لا تتوفر نتائج هذه اللحظة.

ممارسة الوصاية والهيمنة على العمل النقابي الفلسطيني

نقابي فلسطيني

تمر الحركة النقابية الفلسطينية أوضاعا حساسة جدا .  لها ما قبلها وما بعدها وهذا مرتبط بجملة الإجراءات التي تمارس على كافة المستويات والمتعلقة بالدور والمكانة وممارسة الديمقراطية واستقلالية المؤسسات النقابية في ظل معطيات واقعية تعكس عمق الأزمة التي تعانيها القوى العاملة الفلسطينية من بطالة وفقر وانتهاك لأبسط حقوقها الاجتماعية والاقتصادية والتعدي على الحريات العامة في محاولة لإخضاع كل الحراكات الاجتماعية التي تحمل في أغلبها مطالب حياتية تتعلق بالحقوق الاجتماعية والاقتصادية .

     وعلى الرغم من كل التنظير المرتبط بمفهوم الشراكة الاجتماعية الذي ينادي به أغلب منظري المؤسسات الرسمية والأهلية التي تسير في فلك منظومة القيم الرأسمالية والقائمة على ضرورة سيادة منطق الحوار بين الشركاء الاجتماعيين (الحكومات وأصحاب العمل والعمال) للتوصل إلى تفاهمات من شأنها أن توفر الحد الأدنى من التوافق على الحقوق والواجبات في إطار النظم والقوانين المعمول بها محليا ودوليا .

      إلا أن كل الحراكات المطلبية جوبهت بحملات واسعة من التشكيك وإجراءات تسعى لإحباطها والعمل على إنهاء مفاعيلها . بديلا عن منطق الحوار والاحتكام الى المرجعيات الناظمة للحقوق الاجتماعية والاقتصادية . ولنا في تجربة حراك المعلمين والضمان الاجتماعي أبرز مثيل على ذلك  وما يتعرض له الإعلاميين والمحامين والجامعيين حاليا .

       وحيث أن موضوع الحديث هنا يتعلق بأوضاع الاتحادات النقابية العمالية فان ما يجري من تفاعلات مرتبطة بها تؤشر إلى محاولة للتهرب من استحقاقات الإصلاح وتصويب أوضاعها الى الهيمنة وفرض الوصاية عليها . وتحويلها الى مجرد هياكل فارغة من أي مضمون نقابي مطلبي والى مؤسسات وأدوات للاستقواء وفرض الاملاءات لمصالح ضيقة لا علاقة للعمال بها .

         صحيح أن الأوضاع الداخلية للاتحادات العمالية وخاصة الاتحاد العام لعمال فلسطين والاتحاد العام لنقابات عمال فلسطين تحتاج إلى عملية واسعة من الإصلاحات وعلى كافة المستويات الإدارية والمالية ودورها في تنظيم العمال والدفاع عن مصالحهم . الا أن ما جرى في الأسابيع الأخيرة وخاصة انعقاد المجلس المركزي للاتحاد العام لنقابات عمال فلسطين بتاريخ 25/11/2017م وما رافقه من اعتراضات على آليات انعقاده والصلاحيات التي مارسها خارج إطار النظام الأساسي للاتحاد وفرض نتائج خارجة على مجريات الحوار الوطني والنقابي المتواصل منذ عامين , يؤشر إلى مرحلة جديدة في واقع العمل النقابي ان لم يتم العمل بشكل سريع على حل تناقضاتها القائمة .

        والمطلوب راهنا وبشكل ملح وقبل كل شي التأكيد على استقلالية المؤسسات النقابية والنضال من اجل تكريس هذا المفهوم والذي قد يمتد المساس به الى العديد من المنظمات الشعبية .  مع تأكيدنا ان الاستقلالية لها مفاعيلها وضوابطها الوطنية والنقابية . وهي لا يمكن أن تمارس خارج إطار الضوابط الوطنية العامة للشعب الفلسطيني من ناحية أو خارج إطار الأنظمة والقوانين المعمول بها , والتي من شأنها أن تضمن الحقوق الاجتماعية والاقتصادية وممارسة الحريات الديمقراطية لأعضاء هذه المنظمات والتي طالما تم انتهاكها وضربها من قبل القائمين على الهيئات القيادية في النقابات العمالية والمدعومة سياسيا .

       لقد تفاعلت في الأشهر الأخيرة ثلاث معطيات كان يمكن لها ان تضع المؤسسات النقابية على بدايات طريق الإصلاح والتغيير وهي تقرير ديوان الرقابة المالية والإدارية رقم (1357) بتاريخ 24/9/2017  اولا . وتوجيه لائحة اتهام من قبل تحقيق نيابة هيئة مكافحة الفساد بتاريخ 12/10/20107  ثانيا . إضافة إلى الإجراءات التي تم التوافق عليها بين كافة القوى السياسية والنقابية الفلسطينية التي تسعى لتطبيق اتفاق أيار 2015م والذي من شأنه أن يؤسس لإعادة بناء الاتحادات العمالية على أسس ديمقراطية تبدأ بإجراء انتخابات على مستوى النقابات القاعدية وصولا إلى عقد مؤتمرات عامة وانتخاب هيئات قيادية جديدة بعد إجراء التغييرات المطلوبة على صعيد الأنظمة الداخلية لهذه المؤسسات وبرامجها , والعمل على انجاز وحدة العمل النقابي الفلسطيني في إطار ما سمي بالكونفدرالية النقابية الفلسطينية والتي تبدأ بوحدة الاتحادين وتشمل كافة المؤسسات النقابية لاحقا ثالثا .

      إلا أن ما جري في الأسابيع الأخيرة وخاصة ما رافق انعقاد المجلس المركزي للاتحاد العام لنقابات عمال فلسطين  من إجراءات ضربت أصول وضوابط العمل الوطني والمؤسساتي حسب ما جاء في مذكرة وزعتها أربع كتل نقابية رفضت الاجتماع ومخرجاته ((في خطوة غير مسبوقة تم الاصرار على عقد  اجتماع للمجلس المركزي للاتحاد العام لنقابات عمال فلسطين يوم السبت الموافق 25/11/2017 في احد قاعات فندق الروكي برام الله  دون توافق وطني لمكونات الاتحاد العام لنقابات عمال فلسطين الوطنية والتي عمل الاتحاد على اساسها منذ العام 1993 وبناء على اتفاق موقع من القوى السياسية والكتل النقابية في نفس العام من ناحية  . وتم عقد الاجتماع خارج إطار آليات العمل النظامي الواردة في النظام الأساسي للاتحاد العام لنقابات عمال فلسطين من حيث عضوية المجلس والدعوة لانعقاده والتقارير المقدمة له وممارسة صلاحيات ليست من اختصاصه وممارسة أساليب تحتمل صفة التحايل والتزوير لتبرير انعقاده ومنحه الصفة القانونية من ناحية ثانية   .مما سيترتب عليه انعكاسات خطيرة على مستقبل العمل النقابي ووحدته في ظل ما يمر به الاتحاد من إجراءات قانونية تتعلق بمكافحة الفساد وتصويب أوضاعة المالية والإدارية حسب ما ورد في تقرير ديوان الرقابة المالية والإدارية للعام 2015 والصادر بتاريخ 24/9/2017 )) .

​         ونستطيع القول أن مجمل ما جرى سيؤدى إلى قطع الطريق على ممارسة التصويب وفق آليات النظام والقانون ومحاولة لتعطيل المعالجة بما يضمن الشفافية والعدالة . والاحتكام إلى إجراءات لا تخدم سوى القائمين عليها  .. وهذا يستدعي العمل من قبل كافة الحريصين على العمل النقابي والشعبي المبادرة لمواجهة هذا الميل للاستحواذ واحتواء العمل الأهلي والنضال من أجل استقلاليته وحمايته من الانحراف عن أهدافه الحقيقية . 

التعليقات