غسان كنفاني بوصلة العودة والإجابات عن كل الأسئلة التي أنهكتني

سارة كحلوت

(uploads/images/eb7448a7b44564fdbc46a36d86db4991.jpg)

  • 1 مقال

تبدأ علاقة القارئ بالكاتب منذ أول كتاب يقرؤه له، وهذه العلاقة مرهونة بانتهاء القراءة، فإما أن يغدو الكاتب صديقًا بعدها للقارئ وتنشأ بينهما علاقة تتجاوز حدود الكلمة والفكرة، وإما أن يعود الكاتب مع كتابه إلى رفوف المكتبة حتى يتسنى لكليهما اللقاء في كتاب آخر.


بدأت علاقتي بغسان كنفاني منذ الصغر مع رواية رجال في الشمس، وسؤالها الأزلي المعروف، وكنت كثيرًا ما أعود لقراءة الرواية مذهولة بشخصياتها المختلفة، وبإدراكي الطفولي أقرؤها مفككة كل كلمة ومقصد، وأردد السؤال ذاته على نفسي دون الوصول إلى نتيجة، ظللت عدة سنوات لا أعرف عن غسان كنفاني إلا رجال في الشمس، وكنت أرى أن هذه الرواية العبقرية كافية، وأنني لن أقرأ ما هو أفضل منها، وبالمصادفة أثناء تصفحي لكتب ومجلات قديمة وجدت في القسم الأدبي في إحدى المجلات قصة السرير رقم 12، من مجموعته القصصية التي تحمل نفس الاسم، سررت كمن وجد صديقًا قديمًا بعد فراقٍ طويل، قرأتها ثم قرأتها طوال الليل، وحينها فقط قررت أن أبحث عن بقية أعماله في مكتبة المدرسة وقرأت ما وجدته، بعد انقطاع طويل عن غسان كنفاني، عدت إليه بعد حرب 2014 أثناء زيارة للمكتبة أردت فيها البحث عن كتاب معين، لكنني عدت من المكتبة بعدد من مؤلفاته دون الكتاب الذي ذهبت لشرائه، وأعدت قراءة ما قرأته في طفولتي، وفي تلك الفترة الحرجة من حياتي، والتي دائمًا ما أُعرفها بالتيه، كان غسان هو بوصلة العودة، والإجابات عن كل الأسئلة التي أنهكتني عن الحرب ،المقاومة، الندية، البقاء، الصراع الشهادة، المواساة، التسرية حين يتعبني التفكير ويفتك بي بعد الانحراف الذي أصابني بعد هول الحرب، وعندها أيضًا تحول غسان كنفاني من كاتبٍ إلى صديق حميم، دون مبالغة أو تكلف، بحثت عن صوره وحياته الخاصة، علاقاته وأولاده وزوجته، وحملقت طويلًا في ملامح وجهه التي أحبها وفي سيجارته، وجلسته، والأوراق المتناثرة دومًا على مكتبه، وأغرمت بصورته (التي في الأسفل) على نحوٍ خاص، ربما لأن لون عينيه يظهر فيها جليًا فتشعر أنه ينظر إليك بشكلٍ مباشر، وأنه ما زال حيًا، طبعت هذه الصورة وعلقتها في غرفتي، وجعلتها صورتي الشخصية على الفيسبوك مما جعل الكثيرين يرددون نفس السؤال "إذا ما كنت جبهة شعبية أم لا" لم أعرف في مرةٍ كيف أجيب على هذا السؤال، لأن الإجابة طويلة جدًا وغير متوقعة، فكنت أكتفي بقول أنني أحب مؤلفاته، وأجيب بيني وبين نفسي: أنني معه عرفت المخيم بأزقته ومزاريبه، والشبان الذين رفضوا الموت دون أن يكونوا "ندًا"، والعجائز المتشبثين أملًا، والوجه الحقيقي للوطن والغربة، وعرفت النساء مشتعلات ثورة وأنوثة، وعرفتهن أمهات مقاومات عظيمات، وأدركت الحب في رسائله نقيًا لا يعرف المراوغة، جريئًا لا يفهم الحدود، قويًا مؤلمًا. وأدركت كيف يغدو شخص ما، فكرة لا تموت أو تندثر.
8 أبريل/1936
8 يوليو/ 1972

التعليقات