إيران ما بعد توقيع الاتفاق

حجم الخط

ليس من شك في أن توقيع الاتفاق حول الملف النووي الإيراني، من قبل ما يعرف بالمجتمع الدولي، إنجاز مهم بكل المقاييس.
وستكون له إسقاطاته المباشرة، على الداخل الإيراني، بشكل مباشر، كما ستكون له إسقاطاته المباشرة، على الأوضاع السياسية والاقتصادية في المنطقة بأسرها، وعلى القوى الدولية، ذات العلاقة بهذا الشأن.
فقد جاء توقيع الاتفاق بعد حصار اقتصادي قاس على طهران، استمر عقوداً عدة، بدأ مع انتصار الثورة الإسلامية في إيران، وتسبب بخسائر كثيرة، وعزلة إيران الاقتصادية والسياسية عن الخارج.
القضايا المتعلقة، بتوقيع الملف وتأثيرات ذلك في الأوضاع في إيران والمنطقة .. كثيرة، لكن هذا المقال سيناقش جانباً منها، هو ما يتعلق بتأثيراته في داخل إيران، على أمل مناقشة القضايا الأخرى، في مقالات قادمة.
جاء توقيع هذا الاتفاق، في ظل متغيرات داخل المؤسسة الدينية الإيرانية، بدأت بالتعبير عن نفسها منذ وصول محمد خاتمي لسدة الرئاسة.
وكان وصوله إلى السلطة، قد أكد بما لا يقبل الجدل، تنامي التيار الإصلاحي، المطالب بتغيرات سياسية في شكل الحكم.
وكان الأهم أن هذا التيار قد انبثق من داخل المؤسسة الإكيلركية الحاكمة. ولكن وئد التيار الإصلاحي، بعد الانتخابات التي أوصلت أحمدي نجادي لسدة الرئاسة.
وقد أسهم الحصار المفروض على إيران، في تجميد الأوضاع السياسية.
ومن هنا يمكننا القول، إن التوقيع على هذا الاتفاق، هو أهم حدث تاريخي في إيران منذ قيام الجمهورية.
وسوف تكون له إسهاماته المباشرة، في تغيير موازين القوى، داخل مؤسسة النظام الحاكم، لمصلحة القوى الإصلاحية، التي جرى وأدها، مرة أخرى، أثناء بداية الدورة الرئاسية الثانية، لأحمدي نجاد.
وهنا يقتضي التذكير، بأن الثورة الإيرانية اعتمدت على مثلث بضلعين متساويين: الضلع الأول هو رجال الدين الذين يتمركزون في قم، وينتشرون في بقية المدن والأرياف، ويقودهم الإمام الراحل الخميني.
والضلع الثاني «البازار» ملاك التجارة وقادة الفعاليات الاقتصادية الخاصة، المتواجدين بكثافة في العاصمة طهران، وبقية المدن الرئيسية الإيرانية.
أما الضلع الثالث فهم المهمشون في الأرياف.
وقد مثلوا الجموع التى وقفت خلف رجال الدين، ورجحت كفتهم في مواجهة جميع القوى السياسية الأخرى، يسارية وليبرالية ووطنية، التي وقفت مناوئة لحكم الشاه، كحزب تودة والجبهة الوطنية، ومجاهدي خلق.
نجاح الثورة الإسلامية في إيران، وتسلم الإمام الخميني لقيادة البلاد، نقل العلاقة بين «البازار» والمؤسسة الدينية، من التحالف السياسي إلى الشراكة الاقتصادية.
وكلما تعزز دور رجال الدين في المؤسسة الاقتصادية، كلما صاروا أكثر اقتراباً من عقل البازار وفكره.
وقد أسهم ذلك في وضع اللبنات الأساسية للحركة الإصلاحية، التي انبثقت من رحم مؤسسة قم.
لقد حدث أول اختراق بالمؤسسة الدينية، لمصلحة التوجه الجديد، الذي نعبر عنه مجازاً بفكر البازار، والمطالب بانفتاح اقتصادي أكبر، وبعلاقات أمتن مع الدول الغربية، مع وصول محمد خاتمي لسدة الحكم.
ولكن مؤسسة قم لجمته، وجاءت بأحمدي نجادي إلى سدة الرئاسة.
ولم يكن التوازن السياسي، بفعل الحصار الاقتصادي المفروض على إيران، والذي عطل من نمو المؤسسات الاقتصادية، طيلة العقود الماضية لمصلحة قوى الإصلاح.
ولذلك تمكن المحافظون من لجم الحراك الإصلاحي مرة أخرى، أثناء الانتخابات التي أجريت عام 2009 وترشح فيها المهندس مير حسين موسوي لرئاسة الجمهورية.
الآن أمام هذه القوى الإصلاحية فرصة لتحشد قوتها، ولتضاعف من فعالياتها الاقتصادية، ولتندمج بالكامل مع ثقافة وفكر رجال البازار.
وسوف تستغل عطش الشركات الأجنبية، للاستثمار في إيران، لتتحالف معها، بما يعزز إمكاناتها المالية والاقتصادية، وينعكس إيجابياً، على قدراتها السياسية، ويخلق بيئة مناسبة أفضل للتعجيل مجدداً بتحركها.
وهكذا سيكون أول تداعيات هذه الأزمة هو التخلخل في العلاقة بين القوى التقليدية، التابعة للولي الفقيه، وبين القوى الإصلاحية الصاعدة، المنبثقة من تلك المؤسسة.
لكن هذا التطور، ستكون له جوانب سلبية على النظام السياسي القائم. فتحقيق مزيد من الانفتاح الاقتصادي والسياسي داخل إيران، سيتيح المجال للنزعات القومية والدينية، التي قمعت طويلاً، للتعبير عن صبواتها، في الاستقلال الذاتي، مستغلة حالة الانفتاح، والعلاقات الإيرانية الجديدة مع أمريكا والدول الأوروبية.
وبالقدر الذي تتعزز فيه قوى الإصلاح في إيران، بالقدر الذي تبرز فيه سياسات جديدة تطالب بتغيير خريطة تحالفات إيران مع دول الجوار، والتخلي عن السياسات الثورية، لمصلحة التوجهات الليبرالية الجديدة.
ويتوقع أن تتمسك مؤسسة الولي الفقيه، في المدى المنظور، بعلاقة جيدة مع روسيا والصين، وتواصل سياساتها السابقة، تجاه حزب الله والعراق وسوريا.
لكن علاقاتها بالغرب، سوف تتطور بالتوازي مع استمرار تلك العلاقات.
وستعمد إيران لزيادة إنتاجها من النفط.
وليس من المستبعد أن يتجاوز هذا الإنتاج الحصة المقررة لها من قبل الأوبك.
وسيوفر لها ذلك مزيداً من السيولة النقدية، لكن ذلك سوف يسهم في انحدار أسعار النفط، إلى أشد مما هي فيه الآن.
ولا جدال في أن زيادة الدخل القومي لإيران، سيجعل المجتمع الإيراني يقبل على المزيد من استيراد السلع الأساسية، بما يمكن أن يؤثر في الأسواق العالمية.
وسيكون لذلك إسقاطاته في زيادة التضخم بأسعار تلك المواد، بما يؤثر سلباً في الناس العاديين، ومحدودي الدخل.
حقيقة مؤكدة، تبقى واضحة، بالنسبة إلى جميع دول المنطقة، هي أن إيران غدت عضواً في النادي النووي، وستضعف في المستقبل إمكانية لجمها عن مواصلة تطوير صناعاتها النووية.
ستكون إيران في الأيام القادمة، الدولة المدللة، من قبل المؤسسات الاقتصادية العالمية.
والغرب الذي سوف يستثمر مئات المليارات، سيكون مضطراً لغض النظر، ولو جزئياً عن خروقات إيران المحدودة للاتفاق النووي الذي جرى توقيعه، ضماناً لمصالحه، واستمرار استثماراته.
وسيسرع توقيع الاتفاق، من انضمام إيران لمجموعة شنهغاي والبريكس، بما يعني أنها ستكون ضمن مركز الاستقطاب الذي تقوده روسيا الاتحادية.
لكن ذلك لن يؤثر أبداً في علاقة الغرب الإيجابية بها.
شأنها في ذلك شأن باكستان والهند وجنوب إفريقيا.
وتبقى المحاور الأخرى، في تداعيات التوقيع، مواضيع للمناقشة في أحاديث قادمة بإذن الله.

yousifsami@hotmail.com