لا تتوفر نتائج هذه اللحظة.

فلسطين إسرائيل: أميركا تتراجع.. الصين تتقدم!!

هاني حبيب

(هاني حبيب)

  • 1 مقال

هاني حبيب

كانت إسرائيل من أوائل الدول التي اعترفت بالصين الشعبية العام 1951، إلاّ أن هذه الأخيرة لم تبادلها الاعتراف إلاّ بعد أربعة عقود، نظراً لموقف صيني مؤيد تماماً لقضية العرب الأولى، قضية فلسطين، إضافة إلى أن إسرائيل كانت تعترف وتقيم علاقات ودية مع "تايوان". 

السياسة الصينية حول الشرق الأوسط انطلقت في أواسط القرن الماضي من مؤتمر باندونغ العام 1955، ما قادها لكي تكون من أوائل الدول التي اعترفت بمنظمة التحرير الفلسطينية فور تأسيسها واستقبلت رئيسها في ذلك الوقت أحمد الشقيري العام 1966 والتقى بالرئيس الصيني آنذاك ماو تسي تونغ، مفتتحاً ممثلية منظمة التحرير في العاصمة الصينية بكين، بينما زارها الرئيس عرفات العام 1970، ثم توالت زياراته لتقترب من 15 زيارة رسمية.

الموقف الصيني المؤيد للقضية الفلسطينية، ربما كان أحد أسباب عدم وجود سياسة مؤثرة حول قضايا الشرق الأوسط، باعتبارها منحازة إلى جانب القضايا العربية، إلاّ أن أحد أهم أسباب عزوف الصين عن لعب دور مؤثر بهذا الاتجاه رغم قدراتها السياسية والاقتصادية كدولة كبرى، يعود إلى استفراد الولايات المتحدة بهذا الدور، بينما حاول الاتحاد السوفياتي، ثم الاتحاد الروسي اكتساب مكانة في هذه السياسة المتعلقة بمنطقة حبلى بالصراعات، ما لم يمكن الصين من أن تلعب مثل هذا الدور بالتوازي مع قدراتها كدولة كبرى!
في العقد الأخير، تنامت العلاقات الصينية مع الدولة العبرية، سياسياً واقتصادياً وتقنياً، ما مكن الصين من أن تمتلك سياسة "متوازنة" بعلاقات طيبة مع جانبي الصراع، ما يفسر المبادرة الصينية غير المعهودة التي أعلنها الرئيس الصيني شي جين بينغ، في خطوة غير مسبوقة، وتحمل أربع نقاط تتضمن التمسك بحل الدولتين وقيام دولة فلسطينية على حدود 1967 وعاصمتها القدس الشرقية تتمتع بالسيادة الكاملة، وتنفيذ قرار الأمم المتحدة 2334 لوقف الاستيطان وحماية المدنيين، وعقد منتدى يجمع بين شخصيات من الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي (وهناك تجرى هذه الأيام أنشطة صينية لهذا الغرض) لمناقشة فرص حل القضية الفلسطينية، واعتبار فلسطين وإسرائيل شريكين في عملية تنمية شاملة.

يُقال إن السياسة الأميركية لا يرسمها الرئيس إلا من خلال مراكز البحث والدراسات التي ترسم السياسات والسيناريوهات الخاصة بالسياسة الخارجية، ويبدو أن الصين، أيضاً، بدأت تأخذ بما تتقدم به مراكز البحث والدراسات السياسية الصينية، وسنجد أن النقاط الأساسية في مبادرة الرئيس الصيني المشار إليها، تضمنتها دراسة بعنوان "الكتاب الأصفر حول الشرق الأوسط 2016 ـ 2017" والصادرة عن معهد بحوث غرب آسيا وأفريقيا بالأكاديمية الصينية للعلوم الاجتماعية، هذه الدراسة التي تشير في بدايتها إلى أن  الولايات المتحدة فقدت زمام المبادرة في منطقة الشرق الأوسط مؤخراً لصالح عدد من القوى الكبرى على رأسها روسيا والصين، وخلصت هذه المقدمة إلى أن ذلك ينقل منطقة الشرق الأوسط من وضع الخضوع للهيمنة الأميركية إلى شرق أوسط جديد بعد العصر الأميركي.

كما توقعت الدراسة أن يستمر انكفاء الولايات المتحدة في ظل إدارة ترامب صاحب نظرية أميركا أولاً، والتي قد تترجم بانسحاب أميركي تدريجي من المنطقة، مع بقاء سياسة مواجهة التطرف والإرهاب والحد من توسع النفوذ الإيراني، ما يمكن كلا من روسيا والصين من لعب دور مؤثر أكثر من أي وقت مضى على صعيد قضايا الشرق الأوسط وفي القلب منها مسألة الصراع العربي ـ الإسرائيلي، خاصة على الملف الفلسطيني.

قد تكون رؤية الدراسة غير دقيقة فيما يتعلق بانكفاء السياسة الأميركية، ولا تمنح التعقيدات المتلازمة مع المنطقة ذات الآفاق العرقية والطائفية التي تمت تغذيتها في السنوات الأخيرة، الأبعاد الضرورية للتعرف إلى طبيعة صراعات المنطقة، إلاّ أن تقدم الرئيس الصيني بمبادرته المشار إليها التي ربما لا تأخذ بالحسبان طبيعة الإدارة اليمينية الإسرائيلية، يؤكد أن بكين باتت أكثر اهتماماً بهذه المنطقة، سياسياً واقتصادياً، وأن العبور إلى هذا الدور ينطلق من التأثير على الملف الفلسطيني ـ الإسرائيلي، مع عدم المراهنة على النجاح الناجز، إلاّ أنه حراك يفرض على دولة كبرى كالصين أن لا تكون على هامشه بأي حال من الأحوال!!

التعليقات