دفاعاً عن الفهم الطبقي " للحكيم " حول الوحدة الوطنية والبديل الثوري

هل يتوقع أحد بأن قيادة "م.ت.ف" المتنفذة سينزل عليها الوحي في ليلة صافية كي تعود إلى جادة الصواب، وإلى طريق الكفاح هكذا لوحدها؟ إن هذا مستحيل طالما هذه القيادة غارقة في مستنقع المخطط الأمريكي، وطالما أنها لا تُجابه بصوت جماهيري واسع وواضح يضع حداً وبصورة حاسمة لأوهامها ولخروقاتها ولضيق أفقها ورهاناتها الخاطئة" ( جورج حبش استحقاقات الراهن والأفق القادم).

قي الواقع ما حفزني لكتابة هذه المقالة، ما يتم تداوله على صفحات التواصل الاجتماعي من أقوال للحكيم جورج حبش مؤسس حركة القوميين العرب والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين تتعلق بالوحدة الوطنية، في محاوله لإسقاط أو تكرار موقف أو ممارسه حدثت في مرحلة ما، قسراً على هذه المرحلة التي تفترق فيها البرامج والمواقف، وأيضاً بسبب المحاولات المستمرة لبعض قيادات اليمين الفلسطيني الرجعي أن "تستحضر" الحكيم " وتستقوي " به مدعية أن " الجبهة" اليوم ليست هي الجبهة التي " عرفتها أيام الحكيم "، في محاوله فاشلة لإفساد وعي الجيل الجديد وتضليله، هذا الجيل الذي لم يعايش "الحكيم" وتلك المرحلة، ولكنه الآن يشاهد ويلمس اشتداد الصراع الوطني والطبقي الفلسطيني بسبب مغادرة قيادات اليمين للبرنامج السياسي الوطني التحرري الذي هو أساس وأرضية أي وحدة.

الحكيم، الذي كان يتمتع بعبقرية فكرية علمية وسياسية استثنائية والتزام مطلق بالقضايا الوطنية والقومية والأممية، كان دائماً متفائلاً ومنسجماً مع ذاته، طبق مبدأ القيادة الجماعية حتى آخر رمق من حياته، ومارس الوحدة الحزبية التنظيمية والوحدة الوطنية السياسية بشكل علمي خلاق، وحرص عليهما أشد الحرص، وشكّل قدوة وطليعة نادرة للمناضلين والمناضلات للتمسك بها بوعي وقناعة وليس مجاملة وابتذال.

بالنسبة للرفيق جورج حبش، كما للجبهة، شكّل قانون الوحدة والصراع، القانون الثوري الضابط للوحدة الوطنية السياسية في كل مرحلة من مراحل النضال التحرري الوطني والقومي، ففي مقابله له مع مجلة الهدف بعد مضي أكثر من عام على بدء مباحثات مدريد قال: " إننا نتمنى أن تتراجع البرجوازية المتنفذة عن خيارها، ولكنها ما دامت تسير في طريق المشروع الأمريكي فإن العلاقة معها هي علاقة صراع ومجابهة". (نفس المصدر).

هذه العلاقة الصراعية مع قيادات اليمين تقابلها الوحدة الوطنية الميدانية التي ناضل بثبات وعزم للحفاظ عليها حيث أكد في ذات المقابلة: " أن مجابهتنا لممارسات هذه القيادة لا تعني ضرب العمل الوحدوي الميداني، بل يجب تعزيز هذه الوحدة بالانشداد دائماً نحو التناقض الأساسي والرئيسي مع الاحتلال " (كتيب استحقاقات الراهن والأفق القادم).

الحكيم، لم يتردد للحظة في اتخاذ المواقف الحاسمة في اللحظات المصيرية، والتي كانت تغلب الوطني العام على العلاقات الشخصية، فمنذ تأسيس الجبهة الشعبية حتي تنحيه طوعاً عن منصب الأمين العام اتخذت الجبهة تحت قيادته قرارات عدة بتشكيل أطر مختلفة "كجبهة الرفض للحلول الاستسلامية" و "جبهة الانقاذ" ، وتحالف " القوى العشرة"، بهدف النضال لمجابهة البرامج والسياسات اليمينية البديلة عن البرنامج السياسي المٌجمع عليه وطنياً. لقد أدت هذه الأطر مهام كفاحية وتركت بصماتها الواضحة في التاريخ الفلسطيني، وخاصة " جبهة الرفض " التي لعبت دوراً مركزياً في النضال للجم توجهات قيادة اليمين الفلسطيني للتفاوض مع العدو الصهيوني في أواسط سبعينيات القرن الماضي، والتي شهدت حرباً أهلية قاسية في لبنان كان هدفها القضاء على المقاومة الفلسطينية المسلحة والحركة الوطنية اللبنانية .

إن واقع الاستحواذ والهيمنة على قيادة " منظمة التحرير" وعلى مقدراتها وإمكانياتها، وبسبب فرض قراراتها بالأغلبية وليس بالتوافق، كل هذا عزز سيطرة الرئيس وتنظيمه في كافة مؤسساتها التشريعية والتنفيذية، وتعامل مع القوى الأخرى وظيفياً ورقمياً، مما فرض على الجبهة، كطليعة لليسار الفلسطيني المقاتل، أن تخوض النضال من خارج أطر "المنظمة" كوسيله "لتحرير" عملية الصراع، ورفع سقفه للدفاع عن البرنامج السياسي الوطني الذي يمثل المصلحة الوطنية العليا وليس المصالح الفئوية للبرجوازية وممثليها .

هذا النهج الثوري ساهم في بلورة التناقضات والتباينات داخل معسكر اليمين، التي كانت أصلاً موجودة، خاصة داخل حركة " فتح " لصالح رفض الحلول الاستسلامية التصفوية أي لصالح الموقف الوطني والقومي، ودليل ذلك أن علاقة الحكيم بالشهيد أبو جهاد لم تنقطع رغم فتورها وانقطاعها مع عرفات، وقد انعكس هذا على القمة التي جمعت وفداً يرأسه الشهيد أبو جهاد عن قيادة حركة " فتح " مع وفد من الجبهة الشعبية برئاسة الحكيم في العام 1986 في مدينة براغ عاصمة تشكوسلوفاكيا في ذلك الحين، تلك القمه التي ثبتت البرنامج الوطني وأغلقت الباب أمام كافة المحاولات لمد الجسور مع العدو، ورسخت الوحدة الوطنية السياسية والميدانية التي شكّلت أحد أهم العوامل التي ساهمت في تدعيم الانتفاضة الأولى والتي تفجرت بسبب تراكم ونضج العوامل الموضوعية، وعلى رأسها وفي مقدمتها فاشية وقمع وتغول الاحتلال الصهيوني، وازدياد أعبائه على كاهل كافة فئات الشعب وخاصة أكثرهم فقراً وبؤساً.

إن منظمة التحرير لم تكن بالنسبة "للحكيم" ملكيه لفرد أو تنظيم ولم يتعامل معها كبقرة مقدسة مؤكداً أنه: "إذا تخلت (المنظمة) عن كل الثوابت وهبطت بالحقوق الفلسطينية الوطنية إلى مجرد حكم إداري ذاتي هزيل تحت بسطار الاحتلال، فما الذي سيبقى منها سوى تراثها وتاريخها؟! وبالتالي ما الذي سيجعل الجماهير الفلسطينية تمنحها الثقة والتعاطف؟!" ( نفس المرجع ص 26).

بعد توقيع اتفاقيات "أوسلو" من قبل منظمة التحرير، والاعتراف بشرعية دولة الكيان الصهيوني على أرضنا التاريخية، واستجابة ياسر عرفات إلى إلغاء البنود الأساسية من ميثاقها الوطني، وُضع في خانة الشك ليس فقط أهليتها الكفاحية، بل شرعيتها التمثيلية الوطنية والجغرافية أيضاً، مما أعاد وضع النضال الفلسطيني من جديد أمام مهام كان قد حسمها في الماضي، وعلى رأسها إعادة تثبيت الهوية الجغرافية القومية للأرض والوطن، والتي على أساسها تُحدًد الهوية الوطنية والشخصية السياسية للشعب .

وقد حذر الحكيم وبإصرار القائد الثوري الحازم، من نجاح العدو في فرض هذا المخطط، قارعاً الأجراس كلها بقوله: " إذا استطاع العدو فرض مخططاته، فإن ما حققه الشعب الفلسطيني من تبلور لهويته وشخصيته الوطنية سيعود من جديد ليصبح مهدداً بالتبديد والضياع، "وحرض الجماهير، داعياً إياها أن: " تدرك جيداً ما يخبئه لها المشروع المعادي التصفوي"، وطالبها أن: " تتخذ موقفاً حازماً من تلك الأطراف التي تقوم، وتحت اسم الشرعية للتحدث باسمها وللتوقيع باسمها صكوك التنازل عن حقوقها وتضحياتها وإنجازاتها " (ص 42).

استشرف " الحكيم " جورج حبش من هذه المخاطر قبل توقيع اتفاقيات أوسلو الخيانية، ودعا قيادة المنظمة إلى الانسحاب من هذه " المؤامرة التصفوية، لأن من يقبل بالشروط الأمريكية - "الإسرائيلية" المجحفة المتعلقة بشكل المفاوضات، سيقبل بالنتائج المجحفة المترتبة على هذه المفاوضات ". وأضاف " آمل أن أكون مخطئاً في هذا الاستنتاج، لكن الأمنيات شيء والواقع على الأرض شيء آخر ".

التاريخ، زكى هذه الرؤية الثاقبة، المبنية على التحليل العلمي لمرحلة متكاملة من مراحل الصراع التي كان وما يزال اليمين الفلسطيني متسلطاً وقابضاً على مقاليد السلطة فيها خدمة لمصالحه الطبقية البرجوازية. رحل عنا ولكنه بقي فينا ومعنا مناضلاً عنيداً بإصراره على ضرورة تغيير " المدافعين الفاشلين " عن القضية، كما كان يقول رفيق دربه ودربنا الشهيد الخالد غسان كنفاني .

لذا من الواضح أن أقوال "حكيم الثورة" وسلوكه الثوري المبدئي، ليست بضاعة للتداول في أسواق النخاسة السياسة المغرضة، لأنه هو أصلاً ناضل ضد التعامل مع الواقع والسياسة بالطريقة الستاتيكية الجامدة بل بشكلها المتحرك الديالكتيكي . وأيضاً هي ليست عبارات وجمل يستعملها ويروج لها بعض العفويين والانفعالين و " محبي " الحكيم، لإسقاطها على كل المراحل كيفما كان .

بكل تأكيد الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، التي تعود للنهوض من جديد وبيدها معول النقد الثوري لذاتها أولاً ومن ثم للآخرين، في محاولة جادة لتجاوز مرحلة الأخطاء والترهل والوهن هي نفسها، كما أرادها مؤسسيها وفي مقدمتهم القائد الخالد جورج حبش والرفيق القائد الفذ الشهيد أبو علي مصطفي وقائد النضال الفلسطيني الحديث الفدائي البطل أحمد سعدات الذي أضاف إلى قاموس العدالة الثورية مبدأ "الرأس بالرأس" لأنه حقاً جعل من الندية العتبة التي تسبق التفوق على العدو.

 

التعليقات