المساعدات الأميركية المشروطة

حجم الخط
لا تخجلُ الدول الرأسمالية الثرية المانحة، الأميركية والأوروبية، ولا تتردّد في فرض شروطها على البلدان الفقيرة، التي تتوسّل الدعم والمساعدات، مقابل ما تحصل عليه لتغطية احتياجاتها. البلدان الرأسمالية، تحدّد طلباتها من البلدان المحتاجة، وتضع لها أجندة أولوياتها، بما لا يتعارض مع المصالح السياسية والأمنية والاقتصادية للبلدان المانحة بل بما يخدم مصالحها، وقد ظهر ذلك جلياً، في ثورة الربيع العربي، حيث أدت المساعدات المالية الأميركية الأوروبية دوراً في رسم مسار الثورة الشعبية وتوجيهها لتحقيق نتائج محددة، بما يلبي رغبة طرفي المعادلة، المتمثلة أولاً بتطلعات الشعوب العربية نحو التخلص من أنظمتها غير الديمقراطية، وتلبي ثانياً الرغبات الأميركية الأوروبية في التخلص من الأنظمة غير الديمقراطية نفسها التي استنفدت دورها في خدمة المصالح الأميركية والأوروبية طوال مرحلتي الحرب الباردة والحرب على الإرهاب وأصبحت عبئاً بسبب ما ولدته هذه الأنظمة، وما أفرزته من مفاهيم التطرف والإرهاب والأصولية والعداء للغرب، وانعكاس ذلك الضرر المباشر على المصالح الأميركية الأوروبية، مما دفعها لتشجيع الثورة الشعبية المدنية في تونس ومصر لتحقيق أغراضها وأهدافها في التغيير وإنهاء النظام السابق وإقامة أنظمة بديلة تعتمد على صناديق الاقتراع، وكذلك دعمها الثورة المسلحة في ليبيا، بعمليات عسكرية مباشرة واستبدال نظام القذافي بما هو متاح من قوى سياسية نافذة، ومواصلة الفعل نفسه بأشكال وأدوات مختلفة في اليمن وسورية وغيرها من البلدان العربية. لقد أدت المساعدات الأميركية الأوروبية، دوراً مسانداً في لجم نظامي بن علي ومبارك عن التمادي في قمع المتظاهرين ومظاهرهم الاحتجاجية ورفع الغطاء عنهما، مثلما أدت المساعدات نفسها إلى دفع الجيش في كلا البلدين للتدخل لتحقيق ثلاث خطوات هي: أولاً ـ عدم التصدي للمتظاهرين وحمايتهم من تدخل الأجهزة الأمنية وبطشها. ثانياً ـ حماية مؤسسات الدولة من الانهيار حتى لا تتكرر التجربة العراقية. ثالثاً ـ العمل على نقل السلطة من النظام السابق إلى النظام اللاحق بطريقة سلمية وعبر خطوات تدريجية محسوبة، تعتمد بشكل رئيس على نتائج صناديق الاقتراع. واليوم وبعد نجاح ثورتي تونس ومصر، تؤدي المساعدات الأميركية دوراً مباشراً في محاولة رسم سياسات الأنظمة المستجدة، ويمكن تناول التجربة المصرية كنموذج لدور المساعدات المالية الأميركية في التأثير على خيارات النظام اللاحق، وقد عبر عن ذلك مساعد وزيرة الخارجية الأميركية لشؤون الديمقراطية وحقوق الإنسان مايكل بوزنر في لقاء المائدة المستديرة بمقر السفارة الأميركية بالقاهرة بقوله: "نرى في مصر بداية لانتقال ديمقراطي وبرلماني جديد يحظى فيه الإخوان المسلمون بمقاعد الأغلبية" مشيراً إلى "أن الولايات المتحدة تكثف الحوار حالياً على أمل أن تجد مصالح مشتركةً وأن تعمل مع الأحزاب ذات الصبغة الإسلامية لكي تسير في اتجاه الديمقراطية، وهناك حوارات حالية مستمرة وستستمر وتزيد مع الأيام". وعن استخدام الولايات المتحدة ورقة المساعدات مع مصر في هذا التوقيت الذي تتحول فيه مصر باتجاه الديمقراطية، قال بوزنر: "إن هناك قراراً من الكونجرس بأن تكون المساعدات العسكرية لمصر مشروطة بالتحول الديمقراطي، وهو أمر يستهدف تشجيع مصر على السير في طريق الديمقراطية. وهناك رغبة أميركية في رؤية تحول ديمقراطي تشارك فيه الأغلبية في مصر بحيث يصبح مجتمعاً حراً يتعامل بمعايير احترام حقوق وكرامة الإنسان". هذا بشأن مصر، أما الأردن فهو نموذج آخر لتدخل المساعدات المالية في رسم السياسة الداخلية للدولة والحكومة بما ينسجم والشروط الأميركية، فقد صرح مصدر حكومي مطلع بأن "حصول المملكة على المساعدات الأميركية الاعتيادية للعام الحالي سيكون مرهوناً بتحقيق مجموعة من الشروط، يتم التباحث عليها حالياً مع الوكالة الأميركية للإنماء الدولي (usaid)". وبيّن المصدر لـصحيفة الغد الأردنية (الأحد 29/1/2012) أنه لم يتم تحديد الشروط بعد، فيما المباحثات قائمة بين الحكومة وبين الوكالة حول طبيعة هذه الشروط، ولفت إلى أن الجانب الأميركي يسعى إلى تطوير الشروط التي فرضها خلال العام الماضي لمنح المساعدات، وكانت مساعدات العام الماضي الموجهة للموازنة مشروطة بتحقيق المملكة إصلاحات تشريعية وأخرى تتعلق ببيئة الأعمال وتشجيع الاستثمار وتحقيق مبدأ الشفافية والإفصاح. ووفق المصدر، الذي طلب عدم نشر اسمه فإنّ الحكومة الأردنية قامت بتصويب الأوضاع وتحقيق الشروط المطلوبة منها لمنح الـ 184 مليوناً، والتي كانت الولايات المتحدة قد أجلت تسليمها في وقت سابق إلى حين يتم تحقيق الشروط المطلوبة، وقد تم تحويلها "بعد أن حققت الحكومة الأردنية الشروط المطلوبة منها للحصول على المساعدات". وتقدر المساعدات الأميركية الاعتيادية المقدمة للأردن للعام الحالي بحوالى 660 مليون دولار 360 منها اقتصادية و300 عسكرية، وتكون الاقتصادية مقسمة، جزء منها لدعم الموازنة وجزء لدعم القطاعات المختلفة من تعليم ومياه وصحة وغيرها. نموذجان لشكل وحجم تأثير المساعدات الأميركية، لبلدين عربيين يعتبران من المجموعة العربية التي تحتاج لهذه المساعدات والتي تُدين بالولاء للصداقة مع الولايات المتحدة ولكن السؤال إذا كانت المساعدات المالية الاقتصادية تصل إلى هذا الحد من الشروط، فما هي الشروط التي تفرضها الولايات المتحدة مقابل مساعداتها المالية للمؤسستين العسكرية والأمنية للبلدان العربية؟. h.faraneh@yahoo.com