"الوطنية" والتدخل الأجنبي

حجم الخط
بقدرِ ما أن ممارسة السياسة تُنتِجُ نظريتها وتُطوِّرُها، وأن نظريتها تهدي ممارستها وتوجِّهُها، فإن أي تشوُّشٍ أو خلطٍ أو التباسٍ يصيب مفاهيمها، (عن قصدٍ مصلحي واعٍ أو عن جهالة)، يفضي بالنتيجة، بمعزل عن النوايا، إلى التجريبية والارتجال والعفوية والتخبط، ذلك على الأقل منذ صار الحقل السياسي، كبقية الحقول المجتمعية، علماً، لا يغفل، كأي علم آخر، القواعد العامة، (القوانين)، التي تحكم علاقة النظرية بالممارسة. وفي السياسية العربية، ولأسباب اجتماعية وثقافية تاريخية، داخلية وخارجية، تداخلت على نحوٍ معقَّد، كان ثمة، ولا يزال، عدة مفاهيم سياسية أصابها كثير من أوجه التشوش والالتباس والخلط، وكان إنجازاً غير مرئي للانتفاضات الشعبية العربية، أن كشفت طابقها، لا لدى أنظمة الاستبداد الحاكمة فقط، بل، والأهم، لدى بعض "المعارضات" العربية أيضاً، بعد أن تمكنت هذه الانتفاضات من تحرير الحقل السياسي العربي من المصادرة والاحتكار لعقود على يدِ حكامٍ مستبدين، ارتكزوا، ولا يزالون، إلى نخبٍ سياسيةٍ وقواعد اجتماعية ضيقة تابعة منتفعة وفاسدة، وأعادت له الاعتبار، سواء لجهة أنه مجال للتنافس بين برامج قوى سياسية وفكرية واجتماعية متنوعة، أو لجهة أن الدور الأساسي والحاسم فيه يبقى للشعوب، باعتبارها السيِّد، الذي يجب أن يكفل له تعاقد قانوني ودستوري راسخ، (متوافق ومستفتى عليه)، أن يختار، (ينتخب)، بإرادته الحرة، "خادمه"، (حكامه)، ويعزله أو يجدد له، دورياً، وفقاً لانجازاته أو إخفاقاته، ذلك منذ دخل المجتمع البشري عصر الثورة الصناعية، بأطوارها المتصاعدة، مع كل ما نجم عنها، ورافقها، من ثورات سياسية شعبية، أخرجت حُكْمَ أغلب المجتمعات البشرية من معادلة "السلطان" و"الرعية"، وفتحت الطريق والأفق، تقدم الأمر أم تأخر، إلى إخراج بقية هذه المجتمعات من ويلات هذه المعادلة الاستبدادية "القرووسطية"، التي ما زالت تعانيها، (وتنتفض عليها بتواصل منذ عام)، الشعوب العربية، بما يبرهن على بطلان و"استشراقية" و"عنصرية" و"لا تاريخية" الاعتقاد أن "تأخرها" في استعادة سيادتها، كان بسبب كونها "حالة خارج التاريخ"، وليس بسبب ما تعرضت له في تاريخها الواقعي، (رغم ثوراتها السابقة)، من استبداد استثنائي، تحالف فيه الطغاة والغزاة، وأفضى فيما أفضى، إلى ما في أحشاء السلطات الاستبدادية الحاكمة وبعض "المعارضات" العربية، من تشوشٍ وخلطٍ والتباسٍ، (وبالنتيجة إلى اختزالٍ استعمالي)، للمفاهيم السياسية الحديثة. ولا عجب في أن يكون مفهوم "الوطنية" من بين أكثر هذه المفاهيم تعرضاً للتشوش والخلط والالتباس، فقد شكَّل احتلال فلسطين، عدا الاستعمار الغربي المباشر وغير المباشر، (التبعية)، لبقية أقطار الوطن العربي، فرصة لأنظمة الاستبداد العربية، استغلتها لاختزال مفهوم "الوطنية" في معناه الطارئ، أي مواجهة الغزاة وحماية الوطن، الذي لم يُحْمَ في التحليل الأخير، بل، واستعملته شعاراً للتغطية على تغييب الديمقراطية السياسية الداخلية، التي يقتضيها المعنى الأصيل "للوطنية"، بحسبان أنها، وإن كانت تعني شعور جمعي لأفراد شعب ما، يرتبطون ببعضهم، بفعل ما يجمعهم، ويميزهم عن غيرهم، من سمات روحية وفكرية وطرائق حياة وإنتاج اقتصادي وثقافي، إلا أنها لا تعني عدم حماية هذا الشعور بالترابط، ناهيك عن تعزيزه في مواجهة التهديدات الخارجية، بتوافر شرط اعتبارهم مواطنين متساوين، بمعزل عن دينهم وطائفتهم ومذهبهم وجنسهم وحزبهم، و.....الخ ما يعني أن "الوطنية" الحقة هي وحدة من التطابق والاختلاف، أي تستدعي شرطاً ديمقراطياً، يضمن ممارسةً مجتمعيةً، سياسيةً ومدنيةً، ويكفل حرية للتطور والازدهار يخنقها الطغاة والغزاة، فما بالك إن تحالفوا، بهذا الشكل أو ذاك، كما في الحالة العربية. في مواجهة اختزال أنظمة الاستبداد لمفهوم "الوطنية"، عبر تجريده من معناه الديمقراطي الداخلي، واقتصاره على مقاومةٍ، (فشلت بفعل طابعها الاستعمالي)، "للأجنبي"، تأتي بعض "المعارضات"، لتكرر، وإن بالمقلوب، وباسم الثورة والتغيير، ذات الاختزال والاستعمال، عبر المناداة بالتدخل الأجنبي، (الاستعماري إياه)، الناسف منذ البداية، ليس فقط للمعنى الديمقراطي للوطنية، الذي تطالب بتحقيقه، بل، ولمعناها في حماية الوطن، الذي تتهم الأنظمة بالتقصير فيه، أيضاً، ذلك أن "الوطنية"، وإن كانت ترتبط، (غالباً)، بمستوى وعي أفراد شعب ما، بما لهم من ذات وخصوصية وطنية، إلا أنها ترتبط أيضاً، (أحياناً)، (كما في الحالة العربية)، بوجود آخر نقيض، يهدد هذه الذات وهذه الخصوصية وهويتها الوطنية، التي لا تستوي مع، وأوسع من، أية انتماءات قبْلِيَّة ضيقة، كونها تفوق بمضمونها الديمقراطي المشار إليه أعلاه، وتعلو على، وتنظِّم، وتصهر، الخلافات والاختلافات الدينية والطائفية والمذهبية والإثنية والجنسية والسياسية، وكونها ليست معطىً منجزاً ونهائياً ومنغلقاً على ذاته، وإنما هي قابلة، تبعاً لتطور التاريخ والحضارة، للتفاعل والتطوير والتحوير والتحول، ما يجعلها تمرُّ بحالة من النمو والازدهار أحياناً، أو تعيش حالة من الركود والخمول والانكماش، أحياناً أخرى. إن ممارسة بعض "المعارضات" العربية لذات الاختزال الاستعمالي للوطنية ومفهومها، الذي مارسته الأنظمة الاستبدادية الآيلة للسقوط، لن تقود إلا إلى إعادة إنتاج ذات الحالة العربية التي استدعت انفجار الانتفاضات الشعبية العربية، ذلك أن الشعوب التي وعت وتحسست النتائج الكارثية لتجريد أنظمة الاستبداد لمفهوم الوطنية من معناه الديمقراطي، ستعي وتتحسس النتائج الأسوأ، والأكثر كارثية، التي سيفضي إليها طلب التدخل الأجنبي، الذي لا يجرد مفهوم "الوطنية" من معنى صدِّ الغزاة وحماية الوطن وحسب، بل، وينسف معناه الديمقراطي، أيضاً، خاصة وأن عواقب طلب هذا التدخل الأجنبي، تحت يافطات تحقيق الديمقراطية وحماية حقوق الإنسان والأقليات، ما زالت حية ماثلة في الذهن، ويشهد عليها ما تعرض له العراق الدولة والوطن والدور، ثم ليبيا، من تدمير ونهب، ناهيك عن ما تعرض له السودان من تقسيم، وعن ما يُخطَّط ويُحاك، لغيره من الأقطار العربية، من تفتيت وتجزئة وفتن دينية طائفية ومذهبيه وإثنية وجهوية وسياسية، صار حتى المواطن العربي العادي يتحسسها، وعلى وعيٍ بها، إن كان في لبنان أو مصر أو فلسطين، دون نسيان ما يدور في الصومال من اقتتال وتذبيح. إزاء تكرار بعض المعارضات العربية لتجربة الأنظمة العربية الاستبدادية في الاختزال الاستعمالي للوطنية ومفهومها، مع كلِّ ما حصده هذا الاختزال من نتائج كارثية، أفضت، بعد اعتمال وتراكم، إلى انفجار بركان الشعوب العربية في انتفاضات، فاجأت الجميع، بمن فيهم أنظمة الاستبداد، التي ظنت أن امتلاك أسلحة المال والسلاح والإذعان للأجنبي، قادر على احتجاز الفهم والسياسة، واحتكارهما، إلى ما لا نهاية، يجدر تذكير تلك "المعارضات" المطالبة بالتدخل الأجنبي، الناسف لديمقراطية الوطن وحمايته في آن، بحكمة شعبية تقول: "اللبيب هو من يتعظ بما وقع لغيره، فيما الأحمق هو من لا يتعظ إلا بما وقع له".