لا تتوفر نتائج هذه اللحظة.

انقلاب السعودية والتأسيس لحروب جديدة في المنطقة

د.فايز رشيد

(كاتب صحفي )

  • 1 مقال

كاتب ومحلل سياسي

ما جرى في السعودية خلال الأيام القليلة الماضية، هو انقلاب حقيقي في السلطة ذاتها، وما نتج عنه من تداعيات ستنعكس ليس فقط على السعودية وحدها، بل على المنطقة بأسرها. 

في يوم واحد أعلن رئيس الوزراء اللبناني سعد الحريري استقالته بكلمة متلفزة من الرياض، وفي المساء جرت حملة توقيفات غير مسبوقة في تاريخ المملكة، شملت عشرات من كبار الأمراء والوزراء الحاليين والسابقين، وأبرز رجال الأعمال السعوديين. استقالة الحريري من قلب السعودية كانت بمثابة رسالة صريحة لإيران تنذر بقرار سعودي يقضي، بتوسيع دائرة المواجهة معها لتشمل الساحة اللبنانية، بعد هدنة استمرت لنحو سنة واحدة، جاءت إثر تسوية داخلية، لم تكن الرياض بعيدة عنها بالطبع، خاصة أن الحريري هو رجلها الأول في لبنان. 

تجيء استقالة الحريري متزامنة مع سياسة الرياض، التي تهدف لاحتواء النفوذ الإيراني في المنطقة، بما يعني تعدد جبهات المواجهة بين الطرفين، والحرص السعودي على نقل المواجهة من اليمن إلى ساحات أخرى. جاء ذلك بالتزامن مع قرار لإدارة دونالد ترامب بتشديد القبضة الأمريكية تجاه إيران. 

جاء كل ذلك، بعد ساعات قليلة من صدور مرسوم ملكي، يفوّض ولي العهد الأمير محمد بن سلمان برئاسة لجنة عليا لمحاربة الفساد، ومصادرة ممتلكات بالمليارات من أصحابها المتنفذين.الأغلبية الساحقة من الموقوفين هم من رجال العهد السابق في السعودية، الذين ارتبطت ببعضهم إشاعات التذمر من الأوضاع الاقتصادية جماهيرياً، الأمر الذي أدّى إلى القول، إنه احتكار للسلطة من جانب ولي العهد السعودي، الذي ومنذ جرى تعيينه يقوم برفع شعارات واتخاذ خطوات فعلية، ترسم مستقبل السعودية لعقود مقبلة.

نقول، إن ما جرى في السعودية، هو انقلاب داخل الطبقة الحاكمة، على أساليب وطرق انتقاء الحاكم. معروف أن السعودية هي دولة أوتوقراطية في توريث الحكم، تكون فيه السلطة السياسية بيد شخص واحد بالتعيين لا بالانتخاب، وغالبا ما يحتاج الأوتوقراطي إلى نوع من مساعدة أفراد نافذين ومؤسسات في المجتمع، من أجل أن يستطيع إحكام سيطرته على الشعب، لأن أغلبية الأوتوقراطيين غالبا ما يعتمدون على رجال الاقتصاد والعسكر والزعماء الدينيين. ما جرى في السعودية هو خطوات مدروسة نُفذت على مراحل زمنية متقاربة، الأمر، الذي يعزز إطلاق وصف الانقلاب لتعزيز سلطة ولي العهد، الذي غالبا ما سينتقل سريعاً من موقعه إلى موقع الحاكم الأول في بلده. 

بالنسبة للاتهامات الموجهة إلى الموقوفين بالفساد وغسل الأموال والتصرف بالأموال العامة، فإن تشكيلتهم موزعة على مختلف القطاعات الحيوية في الدولة، مع ملاحظة أنها موجهة إلى رجالات العهد (العهود السابقة) السابقة بالشكل الذي يغري بالقول، إن الاتهامات لم تأخذ صيغة عمومية تجاه جميع الفاسدين، بقدر ما هي محصورة ضد الذين يريد النظام الحالي إزاحتهم وتنحيتهم، أملا ببناء ولاءات جديدة، تخدم كل التوجهات التي دعا إليه ولي العهد الحالي، والحاكم القادم، وهي لن تكون بعيدة بالطبع عن توجهات المتبقين من رجالات الأوليغارشية المالية، ولا عن القيادات العسكرية الجديدة ورجالات الدين، وهذه كلها أصبحت بقرارات سابقة تابعة من حيث الإشراف عليها بالملك الحاكم. 

أيضاً، فإن العائلة المالكة من حيث ترتيب السلطة، كانت تتبع نظاماً تدويرياً صارماً، جعل العرش يُحتجز لقرن كامل عند الجيل الأول من أبناء الملك المؤسس عبدالعزيز، مع هامش مكتوم للصراع بين الأبناء على المناصب والأدوار، حتى جاء محمد بن سلمان فكسر القاعدة، أولا بصعوده السريع دون اخوانه الأكبر سنا، ثم تعيينه في ولاية العهد دون أعمامه وأبناء أعمامه، فتحققت أول انعطافة في تاريخ السعودية، بانتقال الولاية إلى الخط في فرع واحد من العائلة، وبذلك جرى حسم صراعٍ خفيّ بين الفروع المتعددة من أبناء عبدالعزيز، لصالح الملك سلمان وضمان تسلسل الحكم في هذا الفرع تحديداً، فالإقدام على توقيف كل هذا العدد من أمراء الصف الأول، من الذين لم يعتقد أحد بأنه يمكن مسّهم في يوم من الأيام! جرى توقيفهم، مع مراعاة موقعهم الرفيع بحجز أفخم فندق في الرياض، كمعتقل لهم.

لعل الأمر الأكثر غموضا وإرباكا في ما جرى، يتصل بوضع رئيس الوزراء اللبناني المستقيل سعد الحريري، وعلاقته بما حصل. من الواضح أن طريقة استدعاء الحريري إلى الرياض، وبيان استقالته من التلفزيون السعودي، وليس من لبنان، تشي بغضب سعودي على سياسات الحريري اللبنانية. معروف أن السعودية تربط بين إيران وحزب الله، وأن التوافق على تسوية في إطار تشكيل حكومة لبنانية، تضم مختلف الجماعات والأحزاب اللبنانية، كما حصل عند تشكيل الحريري للحكومة، قبل ما يقارب العام، مسألة لم ترض عنها السعودية، التي اعتبرت وغيرها من الأقطار العربية أثناء زيارة ترامب للرياض، حزب الله حزباً إرهابياً، فما دامت ستحارب النفوذ الإيراني في المنطقة، فمن الطبيعي أن تجابه حزب الله، وفي كل المواقع التي يتواجد فيها. 

من جانبه، فإن سعد الحريري الذي يتفق تماما مع السياسات السعودية، حتى بالنسبة للبنان، لا يستطيع في خطابه الداخلي اللبناني أن يعكس هذا الوضوح تصريحاً، وإلا ستنفرط الحكومة اللبنانية من فورها. السعودية ومع المتغيرات الجديدة في بنية الحكم فيها، تريد رئيس وزراء لبنانيا يردد حرفياً توجهاتها السياسية بالنسبة لكل من إيران وحزب الله. استقالة سعد الحريري بضغوطات سعودية، لم تكن بمعزل عن السياسة العامة اللبنانية تجاه سوريا، وتوقيعه قراراً بتعيين سفير لبناني جديد فيها، وهي ليست بمعزل عن معارك الجيش اللبناني وحزب الله في بعلبك وجرود عرسال، وما تحقق فيها من انتصارات على «داعش»، وليست بمعزل عما انتهى إليه الصراع (حتى اللحظة) في سوريا من نتائج، وكذلك عما يجري في اليمن، ففي اليوم السعودي المشهود، جرى إطلاق صاروخ حوثي على الرياض، بما له من دلالة، وهي رسالة من الحوثيين للسعودية عن فشل سياستها وسياسة التحالف الذي أنشأته في اليمن.

في خطابه تعليقا على استقالة الحريري، حاول أمين عام حزب الله التهدئة والتخفيف من انعاكاسات هذه الاستقالة، على الوضع الداخلي اللبناني، كما العديد من القوى السياسية اللبنانية ومحافظ البنك المركزي اللبناني. واقع الأمر أنه من المستبعد تشكيل تحالف دولي للقيام بـ»عاصفة حزم» جديدة ضد لبنان، لعوامل موضوعية كثيرة! غير أنه من الصحيح القول أيضاً، إن هذه الاستقالة ستعكس نفسها سلباً على الجبهة الداخلية اللبنانية، من حيث ارتفاع منسوب التوتر بين الأحزاب والمكونات الطائفية اللبنانية.

بالطبع، من الصعب الآن تحديد أشكال هذا التوتر، لكن أقله، هو أن لبنان سيعيش لفترة قد تطول بلا رئيس وزراء. نقول ذلك للأسباب التالية: إن هناك فرقاء لبنانيين، منهم على سبيل المثال لا الحصر سمير جعجع وممن يلتفون حوله، حريصين على تصعيد التوتر في لبنان. ثانياً، إن موقف كتلة المستقبل صاحبة الولاء الأكبر للسعودية في لبنان، مرهون بالتطورات التي ستجري لرئيسها في الرياض، ولكن في كل الحالات، فرغم كل ما سيحصل للحريري، لن تتحكم حالة العداء في العلاقة بين حركة المستقبل والسعودية. واستقبال الملك سلمان للحريري في صورة بثتها فضائية «العربية»، لا تغير من الواقع شيئا. ثالثاً، الأوضاع الاقتصادية السيئة في لبنان للمواطن اللبناني، وما عبّر عنه المواطنون اللبنانيون من نشاطات وتظاهرات وتحركات احتجاجية على هذه الحكومة اللبنانية منذ أشهر وحتى اللحظة.

بالطبع، لا يمكن الابتعاد في ما جرى عن العامل الإسرائيلي والأمريكي (خاصة بعد تأييد ترامب للخطوات السعودية، وما تردد من أنباء عن قيام ولي العهد السعودي بزيارة سرّية إلى الكيان). واقع الأمر أن إسرائيل ونتنياهو تحديدا، وترامب (إلى حدّ ما) مع تحجيم قدرات إيران التسليحية، وصولاً إلى ضرب مشروعها النووي. وكلاهما منزعجان من توقيع دول (5 +1) على هذا الاتفاق، هذا أولاً. ثانياً، فإن كافة القيادات الإسرائيلية الأكثر تطرفا، تهدد بالحرب على لبنان، وإعادته إلى العصر الحجري هذه المرّة. ربما أكثر ما يعكس توجهات القادة الإسرائيليين، هو الصحف الإسرائيلية، والأخيرة مجمعة على أن شنّ إسرائيل الحرب على لبنان هي مسألة وقت فقط. ثم إنه لا يمكن فصل إسرائيل عن السمة العدوانية لها، ولو أخذنا تاريخها منذ إنشائها كدولة حتى اللحظة، نجد أنها في كل عشر سنوات من وجودها تقوم بشن حرب واسعة. 

صحيح أن هناك توازن من الردع بينها من جهة وبين حزب الله وإيران وسوريا من جهة أخرى، غير أن من الصحيح القول أيضاً، إن مهووسي شن الحروب في تل أبيب، لا يخضعون في كثير من الأحيان للحسابات المنطقية، خاصة إذا ما استعملوا أسلحة أمريكية جديدة غير معروفة. 

الموقف السعودي بالمعنى الفعلي هو ضوء أخضر أمام الكيان، لشن عدوانه على لبنان. ولكن، ليس كل ما يخطط بالنسبة لمنطقتنا، قدرا مفروضاً. ففي الكثير من الأحيان يبدأ أصحاب الرؤوس الحامية، حروباً، ولا يستطيعون إنهاءها، ولا يتحكمون في نتائجها.

التعليقات