لم يتوانَ "موشيه ديّان" وزير ما يسمى "جيش الدفاع الإسرائيلي" أن يقف لجثمان جيفارا بعد اغتياله، ضارباً له "سلامَ تعظيمٍ" وأن ينثر "قطع الشوكولاتة" في كل مكان.
غيفارا غزة والواقع الأسود
في التاسع من شهر الأرض والثورة يوافق يوم الشهيد "الذكرى السنوية لاستشهاد قائد الجبهة الشعبية في قطاع غزة، وعضو مكتبها السياسي محمد محمود الأسود"، جيفارا غزة الذي قال عنه حكيم الثورة لا يمكن أن نتحدث عن النضال المسلح داخل غزة دون ذكر الشخص الذي كان البطل الحقيقي لهذا النضال. إنه المناضل الأسطوري، الرفيق محمد الأسود المعروف باسمه الحركي (غيفارا غزة)، وكان من نازحي العام 1948 جاء من حيفا، المدينة التي تختزل رمزية العودة، وترعرع في مخيمات الأونروا في غزة، قبل أن يلتحق بصفوف حركة القوميين العرب في العام 1963.
يقول الحكيم إنّ غيفارا غزة كان يتمتع بإرادة حديدية، فقد أصبح عام 1967 واحداً من المقاتلين الأشداء في غزة، حيث اعتقل عام 1968، وأمضى ثلاثين شهرًا في السجن، خرج من بعدها ليتولى قيادة الجبهة الشعبية في غزة. ويتابع الحكيم قائلاً في حواره، الثوريون لا يموتون أبداً، وكان غيفارا، العدو المخيف للجنود الصهاينة، فقد نجح في توجيه ضربات قاسية لهم على مدى ثلاث سنوات، وكان الإسرائيليون يبحثون عنه ليل نهار، لكن دون جدوى، ولم يتمكنوا مطلقاً من الاهتداء إلى مخبئه، إذ كان عبقرياً في طرق الاختفاء، وكان يعرف كيفية التخطيط لعمليات عسكرية على مستوى رفيع، حتى أنّ الإسرائيليين كانوا يضربون الحصار على الأراضي المحتلة كلها على أمل العثور عليه.
ويضيف الحكيم سرده الثوري عن دواس البحر وحاكم غزة ليلاً، أنه لم يكن فقط قائداً عسكرياً بل سياسياً لامعاً، تمكن من توسيع قاعدة الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين في قطاع غزة في ذلك الوقت، وانتهى بأن ارتقى شهيدًا في معركة مفتوحة مع العدو الصهيوني في آذار عام 1973، واستشهد معه في ذلك اليوم رفيقان آخران هما كامل العمصي وعبد الهادي الحايك، ونحن إذ نتعايش مع ضيق المرحلة التي يمر بها الواقع الفلسطيني حد الاختناق بسبب نهج التفريط والتنازلات التي لا تتوقف، والمناورات الخادعة التي لا تهدأ، فمن الضرورة بمكان أخذ جوانب هامة تتعلق أولًا بمغزى سرد سيرة (غيفارا غزة) الثائر الحقيقي، الشاب الذي حدد أهمية هذا البعد بمقولته الثورية، الدرس النضالي الأزلي عندما كان يخاطب رفاقه المقاتلين حول الانضباطية اللازمة لكل ثائر، "تعلموا من تجارب رفاقنا الذين سبقونا فى النضال، وهنا يكمن كل جوهر سرد ملاحم بطولة أحرار الوطن، وهم سجل ووثيقة لا تفنى لأجيال الغد المعدة للنصر".
فغيفارا الذي استحق إسم الثائر الأممي، الذي وضع أسس الثورة الحقيقية قولاً وتجسيداً، يستحق من أحزابنا المأمول منها الفعل الحقيقي، إنصاف هذا التاريخ النضالي الإنساني، ليس عبر الإتكاء على النص السردي وحلم التغني بأمجاد الأمس، بل انطلاقاً من الإلتزام ومحاسبة الذات على كل إنحراف، ينأى عن البوصلة التي إنطلق منها الحزب الثوري، وإلا سقطت عنه كل صفاته كما تجربته التاريخية الثرية بأسماء لا تنفصل عن صفة الوطن المعمّد بدماء الشهداء باختلاف انتماءاتهم السياسية. فكما كان البطل الأسطوري حريصًا على معاقبة الخونة والعملاء للعدو ومحاكمتهم محاكمة ثورية تضع حدًا للتمادي في الخيانة، إنطلاقاً من شعار محكمة الثورة الذي أسس له، وهو "إنّ الثورة لا تظلم… لكنها لا ترحم". يجب أن يكون من هنا كل المأمول للمستقبل من قيادات تملك تاريخها، لكنها للأسف غرقت في منطقة المراوحة التي لو عايشها غيفارا ورفاقه الذين دفعوا دمهم وعمرهم دفاعًا عن الفكرة، وانطلاقًا من مبدأهم بأن لا عذر لمن أدرك الفكرة وتخلى عنها، خاصة أننا نعيش المرحلة التي طالما تحدث عنها الشهيد الرفيق غسان كنفاني واختصرها بعبارة ندية لا حيرة فيها، تجاه من يسرقون رغيف الشعب ثم باتوا يساومونه على الكسرة ولا يعطونه إياها، ثم يأمرونه أن يشكرهم على كرمهم..
في وقاحة ممجوجة، بلغ معها الواقع الفلسطيني المأزوم حد الاختناق، وبات العدو يتلاعب بالقضية والوطن بكل استخفاف في ظل قناعته بأنه يعمل مع دمى، يملك سطوة تحريك خيوطها كما يشاء، في ظل مهانة ما بعدها مهانة وتنسيق مدنس علني مع العدو الصهيوني وحملات إعتقالات يومية لشباب الوطن ومداهمات مستمرة، عدا عن سياسة خيانة السكوت عن قضم الوطن بالمستوطنات كل يوم على مرأى الجميع، دون أن تحرك أي من القيادات بإختلاف أطيافها ساكناً، بل إنها تشارك بالتوقيع والبصم العلني، أو المراوحة في منطقة الشجب ثم التنفيذ دون مناقشة كما قال الشهيد ناجي العلي يومًا (نفذ ثم لا تناقش)، لا نقاش حيث يشهد الوقت إلحاحًا، بتغيير كل عبارات الثوريين الأحرار، على ضوء كم التنازلات منذ عشرين عامًا وأكثر على توقيع إتفاق النكبة، "أوسلو"، ونهج المساومة الذي تم رسمه في المطبخ الأمريكي وشطب كل الحقوق والثوابت، بخصوص تحرير كامل الوطن الفلسطيني وقضية القدس وإخلاء المستوطنات وعودة النازحين. وأصبح فتات الفتات سيد المطالب المطروحة على طاولة المفاوضات التي نخر فيها السوس بفعل الخيانات المكشوفة، وهم مستمرون في الحديث الإعلاني التجاري بعد كل إجتماع عن الأهمية التاريخية للبنود التي حققوها، أو اللجوء للاستمرار في الكذب على شعبهم، والظهور بمظهر الثوريين الذين يهددون ويتوعدون العدو، وهم في الباطن وبعد يوم واحد من كل هذه الجعجعة يمارسون كل أشكال البيع والسمسرة على دماء الشهداء وقهر الأسرى.
هذا الواقع ومقابله الحديث عن الذاكرة النابضة بالحرية والكرامة لأسطورة الثورة غيفارا وكل الجيل الذي جاء بعده، وكان محدد الوجهة في خيار المقاومة الذي لا بديل عنه، يفرض أهمية التمعن عميقًا في صرخة غيفارا غزة حين صدح بوصيته عاليًا لا تنسوا رفاقكم الشهداء، لا تنسوا رفاقكم المعتقلين، لا تنسوا أنّ علينا واجب توفير كل قرش لإعانة أسر رفاقنا، ان صراخ اليتامي والارامل فى وجهي، ان الصور كلها تمر أمامى، الوجوه تصرخ بكل ما يرتسم عليها من آلام، لا تنسوا شعبنا الذى يقاسى آلام التشرد والضياع، شعبنا الذى يضع في ثورته كل الآمال. فهل نتأمل؟؟
