هيكل وعبد المنعم رياض ويوم الشهيد

عبد الله السناوي

(عبد الله السناوي)

  • 1 مقال

عبد الله السناوي

نصف قرن كامل يمر على حدث استثنائي بآلامه وإلهامه. في 9 مارس 1969 استشهد الفريق عبد المنعم رياض، رئيس أركان القوات المسلحة المصرية على جبهة القتال الأمامية.

في توقيت وظروف استشهاده، و مصر تُلملم جراحها بعد هزيمة عسكرية فادحة في 5 يونيو 1967، دوّت الأحزان في جنباتها على خسارة جنرالها الذهبي عند ذروة حرب الاستنزاف، غير أن الحدث المفجع أفضى بمعانيه الكبرى إلى إلهام طاقة المقاومة في بلد يتطلع لبذل أقصى ما يستطيع لتحرير أراضيه المحتلة بقوة السلاح.

بالكاد كانت مئات الألوف التي خرجت في جنازته بميدان التحرير، تعرف اسمه وصورته، دون أن تُدرك حجم دوره ومساحة الرهان عليه في وضع خطة تحرير سيناء المحتلة، لكنها أدركت رسالة استشهاده، ورددت هتافاً واحداً لخص الموقف كله: «رياض مامتش والحرب لسه مانتهتش».

«رياض ضابط مدفعية ينظر إلى بعيد ويقصف ما لا يرى، وذلك يستدعي أن تكون حساباته للمسافات صحيحة، ومعرفته بالمواقع مؤكدة (..) المساحات المتسعة داخلة في الكون، والسماء تنطبق على الأرض، والمدافع التي تقصف ما تستطيع أن تصل إليه، والصواريخ التي تجتاز حدوداً وبلداناً حتى تصل إلى مواقعها، دعته إلى إدراك أكبر للجغرافيا وخرائطها». 

و«بحكم ثقافته واطلاعه، وهو قارئ تاريخ مهتم ومدقق، فإن الصلة بين التاريخ والجغرافيا كانت حاضرة في حواراتنا».

هكذا لخص الأستاذ محمد حسنين هيكل، طبيعة الحوارات المطولة التي جمعته بالفريق رياض. لم يكن عصياً أن تلمح بين حروف كلماته شيئاً من شجن الذكرى الذي صاحبه حتى النهاية، حيث جمعت بينهما صداقة حوار تجاوزت ما هو فكري إلى ما هو إنساني.

«عرفت عبد المنعم رياض لأول مرة عن طريق خاله حسن صبري الخولي، الممثل الشخصي لجمال عبد الناصر، وكان إعجابه بزعيم يوليو ظاهراً في كلماته وإيماءاته؛ يؤيد تجربته ومقتنع بها، ويشاركه الأفكار ذاتها، وإن أردت أن تستخدم المصطلحات السياسية الحالية فإنه ناصري».
«ثم رأيته مرة أخرى في سكرتارية مؤتمر القمة الأول في يناير ١٩٦٤، ولمحته مرات في مكتب عبد الحكيم عامر، قبل أن أعرفه عن قرب وأحاوره طويلاً في الاستراتيجية والأمن القومي، ومستقبل الصراع العربي «الإسرائيلي»، وتصوراته عما بعد حرب الاستنزاف، وإعداد القوات المسلحة لخوض حرب تحرير أراضيها المحتلة في سيناء».

«كان رياض هو الرجل الذي توصل إلى أنه إنْ لم يكن بوسع قواتنا مجاراة «إسرائيل» في قدرة سلاحها الجوي، فإن بمقدورها إلغاء أثره وفارق تفوقه اعتماداً على الدفاع الجوي وشبكة صواريخ متقدمة، وهو الرجل الذي وضع الخطوط الرئيسية لخطة عبور قناة السويس، وتحرير سيناء التي طورها الفريق سعد الدين الشاذلي في حرب أكتوبر».

«في أعقاب عودة جمال عبد الناصر من زيارة الاتحاد السوفييتي في يوليو ١٩٦٨، بدأت شحنات الأسلحة تنتظم (..) وقد كتب الرئيس خطوط توجيه استراتيجي لمعركة تقتضي عبور قناة السويس بالقوة والتمسك برؤوس كباري في الشرق، وتؤدي إلى إلحاق خسائر بشرية كبيرة بالقوات «الإسرائيلية»، لأن نزيف الدم هو وحده الذي يزعج «إسرائيل»، معركة تطول أسابيع ولا تنتهي في مجرد أيام لأن «إسرائيل» لا تحتمل بقاء حالة التعبئة العامة طويلًا.. معركة تُعطي بطول مدتها فرصة لتعبئة الرأي العام العربي ولفت انتباه الرأي العام العالمي».

«هذا التوجيه محفوظ في ملفات رئاسة الجمهورية وتوجد نسخة واحدة منه في وزارة الدفاع، وقد نشرته في كتاب حرب أكتوبر». 

«كانت أمام جمال عبد الناصر منذ نهاية ١٩٦٨، بداية خطوط لعمل واسع على الجبهة وضعها الفريق رياض، وشاركه في وضعها الجنرال السوفييتي لاشنكو، الذي كان كبيراً للخبراء السوفييت الملحقين بالقوات المسلحة المصرية، وكانت عملية اختبار تلك الخطوط ومحاولات التدريب عليها قد بدأت فعلاً، عندما تحوّلت معارك المدافع التي لم تتوقف على جبهة القتال، إلى عمليات عبور محدودة إلى الضفة الأخرى من القناة.

في أغسطس ١٩٦٧ كتب هيكل مقالًا أشار فيه إلى «الحرب المحدودة». استوقفت الإشارة الفريق رياض الذي سأل الرئيس عبد الناصر عما إذا كان قد أخبره بفكرة الخطة، التي لم تكن قد وضعت بعد.

من الإنصاف أن يقال إن هذه الخطط وبالذات جرانيت ١ و٢ لحقت بهما زيادات وتعديلات في السنوات ما بين ١٩٧٠ ١٩٧٣، وأن هذه الزيادات والتعديلات رفعت مستواها ودعمتها بخبرات مستجدة وقفزات كبيرة في تكنولوجيا السلاح، خصوصاً في استخدامات الصواريخ، والفضل عائد إلى الرجال الذين تولوا وزارة الدفاع في تلك السنوات، ورؤساء أركان الحرب وقادة الأسلحة والتشكيلات، مما أضاف إلى فكرة الخطة وتفاصيلها، وغيّر أحياناً أسماءها وجعلها علامة بارزة في التاريخ العسكري. 

بقوة الوقائع ٥ يونيو هزيمة عسكرية فادحة. وبقوة الإرادة أثبتت تضحيات الرجال أنها نكسة يمكن تجاوزها. 

من أبلغ المواقف التي تلخص إرادة القتال ما طلبه الفريق عبد المنعم رياض، من الرئيس عبد الناصر، عندما كلفه برئاسة أركان حرب القوات المسلحة المصرية في أعقاب الهزيمة العسكرية ألا يقبل «الصلح»، أو استعادة سيناء من دون قتال، حتى لو عادت كاملة دون شروط: «أرجو يا سيادة الرئيس ألا تقبل لأنه إذا عادت سيناء بدون قتال، فإن البلد كله سينهار أخلاقياً وتسقط القيم فيه».

كان رد عبد الناصر: «لا تقلق فلن يعيدوا سيناء أبداً دون قتال، أو دون شروط».

وبعد نصف قرن على استشهاد رياض في 9 مارس 1969، الذي اتخذ يوماً للشهيد، فإن أقل ما يتوجب فعله، إحياء المعاني الكبرى التي قاتل واستُشهد من أجلها. 

التعليقات