النظام العربي يفككك الأزمات الإسرائيلية

د.فايز رشيد

(كاتب صحفي )

  • 1 مقال

كاتب ومحلل سياسي

معروف أن دولة الكيان الصهيوني، ورغم مرور سبعة عقود على إنشائها القسري، لم تستطع التخلص من أزماتها البنيوية والوجودية بمختلف مجالاتها. وفي الوقت الذي تبدو فيه إسرائيل في عزلة دولية، بسبب مذابحها بحق شعبنا، وسياساتها المتعجرفة، وتصريحات قادتها العنجهية، يأتي النظام الرسمي العربي ليفتح لها الفضاء العربي، تسرح وتمرح في أنحائه، بحيث تتفكك هذه العزلة.

كل ذلك على الرغم من رفضها حتى لما يسمى بـ»مبادرة السلام العربية»، ورفضها كافة الحلول مع الفلسطينيين، وتصريحات نتنياهو التي باختصار يحتقر فيها العرب! ساعیا بغیر كلل لاستغلال حال الھوان العربي الراھنة، التي يترجمها بعض العرب في المنطقة، عبر التقرب لإسرائیل ظناً منھم، أننا نعیش عصر الأسرلة. في هذا الوقت يسارع ھؤلاء لطمس الطبیعة العدوانیة، لاحتلال عنصري استیطاني إحلالي كولونیالي، صارفين النظر عن جرائمه، مهرولين وهم يرفعون الرايات البيضاء، مستسلمين لمخططاته العدوانية.

ورغم توصيفات نتنياهو لهم «بأن القوة هي الأمر الأهم في السياسة الخارجية الإسرائيلية للتعامل مع العرب، وأن تسمية إسرائيل بدولة احتلال، هي ترّهات ليس إلا!»، مضيفا في مقارنة تعكس عنجهية القوة التي يستشعرها ودولته أمام نظام عربي خانع ومستسلم ومستجيب لما يريد، من دون إبداء أي ردود فعل بما يعنيه ذلك من موات! يضيف قائلا «توجد دول عظمى احتلت وبدّلت السكان، ولا يتحدث أحد عنها.. ويواصل رئيس الحكومة الاحتلالية السوبر متطرفة قائلا: القوة هي المفتاح، القوة تغير كل شيء في سياساتنا حيال دول العالم العربي». هذا مع نسيان عربي تام ومقصود لاتهامات الفساد والرشوة، وإساءة استخدام السلطة، والتحقيقات التي تقوم بها دوائر الشرطة معه! بما يهدد مستقبله السياسي، وبذلك يفككك النظام الرسمي العربي أزمات نتنياهو، باستقباله في العواصم العربية، ما يرفع من أسهمه في الشارع الإسرائيلي، لذلك، فإن استطلاعات الرأي الإسرائيلية الحديثة، تؤكد فوزه في حالة إجراء انتخابات نيابية في هذه المرحلة.

لم يقل نتنياهو القوة تجاه إيران أو تركيا، أو يذكر دولة أخرى، فقط الدول العربية هي التي يتعامل معها من منطلق القوة، وليس أي وسيلة أخرى غيرها.

النظام الرسمي العربي بعلاقته المتطورة مع إسرائيل، فإنما يعطي شرعية لها وشيكا على بياض لما ستقترفه دولة الكيان الصهيوني

من زاوية أخرى، فإن أشدّ الأسلحة تأثيرا على إسرائيل، هو سلاح المقاطعة في مختلف المجالات الاقتصادية، السياسية، التعليمية وغيرها. الأمر، الذي حدا بدولة الكيان الصهيوني إلى استنفار طاقاتها وحلفائها في سبيل محاربتها، بدءًا من إصدار تعليمات إلى وزارة الخارجية الإسرائيلية لتكون مواجهة المقاطعة أولوية لها، مرورا بإصدار الكونغرس الأمريكي قرارا بمقاطعة كل دولة تلتزم بمقاطعة إسرائيل، وصولا إلى منع المقاطعين من دخول الدولة الصهيونية، إلى جانب الكثير من الخطوات العقابية الأخرى. ولتأثير المقاطعة نورد نماذج قليلة منها: ما قالته حركة المقاطعة من أن حملاتها كانت عاملًا رئيسيًا في انخفاض الاستثمار الأجنبي المباشر في الاقتصاد الإسرائيلي بنسبة 46% سنة 2017 مقارنة بسنة 2016. كذلك، نسب البنك الدولي جزئيًا انخفاض الواردات الفلسطينية من الشركات الإسرائيلية بنسبة 24% إلى حملات المقاطعة. وتنبأت تقارير صادرة عن الحكومة الإسرائيلية ومؤسسة «راند» الأمريكية، بأن حركة المقاطعة ستكلف الاقتصاد الإسرائيلي مليارات الدولارات خلال الأعوام المقبلة.

وقال تقرير لوزارة المالية الإسرائيلية في عام 2015 (نشره موقع «جيروزاليم تايم» الإسرائيلي)، إن المقاطعات الطوعية من قبل الدول الأوروبية، التي تطال سلسلة متاجر أو بعض السلع المنتجة في مستوطنات الضفة الغربية، أدت إلى أضرار تعادل نحو 147 مليون دولار سنوياً، وحوالي 430 شخصا يمكن أن يفقدوا وظائفهم في وقت لاحق. أما مقاطعة جميع دول الاتحاد الأوروبي للمنتجات في المستوطنات فيمكن أن ترفع الخسائر إلى 571 مليون دولار، مع خسارة 1800 وظيفة. أما إذا قاطع الاتحاد الأوروبي جميع المنتجات الإسرائيلية ووقف الاستثمارات الأجنبية، سيكون 36500 شخص عاطلين من العمل، وسوف يفقد الاحتلال 11.4 مليار دولار من الإيرادات سنويا. ويشرح تقرير نشرته «سي أن بي سي» الأمريكية في يوليو/ تموز الماضي، أن الأثر التراكمي بين عامي 2016 و2024، في سيناريو المقاومة عبر المقاطعة سيكلف الاقتصاد الإسرائيلي حوالي 80 مليار دولار، منها نحو 44 مليار دولار تعود إلى خدمات تنمية الأعمال التجارية، كل هذا، إضافة إلى انسحابات للشركات من إسرائيل بالجملة، وخسارة عقود واستثمارات، ومقاطعة رجال علم، وفنانين ورياضيين وغيرهم.

النظام العربي الرسمي في تطبيعه مع إسرائيل، يسحب الأساس المادي والأخلاقي من مبدأ المقاطعة، فلسان حال المقاطعين يقول: لن نكون ملكيين أكثر من الملك ولن نكون عربا أكثر من العرب.

على صعيد آخر، شكلت «الهجرة المعاكسة» من إسرائيل أزمة وجودية طالما شغلت وتشغل الأوساط الحكومية والأمنية الإسرائيلية، باعتبار إسرائيل «دولة كل اليهود في العالم» وبالتالي فإن استمرار تدفق العنصر البشري إليها ضرورة وجودية، وفيما تواصل إسرائيل سياساتها العدوانية، وطالما حكمت العلاقات مع الفلسطينيين والدول العربية، أجواء الحروب العدوانية التي تشنها إسرائيل على الطرفين بين الفينة والأخرى، وطالما عاشت إسرائيل ظروف افتقاد الأمن والأمان، فإن نسبة غير قليلة من الشبان اليهود سيستمرون في الشعور بفقدان الأمن، كما الشعور بانتمائهم الى «وطنهم»، ما يدفعهم الى توجيه الدفة نحو دول أخرى. وفي الذكرى السبعين للنكبة، كشفت تقارير رسمية أصدرتها «الدائرة المركزية الإسرائيلية للإحصاء» بشأن العام الماضي 2017 أن «عدد الإسرائيليين الذين غادروا يزيد عن عدد الذين عادوا إليها بـ6300 شخص، وأن المهاجرين الجدد يميلون إلى مغادرتها بنسب أعلى من القدامى»، وأن «متوسط عمر الذين غادروا كان 28 عاما، يشكل الذكور 53 % منهم». كما كشف التقرير أن»عدد الإسرائيليين الماكثين خارج البلاد في نهاية عام 2016 يقدر بنحو 560 – 596 ألفا لا يشمل الأطفال الذين ولدوا في الخارج». كذلك، بينت الدائرة أنه «للمرة الأولى منذ عام 2009 تم تسجيل ما يطلق عليه» ميزان هجرة سلبي»حيث أن عدد الذين تركوا البلاد كان أكثر من الذين هاجروا إليها. إن النظام الرسمي العربي بعلاقاته الإسرائيلية يعطي الضمانات لدولة الكيان الصهيوني بالاستقرار والأمن، باعتبار إسرائيل الدولة الأهم في المنطقة! بالتالي فمن المتوقع زيادة الهجرة إلى إسرائيل وانخفاض معدلات الهجرة منها.

غني عن القول، إن إسرائيل بسنّها «قانون القومية» العنصري الفاشي واستكماله بقوانين مثل: قانون «الولاء في الثقافة» وقانون «تخفيف محكوميات السجناء اليهود» دون الفلسطينيين العرب، أسس قانونيا لاحتلال كل أراضي فلسطين التاريخية! وأن النظام الرسمي العربي بعلاقته المتطورة مع إسرائيل، فإنما يعطي شرعية لهذا الاحتلال، وشيكا على بياض لما ستقترفه دولة الكيان الصهيوني، إن من حرب إبادة جماعية تقترفها ضد الفلسطينيين، أو إجراء أي ترانسفير بحقهم، أو حتى احتلال أراضٍ عربية جديدة، وتسويغ قرار ضم القدس وهضبة الجولان العربية السورية إلى إسرائيل، واستمرار احتلال مزارع شبعا اللبنانية، وتثبيت مبدأ «القوة، والقوة فقط» في التعامل الإسرائيلي مع العالم والبلدان العربية، هذا المبدأ الذي أقرّه كل زعماء الحركة الصهيونية، قدماءهم وحديثيهم، باعتبار «العرب لا ينصاعون إلا للغة العصا»! للأسف، لم يقرأ النظام الرسمي العربي، ولا يقرأ! كما أن قرارات حكامه، في حقيقتها انصياع لأوامر التبعية، التي تنقل بالحرف كل المخططات الصهيونية إلى المتلقين العرب، الذين لا يعتبرون ولا يناقشون شيئاً. الحصيلة أن الولايات المتحدة والرئيس ترامب شخصيا والإدارة الصهيونية المتصهينة بدأوا فعليا في تطبيق «صفقة القرن» التصفوية للقضية الفلسطينية، من خلال الباب الواسع العربي في القيادة الرسمية العربية.

في تاريخ إضاعة فلسطين في ثلاثينيات وأربعينيات القرن الماضي، كان للحكومات العربية، الدور الأكبر في المساعدة على إنشاء إسرائيل وإقامة دولتها! بفعل الاستجابة لمتطلبات التبعية لبريطانيا. ولا يتسع المجال هنا في تفصيل ذلك، فالقضية بحاجة إلى مقالة طويلة أو بحث، والأحداث في غالبيتها معروفة وموثقة في كتب صدرت قديما وحديثا! هذا لا يعني على الإطلاق، الجنود العرب البسطاء، الذين خاضوا المعارك في فلسطين من أجل مجابهة المخططات البريطانية الاستعمارية الصهيونية، ومن أجل الشرف والكرامة العربية، ومن أجل فلسطين حرّة عربية، ولا المتطوعين من مختلف أقطار الوطن العربي، والعالم الإسلامي، الذين قاتلوا ومنهم استشهدوا من أجل فلسطين. نقول للقائمين على النظام الرسمي العربي: «أكلتم يوم أكل الثور الأبيض».

التعليقات