الجيل الذي حارب

عبد الله السناوي

(عبد الله السناوي)

  • 1 مقال

عبد الله السناوي

رغم أن أجيالاً مصرية متعاقبة حملت السلاح داخل إطار المؤسسة العسكرية الوطنية، إلا أن جيلاً واحداً من بينها جميعاً يستحق أن يوصف ب«جيل الحرب».

الجيل يُقاس بالتجربة الفكرية والسياسية والوجدانية والنظرة إلى الحياة والقيم الأساسية، التي تحكم توجهاته ومخيلته قبل أعداد السنين المسجلة على شهادات الميلاد.

باتساع مفهوم الجيل كان هناك جناحان رئيسيان في قصة حرب أكتوبر.

الأول قاتل بفواتير الدم على الجبهة الأمامية حتى يمكن لهذا البلد أن يحرر أرضه المحتلة ويرفع رأسه من جديد.

والثاني دعا بفوائض الغضب في الجامعات المصرية إلى تعبئة الموارد العامة وراء المقاتلين، وانتقد الأداء الداخلي الذي لا يتسق مع تضحيات الدماء.

كانت الحرب عنصراً جوهرياً في تشكيل وعي جيل السبعينات السياسي والاجتماعي والثقافي، أكثر مما فعلت تجارب الحروب السابقة في الأجيال الأخرى.

كانت تجربة الحرب، التي امتدت منذ يونيو/ حزيران (١٩٦٧) إلى أكتوبر/ تشرين الأول (١٩٧٣) الوعاء الحي لصهره، وتشكيل معنى جديد داخله للمواطنة والوطنية.

في خنادق القتال نضجت رؤى وأفكار وقيادات، وبرزت مواهب أدبية وفنية.

الحقيقة الرئيسية من هزيمة يونيو إلى نصر أكتوبر أن مصر كلها، لا «جمال عبدالناصر» ولا «أنور السادات»، صاحبة قرار الحرب الذي اتخذته تحت ظلال الهزيمة يومي (٩) و(١٠) يونيو (١٩٦٧).

أفضل ما قيل في وصف بطولات أكتوبر أن الإنسان المصري العادي هو بطل الحرب. غير أن بطل أكتوبر لم يكن من ناحية تدقيق المعاني والألفاظ إنساناً عادياً، بل جيلاً كاملاً صهرته تجربة القتال، وصاغت منه تجربة فريدة.

الفارق واضح بين نسبة النصر إلى الإنسان العادي المجرد، أو إلى صفات إيجابية مطلقة في الشخصية المصرية، وبين نسبته إلى جيل بعينه، وإلى وعي بعينه، وإلى بنى ثقافية وسياسية ونفسية بعينها.

إنه الفارق بين المطلق والتاريخ.

جيل الحرب هو نفسه جيل الثورة ومجانية التعليم والحق في الثروة الوطنية.

فرضت ضرورات تحديث القوات المسلحة في أعقاب الهزيمة دفع جيل بأكمله من خريجي الجامعات إلى صفوف القتال؛ للتعامل مع أحدث التقنيات العسكرية في ذلك الوقت.

المأساوي في قصة هذا الجيل أنه أرجأ طموحاته وحياته إلى ما بعد انتهاء الحرب، غير أنه عندما عاد من ميادين القتال، وجد أن ما قاتل من أجله قد تبدد، وأن عليه دفع ثمن سياسات الانفتاح الاقتصادي التي دشنت عام (١٩٧٤) من مستقبله الاجتماعي والإنساني.

«هذا كذب.. أنا لا أعرف من أنتم، ولا من أين أتيتم.. إن ما أعرفه جيداً أن هذا البيت بيتي، وأن واجهته خمسون متراً بالتمام، وإذا كنت لم أفكر في إعادة قياسه منذ زمن بعيد، فذلك لثقتي بأن الأرض لا يمكن أن تضمر بفعل الزمن».

كانت تلك نبوءة مبكرة في منتصف السبعينات تضمنتها مسرحية «محمود دياب» «الغرباء لا يشربون القهوة»، عن حجم ما سوف يحدث من تجريف لأي معانٍ حاربت من أجلها مصر.

في نبوءة ثانية استبق التطبيع مع «إسرائيل» بإعلان استحالته في مسرحية «أرض لا تنبت الزهور».

لم يكن «محمود دياب» يتنبأ بما قد يحدث من فراغ، حيث بدأت بعض المواقف والكتابات تدعو إلى تسويةٍ ما تنهي الصراع الدامي وتدين السياسات التحررية التي اتبعتها مصر في أوقات سابقة.

هناك فارق جوهري على المستوى الوجداني بين جيلين متعاقبين.

الذين عاشوا الحلم بعضهم لم يستطع أن يتحمل وطأة انكساره. كان «صلاح جاهين» مثالاً تراجيدياً، فقد أصيب باكتئاب حاد.

والذين اكتسبوا وعيهم السياسي بعد الهزيمة رفضوها ونقدوا أسبابها، ودفعوا فواتير الدم على جبهات القتال قبل أن يعودوا ليجدوا ثمارها قد ذهبت لغير أصحابها.

في عام (١٩٦٨) أعلنت أجيال ما بعد الهزيمة عن حضورها فوق مسارح التاريخ، تطلب المشاركة السياسية، تؤكد إرادة القتال، وتدعو إلى جبهة داخلية متماسكة.

بقدر الموهبة الاستثنائية ل«نجيب محفوظ» في التقاط الشخصية الدرامية من قلب التحولات الاجتماعية بدا «زعتر النوري» في «أهل القمة».

بذات النظرة والتوجه أدى «نور الشريف» دوراً آخر لما جرى، بعد أن عاد المقاتلون من جبهات القتال، حيث نالت بقسوة الانقلابات الاجتماعية من حياة «حسن سلطان» في «سواق الأتوبيس».

كان ذلك الشريط السينمائي وثيقة إدانة بلغة فنية لا ادعاء فيها لعصر كامل انقلبت فيه موازين القيم، وبدت الحالة الأخلاقية والاجتماعية في انكشاف غير مسبوق.

بالقرب من هذه المنطقة المهجورة عرت أعمال سينمائية أخرى بعض المثقفين، الذين تواطأوا على أية قيمة للعدل الاجتماعي، مثل فيلم «البحث عن سيد مرزوق».

ضاعت معاني التضحية بالدم على جبهات القتال، وانتصر الزاحفون بسطوة المال.

فيلم «كتيبة الإعدام» من تأليف «أسامة أنور عكاشة»، تعبير مباشر عن زواج الرأسمال الطفيلي مع خيانة دم الشهداء.

بالتعبير الفني فإن التناقض وصل مداه.

وبالتعبير التاريخي فقد ولد جيل جديد من قلب تجربة الحرب وما جرى بعدها من تحولات وانقلابات ناقضت ما دفع ثمنه دماً على جبهات القتال.

التعليقات