لا تتوفر نتائج هذه اللحظة.

كفلسطينيين… واقعنا وما نحتاجه (2)

د.فايز رشيد

(كاتب صحفي )

  • 1 مقال

كاتب ومحلل سياسي

يصادف الرابع عشر من مارس / اذار 2018 ذكرى مرور 135 عاما على رحيل الفيلسوف المادي كارل ماركس ( 1818 -1883 ) أوّل مفكّر" أوروبيّ" خلّف نظرية عن العالم الحديث ، تستوعب القيم المعبّرة عن الحداثة الأوربية، ممثّلة في الفلسفة الكلاسيكية الألمانية في أوجها مع كانط وهيجل ، وفي علم الاقتصاد الإنجليزي مع آدم سميت ودافيد ريكاردو، وفي التجربة الديمقراطية كما تجلّت في الثورة الفرنسية. 
نحن إذن – كما يقول المفكر الفرنسي جاك بيدي Jacques Bidet - أمام قذيفة مرعبة ضدّ "المجتمع البرجوازي"، تشتغل بواسطة سلسلة من المفاهيم المبتكرة، صيغت بلغة خاصة. 
الرجل الذي كان أول من أعطى لعموم الحركة العمالية وبالتالي للإنسانية جمعاء فلسفة ثورية علمية لتغيير النظام الراسمالي وازالة كل اشكال الاستغلال الطبقي وبناء المجتمع الاشتراكي او مجتمع المستقبل للانسانية جمعاء.
لذلك على كل حركات اليسار الماركسي العالمي عموما والعربي خصوصا ان يدركوا جيدا أن نظرية ماركس ليس بمستطاع احد ان يتجاوزها شرط ان نستوعب جيدا ايضا ان فهم ماركس للعالم- كما اكد رفيقه انجلز- "ليس مذهباً.. وإنما هو منهج. فهو لا يعطي عقيدة جامدة. وإنما يقدم نقاط انطلاق لبحث ما هو آت ". 
وكما أكد لينين من بعده على أن : "الماركسية ليست نموذجاً نظرياً للكون, وليست رسماً تخطيطياً ملزماً للجميع, وإنما هي طريقة وأسلوب لإدراك كل ما هو موجود في حركته وتغيره".
وإذا كنا نسلم بأن الحركة الشيوعية العالمية تعيش اليوم أزمتها . ترى ما هي طبيعة هذه الأزمة؟ هل هي من أمراض الموت؟ أم من أمراض النمو؟ يجيب المناضل الراحل نبيل الهلالي بقوله :في تقديرنا أن أزمة الاشتراكية من أمراض النمو, لأن النظام الاشتراكي العالمي بحسابات التاريخ لا يزال حديث الولادة, بالمقارنة بالنظام الرأسمالي العالمي الذي احتاج أربعة قرون لتثبيت أقدامـه على أرض الواقع. 
لذلك ليس شاذاً أن يتعرض النظام الاشتراكي العالمي لأزمة نمو بعد انقضاء 70 عاماً فقط على تأسيس أول دولة اشتراكية في التاريخ. وليس نشازاَ في عرف التاريخ أن تنتكس الثورة الاشتراكية، لأن الثورات الاجتماعية عمليات طويلة معقدة مركبة، والتطور الاجتماعي لا يسير في اتجاه واحد. 
ولم يعرف تاريخ البشرية حتى الآن ثورة اجتماعية واحدة محصنة ضد الارتداد. فالثورة البرجوازية في فرنسا ارتدت أكثر من مرة واحتاجت إلى ثلاث ثورات متوالية لتحقيق انتصارها النهائي على الإقطاع. 
الثورات الاجتماعية كالبحار يحكمها قانون المد والجزر, ومهما اشتد أو امتد الجزر, فهو لا يعني نضوب مياه البحر. 
ولذلك فإن إخفاق النموذج السوفيتي للاشتراكية لا يبرر الشطب بالقلم الأحمر على الماركسية اللينينية. تماماً كما أن موت المريض داخل غرفة للعمليات بسبب خطأ الجراح لا يبرر إلغاء علم الجراحة.
بالأمس البعيد هللت الرأسمالية العالمية يوم سحقت كوميونة باريس, غير أن ماركس رد على زعمهم بمقولة صادقة, قال ماركس " أن مبادئ كوميونة باريس خالدة, فلا يمكن القضاء عليها، إنها سوف تعلن عن نفسها من جديد, ومن جديد ما دامت الطبقة العاملة لم تتوصل بعد إلى تحررها". ولكن بفعل قسوة الصدمة, أو بدافع من الانتهازية والوصولية, هناك من غرق في الإحباط وهناك من فقد الاتجاه, وهناك من تنصل من ماضيه, وهناك من هجر الماركسية, وهناك من هرول إلى الخندق الليبرالي المضاد.
لكن يخطئ كل الخطأ من يعتبر الماركسية قد اندثرت, كما يخطئ كل الخطأ من يحكم على مستقبل الاشتراكية على ضوء حاضرها المأزوم، وسوف تثبت الأيام أن عاجلاً أو آجلاً, أن أزمة الماركسية مجرد لحظة عابرة في تاريخ البشرية.
حقاً إن الأوضاع والظروف السائدة، لا تبشر بفرص ثورية في الأمد المنظور، ولكن هاهي وقائع الحياة تؤكد لنا أن هناك أسساً موضوعية لإعادة بناء حركة معادية للرأسمالية على النطاق العالمي. وأن هناك إمكانيات واقعية لتحقيق مكاسب جزئية متزايدة في عملية طويلة معقدة عبر مراحل وسيطة متعددة.
وكما قال بحق الفيلسوف الفرنسي غير الماركسي جان بول سارتر فإن "الماركسية غير قابلة للتجاوز لأن الظروف التي ولدتها لم يتم تجاوزها بعد" ولا زالت البشرية في عالمنا اليوم تعاني من: التفاوت الطبقي, الاستغلال الطبقي, القهر الطبقي, ولم يحدث في تاريخ البشرية أن بلغ الاستغلال والقهر الاجتماعي والإفقار المستوى الذي وصل إليه اليوم، وهو يزداد تعمقاً بفعل العولمة ويصبح تناقضاً بين الرأسمال الدولي والطبقة العاملة العالمية، والماركسية هي النظرية العلمية الوحيدة القادرة على مساعدة البشرية في حل هذا التناقض وإرشاد البشرية في كفاحها للخلاص من الاستغلال الرأسمالي.إن الاشتراكية اليوم ضرورة حتمية لاستمرار الحضارة البشرية، وضمان لا غنى عنه لبقاء الجنس البشري.
لذلك فان المطلوب من أحزاب وفصائل اليسار العربي التفاعل الواعي العميق مع ماركسية عصرية على ضوء الواقع المعاصر لمجتمعاتهم بحيث تستجيب لمتطلبات الزمن الذي نعيش فيه، ولكي لا تكون الدعوة للتجديد صيحة حق يراد بها باطل ولكي نضمن أن يأتي التجديد: تطويراً في الماركسية لا تطويحاً بالماركسية, وإغناء للماركسية لا استغناء عن الماركسية واجتهاداً في الماركسية لا ارتدادا عن الماركسية.

التعليقات