخل في شؤون أي دولة عربية، ولا تحتل فلسطين منذ سبعين عاما، كما لا تخطط لتوطين الفلسطينيين في الأردن مثلاً.

• أن نعلن أن حصار إسرائيل لقطاع غزة والقدس وتطاولها على المقدسات الإسلامية والمسيحية هو نوع من تنظيم الصفوف للصلاة لا أكثر..

هذه ربما بعض النماذج التي يدعونا إليها قرقاش لكي نتخلى عن "الحيادية السلبية" وبهذا نصبح أكثر أمنا وأمانا وحرية وديمقراطية. بطبيعة الحال لا يتعلق هذا النقاش بأهلنا وشعوبنا المقهورة في الجزيرة العربية، إنه موجه بالكامل لمن يتحكم برقابهم ومصيرهم ولقمة عيشهم.

تبقى مسألة أخيرة بسيطة لكنها تستحق التنويه ولفت النظر... وهي أن دعوة قرقاش هذه لا هي جديدة ولا مفاجئة، فهي بكامل تفاصيلها وترجماتها مأخوذ بها تماما ومنذ عقود طويلة من قبل مشيخات وممالك الكاز والغاز والرمال والجِمال ... يعني أن ما نعيشه كشعوب عربية من تدمير واحتلال وويلات وذبح واستلاب ونهب ثروات وتخلف، هو بالضبط ناتج عن سياسة عدم الحيادية هذه ولكن بأسوأ مظاهرها وأكثرها بؤسا وخضوعا وارتهانا للقوى الاستعمارية...

ولكي تتضح الفكرة أكثر، لا بأس من العودة قليلا للتاريخ لكي ندرك مثلا كيف عبر أسلاف قرقاش وآل سعود عن حرصهم على المصالح القومية العربية، ولكي نرى أيضا كيف ترجم آل سعود قلقهم وغيرتهم على أهل "السنة" في مواجهة "التهديد الشيعي":

عندما قامت ثورة 26 سبتمبر 1962 في اليمن بقيادة المشير عبد الله السلال ضد نظام الإمامة الملكي بزعامة الإمام محمد البدر حميد الدين الزيدي الشيعي، وتم إعلان قيام الجمهورية في اليمن. هرب الإمام إلى السعودية وبدأ بالثورة المضادة من هناك.

في عام 1963 أنفقت السعودية (السنية) 15 مليون دولار لتجهيز القبائل اليمنية الموالية للملكيين بالسلاح، ويخبرنا التاريخ أن اغلب تلك القبائل هي من الحوثيين، كما قامت بتأجير المئات من المرتزقة الأوروبيين وإنشاء محطة إذاعية خاصة بهم. أما من انتفض لدعم السعودية ونظام الإمامة في مواجهتهما مع نظام الجمهورية فكان شاه إيران (الشيعية). هذا بالإضافة إلى الدعم الهائل الذي قدمته بريطانيا لذات النظام الملكي (الشيعي).

يضاف لكل هذا شحنات السلاح التي قدمتها إسرائيل إلى جانب اتصالها مع المئات من المرتزقة الأوروبيين الذين يقاتلون بجانب نظام الإمامة في اليمن، هذا بالإضافة إلى الجسر الجوي السري الذي أقامته بين جيبوتي وشمال اليمن وفق ما كتب المؤرخ المصري حسنين هيكل .

أمام كل هذا قام عبد الناصر في عام 1962 بإرسال 50 ألف جندي مصري للدفاع عن الجمهورية اليمنية ودعم المشير السلال (المصدر ويكيبيديا).

لنلاحظ الآن ما يلي:

أن السعودية التي تدعي الدفاع عن السنة في مواجهة الخطر الشيعي والدفاع عن المصالح القومية العربية وقفت في ذلك الوقت وبكل ما تملك ضد النظام الجمهوري بقيادة المشير عبد الله السلال وهو (سني) يمني يدعمه ويسانده جمال عبد الناصر (السني) زعيم أكبر دولة عربية (سنية).

فيما قدمت الدعم والإسناد وبكل قوتها إلى نظام الإمامة الملكي المدعوم من القبائل (الشيعية) ومن شاه إيران (الشيعية) وإسرائيل وبريطانيا.

وبعد كل ذلك يريدون أقناعنا اليوم أنهم ينتفضون دفاعا عن "السنة" في مواجهة الخطر "الشيعي"...

بكلمات أكثر من بسيطة، المعادلة هي كالتالي: كل من يقف ويناهض ويقاوم أمريكا وإسرائيل من دول او قوى سياسية فإن آل سعود وعربان الخليج سيقفون ضده ويحاربونه، وكل من هو في حضن أمريكا وإسرائيل فهو حليفهم وصديقهم الصدوق.

نعم هكذا... ومن لا يصدق ذلك ليلقي نظرة عاجلة على سجلات التاريخ وسيرى كيف تتخذ إمارات وممالك الرمال الخليجية المواقف وترسم السياسات.

نعم... إن "مواقف الحياد ليس هذا مكانها وزمانها".. وغير ذلك ستستمر المأساة ولكن على شكل مسرحية هزلية يؤديها ممثلون رديئون بكل المعايير السياسية والأخلاقية والثقافية.

التعليقات