أوسلو: مطرقة العدو وخنجر السلطة

 

مرور 25 عاماً على توقيع اتفاقيات " أوسلو" ، يُشّكل سبباً ومحفزاً آخراً للكتابة "وقرع الخزان "، لأن الواجب الوطني والقومي والأخلاق الثورية تفرض على كل فلسطيني أولاً وعربي ثانياً أن يكتب كل يوم ويعري ويفضح، ويناضل من أجل وأد واسقاط هذه الاتفاقيات التي وُلدت من رحم الاتفاقيات الأم، أي اتفاقيات "كامب ديفيد"، تلك الاتفاقيات التي لم تأتِ كلحظة عابرة في التاريخ أو زلة قدم لمسؤول عربي (السادات) الذي عمل كرئيس لأكبر وأهم دولة عربية، جمهورية مصر العربية، حيث دشن طريق التخلي عن المصالح والأهداف القومية والوطنية وخيانة طموحات وحقوق وأهداف أمة بأكملها بإعلانه الاستسلام الكامل للعدو وبدون شروط والاعتراف بحق" اسرائيل" بالوجود على حساب حقوق شعب فلسطين الوطنية والقومية والتاريخية .

جاءت كافة الاتفاقيات التي أبرمها التحالف الصهيوأمريكي مع كل من حكام مصر و الأردن وقيادة فتح التي كانت وما زالت تسيطر على منظمة التحرير، في سياق الضرورة السياسية والحاجة الاقتصادية للبرجوازيات الطفيلية والريعية العربية والفلسطينية التابعة للمراكز الرأسمالية والإمبريالية العالمية، ولحاجة الإمبريالية أن تعيد ترتيب أولوياتها في مناطق "نفوذها" بما يعزز ويؤمن "مصالحها الحيوية وأمنها القومي " في عالم ما بعد الاتحاد السوفيتي وإغلاق أحد أهم فصول ما سُمي بالحرب الباردة.

قبل أن يسمح التحالف الصهيوأمريكي للراحل ياسر عرفات وطاقمه القيادي، بالمشاركة في جلسات التلقين السياسي التسووي (التي تسمى مفاوضات) طُلب منه تقديم شهادات "حسن سلوك وإثبات النوايا الحسنة" فبدأها بالاستجابة للإملاءات الصهيونية أي إدانته " للإرهاب" واستعداده للاعتراف " بإسرائيل" وإيجاد حل متوافق عليه لقضية المُهجرين الفلسطينيين، هذه الشروط الصهيونية شكّلت البوصلة لكل مجري التفاوض وبدعم وتأييد من واشنطن  بشكلٍ كاملٍ، لهذا لا يمكن لأحد من القيادات الفلسطينية اليمينية التي شاركت في التوصل للصيغة التي وقع عليها، أن يدّعي أنه خُدع، واستدرج العدو في مطالبه حيث طلب أيضاً التخلي" عن أعمال العنف" التي تساوي طلبه من الأطراف العربية بإنهاء حالة الحرب، وأن يهجر استراتيجية التحرير، معتبراً أن" المناطق والأراضي" التي سيتم الحوار والتفاوض بشأنها هي أراضي متنازع عليها وجزء من الأرض " التوراتية" التي وعد بها " الله " شعبه المختار .

إذا، كانت الأمور واضحة واستراتيجية " المفاوضات" التي قبلت بها الأطراف المشاركة لم تدع أي مجال للادعاء أنه مورست ضغوطات لإجبار الطرف الفلسطيني بقبول هذا البند أو ذاك، حيث كان الفريق الفلسطيني "حر" بأن ينسحب ويرفض مجمل عملية التفاوض لو لم يكن فعلاً مقتنع "بمسودة " مشروع الاتفاقيات المقترح، وهذا ما يؤكده السيد أحمد قريع الذي كان يرأس الفريق الفلسطيني المفاوض حيث قال في مقابله نشرتها وكالة سما بتاريخ 15 / 09 " أن القيادة الفلسطينية قررت أنه لا ضير من التوقيع على الاتفاق كما هو وتم تأجيل قضايا اللاجئين، القدس، الحدود والاستيطان والعلاقات بقرار من الجانبين إلى مفاوضات الحل النهائي " .

ففي هذا الإطار ومما لاشك فيه كان الجانب الفلسطيني ملم بكل تفاصيل أهم بند في الاتفاقيات أي " التنسيق الأمني"ومداياته التي يمكن أن يصل إليها فيما يُسمى " مكافحة الإرهاب"، وبكل ماهو مطلوب منه عمله في هذا المجال. هذا البند المفصلي تم وضعه وتثبيته كما يريد العدو بما يخدم أهدافه وسياسته القمعية الفاشية بشكلٍ كاملٍ، هذه الحقيقة أشار إليها الصهيوني" اليساري " يوسي بلين صديق الراحل ياسر عرفات، وأحد الذين تفننوا في اصطياد القيادات اليمينيةا لفلسطينية وزجها في الخرج السياسي الصهيوني، الذي قال " أن التنسيق الأمني من أهم العوامل التي تجعل اسرائيل معنيه بالحفاظ على بقاء السلطةالفلسطينية" هل من وضوح أكثر من هذا! .

هكذا يتضح لنا جميعا أن خيار "أوسلوا " هو أولاً وأخيراً خيار صهيوامبريالي تم فرضه سياسياً ويتم تطبيقه عملياً كما هم يفهموه وكما يريدونه لخدمة مصالحهم بشكلٍ كاملٍ، وكما وافق عليه " المفاوض " الفلسطيني ولم يكن مطروحاً على الطاولة احتمالات الصح والخطأ بقدر ما خُرَج على أنه " أفضل اتفاق ممكن " وأُعلن " التحرير " وعلى لسان ياسر عرفات نفسه في كل المدن التي دخلها " فاتحاً". فعن أي أخطاء يتحدث صائب عريقات وياسر عبد ربه وقريع وكل فريقه البائس ؟ وهل هي صدفة أن الوحيد الذي لا ينتقد الاتفاقيات أو يخطئها هو محمود عباس رئيس سلطة " أوسلوا" ؟إن الخطيئة المميتة والعظمى أيها الساده تكمن- بحد ذاتها - في قبولكم بالاتفاق والتوقيع عليه، الذي لبى أهداف وطموحات الطرف الصهيوني بشكلٍ كاملٍ وسلب الطرف الفلسطيني كل شيء وخاصة الأرض التي هي جوهر وأساس الصراع مع المشروع الصهيوني الاستعماري الاستيطاني والتي ذهبتم للتفاوض لاستردادها!.

فكيف يمكن فهم ، بعد مرور 25 عاماً على توقيع هذا الاتفاق الخياني بكل المقاييس الوطنية، أنه ما زال هناك من يعتقد أن المشكلة تكمن بآليات التطبيق والتحكيم ، وأحدهم على استعداد لتوقيعه من جديد لو عاد التاريخ إلى الوراء (أحمد قريع) أو أن " اسرائيل " لغت الاتفاق ولكننا مستمرون بالتمسك به (محمود عباس ) هذه عينة لأقوال أصحاب نهج التسوية، وهنالك من اعتبره " طريق وعر " والسبب نوعية وأسلوب المفاوضين والتفاوض (قيس عبدالكريم) ، أومن يعتبره " كارثي على الوضع الفلسطيني، لكن لو وقف الجميع حينها خلف ياسر عرفات لكان الآخر مختلفاً" (أحمد يوسف القيادي فيحركة حماس ) ، فأي تناقض هذا وتضليل خدم ويخدم نهج " أوسلوا " .

إنه من الملح بل واجب وطني وأخلاقي لكل فلسطيني، وكل حزب أو حركة ضد اتفاقيات العار الأوسلوية بكل مكوناتها وملحقاتها، يناضل ضدها ويريد اسقاطها عليه أن يُقلع عن الاعتقاد بإمكانية تعديل أو تطوير أو استكمال هذه الاتفاقيات بما يحقق " الحد الأدنى " من الأهداف والحقوق الوطنية، وأن كل من ساهم، ممن يدّعون أنهم قيادة هذا الشعب ، بمساعدة العدو في صياغتها وتنفيذ وتطبيق ما يرجوه منها هو حتماً عاجز وفاشل ولا يحق له أن يكرس نفسه على رأس الهرم التمثيلي الفلسطيني، وقد آن أوان بروز قيادات وطنية وثورية جديدة تحدد هدفها وتضع كل جهدها وامكانياتها في خدمة برنامج التحرير، لأننا إن لم نحرر الأرض لن تكون هنالك لا امكانية لتحقيق شعار العودة ولا إقامة أي شكل من أشكال الدولة، حتى لو كانت دوله مسخ ومنزوعة السلاح كما يريدها محمود عباس .

أعتقد أن الحلقة المركزية في هذا الصراع الوطني. القومي والطبقي قبل أن يكون، تطبيق أو قبول أوعدم قبول صفقة العصر، هي الحفاظ على المقاومة المسلحة في قطاع غزه وتدعيمها وتقويتها، التي تتكالب عليها أطراف عدة أولها وفي مقدمتها العدو الصهيوني الذي يمتلك كياناً(اسرائيل) مدججاً بأحدث أنواع الأسلحة وأكثرها فتكاً من الناحية التدميرية ويتفوق علينا لوجستياً وعسكرياً لكنه لا يمتلك نفس المواصفات القتالية البشرية ولا يملك الإرادة وطول النفس في صراع طويل الأمد، حيث لا يوجد له عمق " شعبي وجغرافي" أبعد من فلسطين التاريخية التي بنى على ترابها كيانه الاستعماري، رغم ما يتمتع به من دعم لا محدود من الإمبريالية العالمية وخاصة الأمريكية، ثاني المتآمرين على المقاومة المسلحة في القطاع، كما على كل فلسطين، الأنظمة الرجعية العربية وفي مقدمتهم مملكة آل سعود وباقي إمارات عشائر الخليج العربي ومعها كل الأنظمة الرجعية التابعة للإمبريالية التي يحاول العدو الصهيوني أن يجعل منها عمقه " الاستراتيجي " الذي يفتقده، والتي أصبحت منخرطة في حلف غير معلن رسمياً مع الإمبريالية والصهيونية لضرب وتدمير المصالح القومية والشعبية للأمة العربية، وخاصة التي تشّكل مقومات الصمود والمقاومة للمخططات الاستعمارية التي تهدف إلى نهب خيراتها ومقدراتها، مقابل حمايتهم وتوفير الظرف المناسبة لهم للاستمرار في اغتصاب الحكم والحفاظ على الامتيازات التي يوفرها وخاصة المالية، أما ثالث المتورطين في العدوان على القطاع هو السلطة الفلسطينية، وخاصة رئيسها ، التي لاتستطيع لأسباب موضوعية وذاتية أن " تلعب " خارج الملعب الصهيوامبريالي ولا يسمح لها أن تخرق السقف السياسي المرسوم والمعد مسبقاً، أي أن ما يقوم به رئيس هذه السلطة يتساوق مع السياسة الداخلية والأمنية " الإسرائيلية " التي تعتبر " السلطة" شان " اسرائيلي" داخلي ، وكل ادعاء " اسرائيلي " أن تشدد عباس حيال غزه ورفضه للمصالحة والتهدئة ورفع العقوبات سيؤدي إلى حرب على غزة هو مجرد تضليل ومحاوله لتأجيج التناقضات الداخلية الفلسطينية واللعب في الوقت الضائع في محاولة منهم لإيجاد مخرج لمأزقهم الحقيقي والتاريخي في غزة.

إن العقبة الكأداء أمام تنفيذ المخططات الصهيوامبريالية التي تستهدف، كما كان دائماً، الشعب والأرض والقضية سواء سُميت " صفقة عصر " أو صفقة ترامب، هي المقاومة المسلحة في غزة، التي لا تشّكل حقيقة توازن عسكري مع العدو ولكنها أصبحت تهدد بنيته التحتية، وأمن مناطق استراتيجية وحساسة في كيانه (فلسطين ) بسبب قرب المسافات والمواقع التي يمكن استهدافها في حال قرر العدوان شن عدوان عسكري مباشر، سواء الآن أو لاحقاً، أما في حال اتخاذه القرار الأصعب والاستراتيجي باجتياح القطاع، وهذا غير مستبعد ضمن حسابات وجوديه للكيان، بهدف القضاء على المقاومة المسلحة وبنيتها التحتية فإن العدو يفتح الأبواب على مصراعيها للمقاومة الشعبية المسلحة التي ستشّكل بداية فعلية وحقيقية لهزيمته وسقوط كل من يتعاون معه سواء سمي سلطه أم روابط قري، لأن اتفاق " أوسلوا " وضع " السلطة" في تناقض تناحري مع المقاومة والثورة ولن يُحل هذا التناقض تاريخياً إلا بانتصار الثورة التي هي وحدها القادرة على تحطيم مطرقة العدو وكسر خنجر السلطة وتحقيق إرادة الشعب.

التعليقات