رحيل فاطمة هواري رمز نكبة ترشيحا وفلسطين

حجم الخط
يوم الثلاثاء الموافق 24-1-2012 فقدت فلسطين المحتلة رمز عظيم من رموز نكبتها وعزتها. فقدت الراحلة فاطمة هواري ، التي عاشت 83 عاما من التمسك بأرض بلدتها وبأرض فلسطين رفضا للأمر الواقع ورفضا للاحتلال الصهيوني ولكل المتسامحين والمتعايشين معه. فاطمة هواري رفضت أن تسامح الصهاينة على مذابحهم في بلدتها الجليلية ترشيحا وبحق عائلتها بالذات. وتعود قصتها الى الحرب الصهيونية سنة 1948 لاحتلال فلسطين ، وبالذات الجليل الفلسطيني عبر تنفيذ عملية "حيرام" الإرهابية العسكرية ، التي كانت مليئة بالخطط المعدة لارتكاب المذابح وترويع وقتل وتهجير السكان الأصليين من الفلسطينيين ، وكذلك من أجل تطهير الجليل منهم ومن ثم إحلال اليهود الصهاينة المجلوبين من كل أصقاع الأرض مكانهم. وكانت بلدة ترشيح التي يسميها الصهاينة الآن معالوت من أواخر القرى والبلدات الفلسطينية التي سقطت بأيدي الصهاينة بعدما قصفوها بالطائرات والمدافع من مواقعهم في بلدات الصفصاف وميرون والجش التي كانت سقطت قبل سقوط ترشيحا بساعات، وحدثت في بعضها مجازر وعمليات إعدام جماعي للأسرى وللجرحى وللمعتقلين من أبناء وبنات البلدة ، كما حصلت حالات اغتصاب بعد سقوط البلدة. وفي نفس اليوم الذي سقطت فيه بلدة الصفصاف أي 28-10-1948 تعرضت بلدة ترشيحا لوابل من القصف المدفعي ولقصف جوي صهيوني نفذته ثلاث طائرات صهيونية أصاب منزل عائلة هواري إصابات مباشرة ، مما أسفر عن استشهاد معظم أفراد عائلة فاطمة هواري وهم : زوجة شقيقها وابنها وزوجة عمها، وجدتها، وأولاد عمها الأربعة، وزوجة خالها وابنتها، أما هي فقد تم إنقاذها من تحت الردم، ونقلت إلى لبنان حيث عولجت في مستشفى هناك ، ثم ما لبثت ان عادت واستردت عافيتها لكنها بقيت مشلولة حتى وفاتها. في ذلك الوقت طلبت فاطمة من ابن عمها وخطيبها أن يفسخا خطوبتهما لأنها أصبحت مشلولة ولأنها أيضا تريد العودة من لبنان الى فلسطين حيث مازال والداها في ترشيحا ينتظران عودتها. وكانت فاطمة في ذلك الوقت تبلغ 20 عاما . عاشت فاطمة هواري في ترشيحا بلدتها متمسكة بها وبأرضها ومقابر أجدادها ، رافضة مسامحة القتلة ولم تغفر لهم جريمتهم حتى وافتها المنية عن عمر ناهز ال83 عاما . في نفس يوم رحيل فاطمة هواري كانت وكالات الأنباء والمواقع الإعلامية تنشر خبرا عن رسوم توجد على ملابس خاصة بالجيش الصهيوني،وتعبر الرسوم عن صور لأطفال قتلى، نساء تنتحب على قبور أطفالها، سلاح مصوب نحو طفل فلسطيني، ومساجد مهدمة.. كل هذه رسوم قد تجدها على ملابس خاصة يطلبها جنود صهاينة من مصنع "أديف" للألبسة في تل أبيب. ويصور أحد الرسوم امرأة فلسطينية حامل كهدف في مرمى قناص وعلى القميص عبارة "طلقة واحدة: قتيلان". إذن إنها نفس العقلية الصهيونية ، التي لم تتبدل ولم تتغير إلا نحو الأسوأ منذ النكبة سنة 1948 وحتى يومنا هذا. عقلية إرهابية إجرامية استعلائية استيطانية احلالية تعمل بنفس القناعات القديمة الجديدة، فالهدف كان ومازال ومنذ بدء التخطيط للاستيلاء على ارض فلسطين وتطهيرها عرقيا من العرب الفلسطينيين هو إحلال المهاجرين اليهود من كافة دول العالم مكانهم. فهؤلاء الصهاينة لا يكترثون بالقوانين الدولية التي لهم باع طويلة في كتابتها وسنها و إقرارها ، كي تنفذ على الآخرين وليس على اليهود الصهاينة. تقول فاطمة هواري أنه في يوم من الأيام سمعت طرقا على باب دارها وعندما فتحت الباب كان الطارق داعية السلام الصهيوني أيبي ناتان ، الطيار الحربي السابق في عصابات الاحتلال الصهيوني التي هاجمت بلدات الجليل ومنها ترشيحا . لقد جاء إليها طلبا للصفح والغفران على الجريمة التي حصلت بحقها وبحق عائلتها . قالت له "لو سامحتك أنا، فماذا أقول للموتى والمطرودين من ترشيحا، أسامحك عندما يعودوا". وردا على قوله إنه لا يعرف ماذا يقول. قالت له : "أنا اعرف، لن أسامحك قبل أن يعود الحق لأصحابه". لا بد أن فاطمة هواري التي كانت تجلس على كرسيها المتحرك في بيتها قد تذكرت وهي تنظر في عيني داعية السلام ايبي ناتان صوت أختها وهي تختنق، وامرأة عمها وهي تصرخ: دخليكم النار والعة فيي، وجدتها التي كانت تئن بالقرب منها تحت أنقاض البيت". ولا بد أنها تذكرت أيضا كيف كانت رجليها عالقتين تحت حجر كبير ، وكيف كانت تصرخ ولا تدري هل من أحد يسمع صراخها". ‏ ولا بد أن فاطمة هواري التي كانت تردد في اللقاءات الصحفية : "كلهم ماتوا، امرأة أخي وابنها ماتوا، امرأة عمي ماتت، ستي ماتت، أولاد عمي الأربعة، وامرأة خالي وابنتها، كلهم ماتوا حرقا". لا بد أنها ظلت تتذكر تلك المشاهد الرهيبة، مع مشاهد مذابح دير ياسين وكفر قاسم وقبية وبحر البقر وصبرا وشاتيلا وجنين وغزة حتى آخر يوم من أيام حياتها. ولهذا لم تغفر لهم ولم تسامحهم أبدا. فهل يأخذ الفلسطينيون وبالذات أصحاب الحياة مفاوضات العبرة من هذه المرأة الرمز ، التي جسدت معاناة شعبهم كلهم مع المحتلين الصهاينة الذين استوطنوا الأرض ومازالوا يصادرون ويهودون ويصهينون ما تبقى منها في ظل المفاوضات واتفاقيات السلام مع السلطة وجيرانها العرب. لقد آن الأوان كي يعود الفلسطيني الى شعاراته الحقيقية التي قالت وتقول : لا عودة ولا تحرير بدون كفاح ونضال وتضحيات وصمود وصبر و مقاومة.