النكبة: مقاومة أم استسلام!

حجم الخط

لست من هواة البكاء على الماضي، لكني أعلم أن الابتسامة ستأتي بعد تعلمنا البكاء.

هكذا أود أن استهل حديثي عن النكبة، ذلك الحدث الذي يرافقه في مخيلتنا صور الأطفال المشردين، العُراة، الذين حلّقت رؤوسهم إناثا و ذكورا، والنساء اللاتي وضعن ما خف من أغراض بيوتهن فوق رؤوسهن طمعا في العودة السريعة، و ما بقي من الشيوخ الملتفين بالكوفية علها تهون عليهم ذكرى قراهم ومدنهم التي هدمت و ذويهم الذين استشهدوا على تراب الوطن، وآلاف الخيمات البالية المصفوفة بطريقة توحي بأنها قبور للأحياء، هذه هي النكبة التي نعرف، و هذه هي النكبة التي أرادوا لنا أن نعرفها، لكن ما وقع في أرضنا فلسطين لم يكن بذلك البؤس والحزن والمعاناة بل كان هناك واقع أخر لم يُرِدْ له العدو أن يُعرف أو يُنشر أو يُذكر، فقد تم تغييب الجانب النضالي البطولي للشعب الفلسطيني ولمتطوعين العرب، فاغتصاب فلسطين لم يكن سهلا، بسيطا، والشعب الفلسطيني لم يهرب تاركا ورائه وطنه أو باع أراضيه للوكالة اليهودية، بل كان الخيار الوحيد للشعب الفلسطيني حينها هو المقاومة المسلحة من اجل الدفاع عن بلده وهذا ما كان فعلا، فالشعب الفلسطيني قاوم من اجل الدفاع عن أرضه وخاصة طبقة الكادحين (العمال و الفلاحين)بالأساس، و قد حافظوا على 80 % من الأرض الفلسطينية لمدة 5 أشهر قبل ميعاد دخول الجيوش العربية في حين أن هذه الجيوش فقدت 75 % من هذه الأراضي لمصلحة الكيان الصهيوني اثر انتهاء الحرب وقد انتظم المقاومون الفلسطينيون في العديد من التشكيلات من أهمها

oالهيئة العربية العليا[1] :

شكلت لجان محلية للمقاومة في كل قرية و مدينة فلسطينية و كان ذلك في سنة 1946 مما انبثق عنها اللجنة القومية العامة التي كانت تعمل تحت أوامر هذه الهيئة، و قد كانت المهمة الرئيسية هي شراء السلاح و إيصاله إلى كافة مناطق المقاومة المسلحة الفلسطينية و قد تمكنت الهيئة من شراء 5396بندقية و 309 من المسدسات و 808 رشاشات و 213 مدفع هاون و أكثر من 7 ملايين طلقة نارية و 150 ألف قنبلة يدوية و كان ذلك بقيمة 330.800 جنيه فلسطيني كانت كلها من أموال الشعب الفلسطيني بكل مكوناته وبعض المتطوعين العرب،كما و قد أشرفت هذه اللجنة على ورشات لصيانة و تعبئة الأسلحة في كل من مصر و سوريا و لبنان و قد وضعت هذه اللجنة دستورا لتنظيم اللجان القومية في فلسطين و كان في مدينة يافا في تشرين الثاني | نوفمبر 1947.

o     الجهاد المقدس [2] :

يعتبر الجيش الشعبي الفلسطيني الذي قاوم الكيان الصهيوني، تشكل هذا الجيش مرتين، كانت الأولى سنة 1936الى غاية نهاية الثورة الفلسطينية سنة 1939 ثم تشكل مرة أخرى على يد نفس القائد عبد القادر الحسيني سنة 1947و كان في هذه المرة أكثر تنظيما و أكثر صلابة نظرا لاكتسابه الخبرة وقد تم تقسيم الجيش إلى عدة فئات منها المجندين المقاتلين الذين كانت مهمتهم نشر مفهوم الثورة و مواجهة أعمال العصابات الصهيونية؛ مجندين مرابطين، قدر عددهم ب 17 ألف مقاتل و كانوا من سكان القرى المحليين، تمثل دورهم في حماية قراهم و المناطق المجاورة؛ فصيل التدمير فقد كان الأكثر تدريبا و نجاعة فقد تم تدريبهم على يد قوات من الجيش السوري و العراقي؛ أخيرا، فصيل الاغتيال المكلف بتابعة العملاء والسماسرة والعناصر الإنكليزية الذين يتواطئون مع الكيان الصهيوني.

كانت هذه أهم التنظيمات التي خاضت الكثير من معارك التحرير في ذلك الوقت من أشهرها على الإطلاق معركة القسطل في 3 نيسان | ابريل 1948 و التي استشهد فيها القائد عبد القادر الحسيني، و استأثرت هذه المعركة بأغلب مجهودات المؤرخين و الكتاب، في حين كانت هناك معارك أخرى خاضها الشعب الفلسطيني في كفاحه المسلح و الشعبي لتحرير أراضيه سنذكر منها معركة يافا و معركة حيفا.

o     معارك يافا[3] :

بلغ عدد المقاومين في يافا 540 مقاوما يحملون بنادق و رشاشات بسيطة يواجهون 5000 مقاتل يهودي مزودين بكامل العتاد الحربي،و اشتبك الطرفان العديد من المرات كانت أولها بعد أسبوع واحد من قرار التقسيم و كانت الغلبة في المعارك الأولى لصالح المقاومين الشعبيين، مما جعل الصهيوني مناحيم بيغن Menahem Begin ( رئيس منظمة الأرغون حينها) أن يعترف بما يلي : " إن القناصة العرب كانوا يرسلون الموت إلى كل مكان. إن الألغام التي استعملها العرب دمرت أحياء يهودية كاملة و أن أحياء أخرى أخليت من سكانها".

في 16 شباط | فبراير 1948 اشرف المقدم عادل نجم الدين مع عدد من الضباط و المتطوعين العراقيين و الألمان من تسلم قيادة المقاومة في مدينة يافا، و اشرف الجنود الألمان على تركيب الألغام في مقر قيادة الهاغانا  Haganah الذي تم نسفه كليا و يعتبر هذا العمل من أشهر عمليات المقاومة في مدينة يافا.

حاول العدو الصهيوني بعد هذه العمليات الرد على عمليات المقاومة و احتلال بعض أحياء يافا مثل " تل الريش و حي المنشيه " لكن كانت المقاومة الشعبية تتصدى دوما لهذه الهجمات لدرجة اعتراف العدو الصهيوني على لسان المجرم مناحيم بيغن فقال ما يلي " لقد تعلمنا من استحكامات المنشية ما تعلمته جميع الجيوش في الحرب العالمية الثانية في قتال الشوارع"  و أضاف " لقد هاجمنا يافا بأفضل قواتنا و أحسنها تدريبا و مرانا في القتال، هاجمنا خمس مرات في يومين و ليلتين و في المرات الخمس رددنا على أعقابنا "

هكذا يعترف العدو الصهيوني بلسان زعيمه أن المقاومة الشعبية الفلسطينية قاومت بكل ما تملك من أرواح وعتاد لمنع سقوط يافا، لكن تأخر قدوم الجيوش العربية و ضعف مستوى تسليح المقاومة من طرف الهيئات العربية هو ما جعل يافا تسقط في يوم1  أيار | مايو1948.

o      معارك حيفا[4] :

استمر القتال بين المجاهدين من أبناء حيفا و الصهاينة خمسة أشهر متواصلة من 2 كانون الاول1948 إلى غاية 22 نيسان | أبريل1948 و لم يكن عدد المقاومين يتجاوز في أفضل حالاته400 رجل.

كان القتال في حيفا غالبا ما يدور في أشهر أماكن المدينة كساحة الحمرة و سوق الأبيض و المركز القديم والطريق المؤدية إلى المرفأ ويكون القتال بالأسلحة البيضاء و العصي و في بعض الحالات يتكون بالأيدي المجردة إذ تتم ملاحقة الصهاينة من بيت إلى بيت.

كما و قد هاجم المقاومون معامل تكرير النفط التابعة لشركة بترول العراق الواقعة بين حيفا و عكا، إذ كان اغلب عمالها من اليهود و كان الهدف من هذا الهجوم قطع إمدادات البترول التي تستعملها العصابات الصهيونية لآلياتها و معداتها و ذلك لعرقلة تقدمها و انتشارها و كانت خسائر العدو كبيرة. لم يكن لليهود أي أمل في احتلال حيفا لهذا السبب استعانوا بالقوات الانكليزية لمساعدتهم على اجتياح المدينة،و طبعا وافق الانكليز على مساعدة العصابات الصهيونية في ذلك و أمروا  سكان حيفا تسليم المدينة إلى الجيش البريطاني على أن يسلمها الجيش إلى اليهود في يوم 15 أيار | مايو 1948، و طبعا رفض الفلسطينيون هذه الشروط مع علمهم أن تحالف القوات الانكليزية و الصهيونية سيكون كافيا لاحتلال المدينة إلا أن الاستسلام لم يكن مطروحا كوسيلة للدفاع بل كان عارا مشينا، و سقطت حيفا في يوم 22 نيسان | أبريل1948.

بعد سرد كل هذه الأحداث التاريخية بإمكاننا أن نجزم أن فقدان أرضنا فلسطين لم يكن بتلك السهولة التي أراد العدو إقناعنا بها، ففلسطين لم تكن فعلا أرضا بلا شعب كما يزعم الصهاينة، بل كانت أرضا للمقاومة الشعبية و لا تزال إلى حد هذه الساعة، و لم تقتصر المقاومة على حمل السلاح في وجه العدو الصهيوني،بل شملت المقاومة كل المجالات و أهمها المقاومة الثقافية فأحداث النكبة مثلا شغلت بال الكثير من الكتاب و المخرجين، فرواية الشهيد غسان كنفاني " عائد إلى حيفا " اكبر دليل على ذلك، كما تم تحويل تلك الرواية إلى عمل سينمائي يحمل اسم" المتبقي " للمخرج  الإيراني سيف الله داد و مسلسل تلفزيوني يحمل نفس عنوان الرواية للمخرج السوري باسل الخطيب و الذي صور  أحداث النكبة في حيفا بكل أبعادها كما و لن نستطيع نسيان العمل الأروع على الإطلاق و هو مسلسل تلفزيوني من إنتاج الشقيقة سوريا بعنوان " التغريبة الفلسطينية" من تأليف الكاتب وليد سيف و إخراج حاتم علي إذ يعتبر هذا العمل موسوعة تاريخية فنية متكاملة لوصف ما وقع في فلسطين أثناء و بعد النكبة.

في الختام، لم يكن فقدان فلسطين هو القدر الوحيد في حرب النكبة، كما لم يكن قدرنا الوحيد فقدان فلسطين في النكسة، كما لن يكون قدرنا الوحيد في المستقبل هو فقدان كامل فلسطين، سيكون هناك دوما طريق مستقيمة، واضحة،هي طريق المقاومة بكل أنواعها من اجل تحرير كامل أرضنا فلسطين وصولا إلى تحرير كل شعوب العالم من الاضطهاد و القمع و الاستعمار و الحرمان.

المجد للشهداء، الحرية للأسرى و النصر للمقاومة

[1]المصدر : حرب 1948 و نكبتها للكاتب احمد زكريا محمد فرج، الصفحة 57

[2]المصدر : حرب 1948 و نكبتها للكاتب احمد زكريا محمد فرج، الصفحة 60

[3]المصدر: موسوعة بلادنا فلسطين للكاتب مصطفى مراد الدباغ، الجزء الرابع، الصفحة 277 | 287

[4]المصدر: موسوعة بلادنا فلسطين للكاتب مصطفى مراد الدباغ، الجزء السابع، الصفحة 541