أصل الفساد وتوابعه

يبدو أن الفساد، في عرف من يحاولون تشخيصه ومحاربته، ممن يدركون أن الشفافية ـ في الزمن الذي تنتعش فيه

يبدو أن الفساد، في عرف من يحاولون تشخيصه ومحاربته، ممن يدركون أن الشفافية ـ في الزمن الذي تنتعش فيه

يبدو أن الفساد، في عرف من يحاولون تشخيصه ومحاربته، ممن يدركون أن الشفافية ـ في الزمن الذي تنتعش فيه ـ هي التي تصنع الدول الحقيقية، يتقلّص عند حدود الفساد المالي، الذي يستلزم كشف ذمة ماليّة من قبل المسؤولين، قبل أن تمنح لهم مناصبهم ـ أو بعدها بزمن، حين يفطن مجتمع ما إلى ضرورة محاربة الفساد، الذي لا تسقط قضاياه بالتقادم ـ وهذا كلّه حسن، إذا حسنت فيه النية، وكانت جادة، لا تنتقي ولا تستثني، ولا تقبل حماية أحد، ولا تعفو عما سلف، أو تقصّر في المطاردة. ومع أن السعي إلى كسب ماليّ غير مشروع قد يكون أكبر مصدر للفساد، ولكثير من الشرور التي تحدّ من قدرة أيّ مجتمع على النمو، إلا أن الفساد أوسع من مثل هذا التعريف، وهو ـ حتى حين يبدأ منه ـ يشمل كثيرا من المقدّمات أو التوابع التي يكون لها فعله ذاته، أو أشدّ قسوة، إلى الحدّ الذي يصبح فيه الفساد سمة ثقافية، حين لا تسير الأمور إلا بالواسطة والرشوة والخوّة والتسلّط ووضع اليد، وباختصار شديد، بالتقرّب من السلطان، كما لوحظ في بعض المجتمعات العربية التي لم تستطع الصبر فثارت. وإذا كان أيّ مجتمع يختلف عن غيره في الأصول التي يستند إليها الفساد، إلا أن جميع المجتمعات، التي تعتمد الفساد طريق حياة، تشترك في أصل واحد، هو ملء الأمكنة المناسبة بما لا يناسبها من البشر، كفاءة وإخلاصاً، حتى لا يتردّد من يحظى بالرضا الذي لا يستحقه، في تسهيل كلّ الأمور غير المشروعة، دون أن يبدي إلا مزيدا من الخضوع. وقد يتمّ اختيار الضعف أو عدم الكفاءة لفلسفة شخصية تخصّ من يختار، وقد عرفت بعض المجتمعات زعماء ـ قد لا يكونون فاسدين ـ لا تقبل سماتهم الشخصية إلا من لا يقولون لهم لا في أيّ موقف. وحتى لا يصطدموا بمثل هذا الرفض، فهم منذ البداية يختارون من لا يوجد لهم أي تطلع في أن يكون مجرّد التفكير فيه موقفا لهم. وبسبب وجود الضعفاء من الفاسدين والساكتين على الفساد في مواقعهم، فإن سياسة البحث عمن هم أضعف، أو أقلّ كفاءة، في كللّ تدرّج وظيفي، تتحوّل إلى سياسة عامة، تسير بالمجتمع إلى الخلف، يوما بعد يوم، حتى يصبح الفساد جزءاً ـ قد يكون غير ظاهر ـ من تعامله اليوميّ، ويشكّل منظومة كبيرة في كلّ التفاصيل، تتوزّع فروعا كثيرة، بعضها ماليّ، وبعضها الآخر إداريّ، أو من أيّ لون آخر. إن المواقف التي تتعارض مع التيّار الوطنيّ الواضح، فساد مطلق، قد تنتمي جذوره إلى إغراء ماليّ أو سلطويّ في البداية، ولكنها تصبح جزءا من سلوك (تطبيعيّ) بالتدريج. وفي مثل هذا المقام يمكن أن يشار إلى فساد حقيقيّ في وجود أولئك الذين يحتلّون المواقع الأولى الكثيرة، حتى وإن لم يكونوا مؤهلين لواحد منها، وأولئك الذين يبقون في مواقعهم المهمّة التي لا يستحقّونها من الأساس، أزمنة غير محدودة، وأولئك الذين يتخلّون عن الصالح العام، من أجل مصالح ضيقة، وهناك ما هو أوسع من ذلك أيضا. وحين نرتدّ إلى بلادنا التي تناضل من أجل أن تصبح دولة، فسوف نكتشف أن سياسة الولاء، التي غلبت على كل سياسة منذ البداية، وضعت كثيرين من غير الأكفاء أو غير المخلصين أو أصحاب الأجندات المختلفة في مواقع تمسكوا بها. إن هيكلية أيّ مجتمع، حين تقوم على أصل غير صحيح، مهما كانت مبرّراته، تصبح بمجموعها أقرب إلى الفساد، وتصبح أية محاولة للتصحيح غير قادرة على أن تتجاوز الاستبدال، بوضع خلل مكان خلل، دون قدرة على التعامل الجذريّ مع الهيكلية ذاتها، لأنها باتت قوة يحسب لها حساب، حتى لدى النوايا الطيبة، فكيف يكون الآمر إذا بيّتت شكوك من أيّ نوع، حول النوايا ذاتها. إن الذين يعلنون الحرب على الفساد، هذه الأيام، يستحقون التأييد، مع هذا الإصرار الذي يصدر عنهم، ولكن عليهم أن يعرفوا أن الفساد لا يمكن أن يعالج بدهان موضعي، وأنه يحتاج إلى عملية استئصال جريئة، يفترض أن يبدأ العمل من خلالها، لأن الوعي الذي ينمو قد لا يقبل بجزئيات صغيرة مقتطعة، هو لا يرى إلا ما هو كلّي، ولا يقنع إلا به. لا يكون الفساد في الذمة المالية فقط ـ على أهمية ذلك ـ لكنه قد يكون في الذمّة الوطنية، والذمّة المعرفية، وفي كثير من الذمم التي لا تعمل لصالح الناس جميعا، وهو ما يجب أن يحارب بشكل لا تهاون فيه.