لمناسبة "يومهم"، هُم الآن 6500 أسير، من حقهم علينا القول: هُم حراس القيم الوطنية، بينهم 480 أسيراً يقضون أحكاماً بالسجن المؤبد لمرة واحدة أو لمرات. هُم ضمير الشعب الذي لا يصدأ، بينهم 24 أسيرة، و200 طفل، و480 معتقلاً إدارياً، و14 نائباً "برلمانيا". أبطال وطَّنوا النفس على حياة الكفاح ببطولتها ومعاناتها، بينهم 1500 أسير مرضى، 80 منهم في حالة صحية خطيرة. هُم جبال راسخة تخفق فوقها رايات الأحرار، بينهم 30 أسيراً منذ ما قبل "أوسلو"، مضى على 16 منهم أكثر من 25 عاماً، وعلى اثنين منهم، (هما كريم وماهر يونس)، 33 عاماً. مقاومون دخلوا معترك الكفاح غير هيابين، بينهم 85 أسيراً أعيد اعتقالهم بعد تحررهم في إطار صفقة "شاليط".
هُم فرع في سروة باسقة تطاول عنان السماء، ويحملون بتفانٍ وجسارة راية نحو 850 ألف فلسطيني خاضوا تجربة البطولة والمعاناة في السجون منذ 1967 وحتى نيسان 2015، منهم 15 ألف من النساء وعشرات الآلاف من الأطفال. هُم فرسان شقوا غبار المعارك، وما زالت عيونهم المتوقدة ترنو إلى العلى وآفاق انبلاج شقائق النعمان على ضفاف الجداول، يتوزعون على 22 سجناً ومعتقلاً ومركز تحقيق. هم رمز عزيمة الشعب وملح الأرض الذي لا يفسد، علمهم الكفاح فنون القيادة، وبُعد الرؤية، والحرص الوطني. لم يخترهم الاحتلال للاعتقال عينة عشوائية، بل انتقاهم بعناية وهو يعرف سلفا ماذا يمثلون لشعبهم ونضاله ومقاومته وانتفاضاته وهباته، حيث صارت حكايتهم، رجالاً ونساء وأطفالاً، حكاية مناضلين يتقدمون الصفوف، يردون الظلم، ويهزمون زنازينهم.
إزاء بطولات هؤلاء الأسرى، وصمودهم، وثباتهم في مقارعة ما لا يحصى من أشكال المعاناة والتنكيل، ينتفي الظن بأن شعب فلسطين سيهزم أو يسلِّم أو يستسلم. فأغلب هؤلاء الأسرى من جيل جديد يتلقف راية أجيال مضت. جيل يصنع غده بيديه، يهدم قديماً شاخ، ويبني جديداً لمستقبل السياسة والكفاح، فإذا فلسطين تزهو في الحناجر، ويصبح للهتاف طعم الامل. جيل تربى في حقل تربتُه من خصب سهول فلسطين، حيث شقت معاول أهله تربةً تفوح بكلِّ الخير القادم. جيل يختزن بطولات ثورة عمت فلسطين عام 1936، فثورة مسلحة معاصرة عام 1965، فانتفاضة شعبية كبرى "أولى" 1987، فانتفاضة "ثانية"، 2000. جيل امتص رحيق بطولات الأجداد والآباء زاداً يخزِّنه كمؤونة صيفٍ لشتاءٍ مرعدٍ. جيل عبأه وجع المشردين واللاجئين غضباً وطنياً ثورياً طالما الهب سهل الشعب كله. جيل لم يتعود لوك الكلام، يقارع السجن السجان بحثاً عن حريةِ البلاد والعباد. جيل يشكل نابض الحركة، في المظاهرةِ، وفي التنظيمِ، وفي التحشيدِ، وفي مقدمة من يمتشق السلاح ويحارب. جيل لا يعرف مستقرا إلا حيث يكون فيه موقع لنضال. جيل ملؤه ثبات الموقف، واستقامة الفكر والقيم والأخلاق الوطنية داخل السجن أو خارجه، حتى أصبح بجدارة عنوان الوضوح والرسوخ في زمن الالتباس والبلبلة، وعنوان الوحدة في زمن الانقسام، وعنوان المقاومة في زمن التفاوض العبثي، وعنوان الإيثار ونكران الذات في زمن التكسُّب والانتفاع والمَشهدية والمَظهرية، وعنوان الوطنية الراسخة في زمن الفئوية الفجة المقيتة.
بقي القول: نكابد الكتابة عن مناضلين أسرى، لا لنمارس رياضة اللسان، بل كي لا ننساهم في مرحلة فلسطينية عنوانها الانقسامات المدمرة والمفاوضات العبثية، وكي نقدمهم كقدوة، هي افضل من الف موعظة، وكنموذج حي لمناضلين يقرنون القول بالفعل، والنظرية بالتطبيق، ويحفرون الصخر بالأظافر، ويعمدون المواقف بعرقِ النشاط اليومي المثابر، حتى صاروا- بعد الشهداء- "جمل المحامل" بلا منازع، ما يجعل الكتابة عنهم تأخذ طابع المخاطرة، ليس لأنهم إشكاليون، بل لإن تعداد مناقب المناضلين مختصرة بات إشكاليا يُفقد التفاصيل دورها في تكوين الجوهر العام لكل شخصية.
