الاتفاق والكيان.. وحدتهم وانقسامنا

حجم الخط

الغريب أنه ورغم شدة الخلافات بين الأحزاب في الكيان الصهيوني إلا أنها بغالبيتها الساحقة في العادة،وخاصة بعد توقيع الاتفاق النووي الإيراني، التفت حول رئيس الحكومة، وخلقت أجواء استقرار أكبر في الحلبة السياسية.
كما أبدت أوساط مقربة من نتنياهو, آمالاً، بأن هذا الالتفاف قد يسهل عملية توسيع ائتلاف الحكومة.
هذه الأوساط حذّرت في ذات الوقت من الخطر الكامن في مواصلة سياسة نتنياهو المتصادمة مع الإدارة الأمريكية. وقد اجتمعت منذ أسبوع لجنة الخارجية والأمن في الكنيست برئاسة تساحي هنغبي، المقرب من نتنياهو، في محاولة لبلورة استراتيجية «إسرائيلية» لمواجهة الاتفاق، بعد مناقشات تشارك فيها المعارضة والائتلاف على حد سواء.
وأعلن هنغبي أن اجتماع اللجنة استثنائي، ويعبر عن «الدراما السياسية في أعقاب توقيع الاتفاق النووي». وقرر أن النقاش يرمي للتوصل إلى قرار متفق عليه يبلور أوسع جبهة ضد إيران.
كما يجري الحديث في الكيان حالياً عن مجابهة الخطر الكامن في تدفق حوالي مئتي مليار دولار إلى إيران جرّاء رفع نظام العقوبات عنها، ذلك من 600 -800 مليار دولار ستدخل إليها في السنوات القريبة القادمة.
من جانبها,أشارت صحيفة «يديعوت أحرونوت» إلى أن كبار المسؤولين في المؤسسة الأمنية «الإسرائيلية» انتقدوا بشدة طريقة نتنياهو في إدارة الأزمة مع أمريكا، وحاولت بعض الصحف الصهيونية عدم مسايرة منطقه في الحملة على الاتفاق.
وأشارت افتتاحية «هآرتس» إلى أن الاتفاق «إنجاز ديبلوماسي هائل, ومعلم تاريخي على طريق علاقات الغرب مع إيران»، لأنه «يضمن أيضاً اعترافاً متبادلاً ومساواة في المكانة والقيمة بين الأطراف الموقعة عليه», واعتبرت أن أمريكا وإيران أفلحتا ولو مؤقتا في تحييد أحد أكبر التهديدات على الشرق الأوسط لكنها شددت في ذات الوقت على أن الاتفاق مس بشدة بالعلاقات الأمريكية «الإسرائيلية»، ولذلك ينبغي ل«إسرائيل» أن تمنح فرصة للاتفاق.
إذا تحقق شعار تشكيل حكومة «الوحدة الوطنية» في الكيان باعتبار أن إمكانيته واقعية وقائمة... فهي بالتالي ستشكل قوة جديدة لنتنياهو، فإضافة إلى الأغلبية البسيطة التي يتمتع بها الائتلاف الحالي في الكنيست، فإن ذلك يعني أيضاً: تفويض من أغلبية الأحزاب «الإسرائيلية» له على الإيغال بعيداً في سياساته العدوانية، إما بالتنكرّ للحقوق الوطنية الفلسطينية والتصعيد في الأراضي المحتلة في الضفة الغربية وغزة، وصولاً إلى تهديدها المباشر، أو بتعزيز الاستيطان وإغلاق الطريق نهائياً أمام حل الدولتين، الذي لايزال يراهن عليه البعض الفلسطيني والعربي. كما يعني احتمالاً ولو ضئيلاً بتوجيه ضربة عسكرية للمنشآت النووية الإيرانية، بالرغم من كل التحذيرات التي أطلقها مسؤولون عسكريون وأمنيون حاليون وسابقون، فمن وجهة نظر الرئيس السابق لجهاز الأمن الداخلي «الشاباك» يوفال ديسكين «فإن نتنياهو قد يجر «إسرائيل» إلى حرب إقليمية». أما رئيس الأركان «الإسرائيلي» الجنرال بيني غانتز، فقد قال «إنه لم يثبت حيازة إيران لأسلحة نووية». بالنسبة إلى رئيس الموساد السابق مئير داغان فهو يقول: «إن فكرة الهجوم «الإسرائيلي» التحسبي..
هو فكرة خاطئة تماما, وهي عديمة الجدوى».
إن تجارب كل حكومات «الوحدة الوطنية» في الكيان ارتبطت ب«الظروف الصعبة» وأبرزها حروب حكومة الوحدة الوطنية الأولى، شكلها بن غوريون في العام 1948 بعيد إنشاء الدولة الصهيونية وجمعت بين صفوفها الأحزاب «الإسرائيلية» كافة باستثناء الحزب الشيوعي.
الثانية تشكلت في أعقاب حرب حزيران 1967 ورأسها ليفي أشكول، موشيه دايان كان فيها وزيراً للدفاع.
الحكومة الثالثة تشكلت خلال حرب الاستنزاف في العام 1969 برئاسة غولدا مائير، وضمت بين صفوفها مناحيم بيغن.
الرابعة تشكلت في العام 1984 ورئاسة الوزراء آنذاك تمت بالتناوب بين شيمون بيريز وإسحق شامير، وجاء تشكيل تلك الحكومة في أعقاب حرب لبنان.
الحكومة الخامسة تشكلت في العام 1988 برئاسة إسحق شامير، وإسحق رابين تسلم حقيبة الدفاع فيها، الحكومة السادسة تشكلت في العام 1990 بعد حرب الخليج الأولى وقبيل مؤتمر مدريد.
أما السابعة فقد تشكلت في العام 2014.
تهديدات نتنياهو في أعقاب توقيع الاتفاق النووي بين إيران ومجموعة 5+1 وحرصه على التصريح أنه سيتخذ أي إجراءات مهما كانت صعوبتها «في سبيل الدفاع عن وحماية أمن» «إسرائيل» وهذا يعنى أن الكيان وأصحاب الرؤوس الحامية من قادته مصممون على شن حرب عدوانية جديدة، إن لضرب المشروع النووي الإيراني أو لشن حرب في المنطقة قد تغير من المعطيات السياسية الحالية.
إن درساً أساسياً يمكن استخلاصه أيضاً من كل ما سبق: سهولة إزالة التعارضات السياسية بين الأحزاب الصهيونية في المراحل التي يعتقدونها مهمة لوحدة الصف بينهم، تاركين الصراعات لأوقاتها المناسبة.
بالمقابل، فنحن في الساحة الفلسطينية لا نزال منقسمين سياسياً وجغرافياً بين الضفة الغربية وقطاع غزة، برغم أن المنطقتين مازالتا محتلتين من قبل العدو الصهيوني.
الاستيطان يجري على أشده، والتنكر الصهيوني للحقوق الوطنية الفلسطينية يزداد يوماً بعد يوم، وتُفرض شروط «إسرائيلية» جديدة علينا صباح كل يوم حتى «تتكرم» «إسرائيل»، وتوافق على التفاوض مع الفلسطينيين والعرب، و«السلام» الذي تريده «إسرائيل» هو سلام مقابل السلام، «وليس سلاماً مقابل الأرض». احتمالات قوية وكثيرة تؤشر إلى إمكانية اقتراف حرب عدوانية صهيونية على قطاع غزة وعلى لبنان وربما على سوريا وعلى إيران.
ورغم أن عوامل الوحدة بيننا أبناء الوطن الواحد والأمة الواحدة متوافرة كثيراً، وهي ليست متوفرة للجانب الصهيوني، إلا أننا ما زلنا عاجزين عن تجاوز الانقسام في الساحة الفلسطينية رغم كل الأخطار والمخاطر التي تحيق بنا جميعاً، ورغم كل المؤشرات ما زلنا نفتقد إلى استراتيجية فلسطينية وعربية جديدة تأخذ معطيات الواقع وإمكانية مواجهة «إسرائيل» وأية تطلعات لها وأخرى إقليمية ودولية للسيطرة على الشرق الأوسط برمته!. ألا يُعدّ هذا الأمر مفارقة؟

fayez_rashid@hotmail.com