لهم المجد وعلينا الوفاء

حجم الخط

ربما كانت زحمة الأحداث والتطورات، وربما ضخامة ملف القادة الكبار والأبطال هو ما يفسر غياب أو ضعف الاهتمام بإحياء ذكرى عناوين الشعب الفلسطيني الذين يفخر بهم الشعب غير أن الأسوأ أن يكون غياب هذا الاهتمام ناجم عن ضعف الانتماء، وضعف الوفاء، أو أن يكون ذلك على خلفية التقييمات والمواقف السياسية.
كان تخليد وتكريم ذكرى القادة، والقادة ليسوا فقد مقاتلين أو سياسيين، ديدناً لفصائل الثورة الفلسطينية، بل إن ذلك، شكلاً من أشكال التثقيف والتعبئة، ولتأكيد الوفاء والالتزام بالأهداف التي ضحى هؤلاء من أجلها، وإعلاء معاني التضحية الواعية الملتزمة بخدمة الشعب والقضية.
بعد توقيع اتفاقية أوسلو، أخذ هذا التقليد الثوري يتلاشى شيئاً فشيئاً وكأن ذلك كان جزءاً من سياسة كي الوعي الشعبي، ودلالة على اختلاف طبيعة المرحلة، وتجهيل الأجيال الجديدة بتاريخهم ونضالات شعبهم، من يتذكر من جيل الشباب أبو جهاد الوزير، وصلاح خلف، وسعد صايل، ووديع حداد، وغسان كنفاني وماجد أبو شرار، وحنا مقبل، والعشرات من القادة ومن يتذكر اسم الشهيد الأول للثورة الفلسطينية المعاصرة؟
هل نتذكر أن مناسبة اغتيال القائد الرمز ياسر عرفات الذي اختلف معه الكثيرون ولكنهم لم يختلفوا عليه هل نتذكر ما الذي يقع حين تحل ذاكره، وكيف يعصف الانقسام والخلاف السياسي، بهذه المناسبة وهل نتذكر كيف تمر ذكرى رحيل مؤسس منظمة التحرير المرحوم أحمد الشقيري، ومؤسس حركة القوميين العرب قبل تأسيس الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين المرحوم حكيم الثورة جورج حبش؟
ثورة تتنكر لتاريخها وعناوينها، هي أقرب إلى الردةمنها إلى الثورة، وقادة وزعماء يتنكرون لمن صنعوهم، ومهدوا لهم طرق الزعامة، ليسوا زعماء هم قادة لا يؤتمن جانبهم.
في هذه الأيام تمر الذكرى الرابعة عشرة لاغتيال القائد مصطفى الزبري، أبو علي مصطفى الأمين العام للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، وكم من الناس يعرفون هويته وتاريخه ودوره؟
أبو علي مصطفى الذي مزق صاروخ جسده إلى أشلاء صغيرة، أطلقته طائرة هيلوكوبترإسرائيلية حاقدة، لم يكن من حملة الألقاب الأكاديمية، ولا كان من عائلة لامع اسمها ولايتبوأ مناصب وظيفية في أية مؤسسة وطنية أو غير وطنية، كان عاملاً بمواصفات البلاد، ولكنه كان ثورياً منذ نشأته ومقاتلاً منذ بداية عهده بالعمل الوطني.
هذا يعني أن الزعامة هي التي اختارته، من بين أقرانه الذين تشبعوا بمناخ الثورة، تعلم أبو علي في مدرسة الثورة، ونهل من علومها وروحها، حتى بلغ الرضى من رفاقه، فلم ينافسه أو يعترض أحد على أن يكون خليفة الحكيم الذي آثر أن يترك موقعه كقائد للجبهة الشعبية، وما كان له أن يفعل لولا أنه كان واثقاً من أنه يترك الأمانة في أيد أمينة، ويقدم نموذجاً لم يتكرر في الزهد بالمسؤولية، والرغبة في التجديد، وافساح الطريق أمام قادة أكثر شباباً وأكثر قدرة على الحركة، أبو علي مصطفى، لم يكن ليقرر العودة إلى الوطن بعد اتفاقية أوسلو، لكي يحصل له على موقع "محصن"، في الهيئات القيادية للسلطة والمنظمة، ولم تكن لتغيب عن ذاكرته الحادة، أنه ينتقل من دمشق إلى فم الوحش، كان يدرك تماماً عواقب الانتقال إلى الداخل في ظل سيطرة الاحتلال، وما كان ليراهن على نجاح خيار أوسلو في انتزاع الحقوق الوطنية، أي أنه انتقل وهو مسكون بالقلق ليناضل ضد أوسلو والاحتلال، من ساحة المعركة الأساسية.
هو ليس من الساعين إلى الشهادة لنيل مكارمها الدينية، فهو ممن يقتنعون بأن المناضل، ينفي أن يعمل الكثير، دون أن يضحي بحياته أو يسعى وراء الشهادة، فمن يمتلك جرأة العمل، ووعي التضحية، عليه وعلى رفاقه ان ،يحرصوا على حياته، المناضلون لا يختارون الشهادة أو الموت من أجل الشهادة أو الموت دائما يناضلون من أجل الحياة، حياة كريمة لشعبهم ولأنفسهم ومن يحبون .
حين يركز اهتمامه المباشر بتطوير عمل الجبهة العسكري أبان انتفاضة الأقصى، فكانت الحصيلة الأولى قتل الوزير الإسرائيلي رحبعام زئيفي كان يعرف العواقب، فلقد كان أول وآخر وزير إسرائيلي يقتل على أيدي مناضلين فلسطينيين العملية كانت باهرة، نظراً لأهمية الهدف، والإجراءات الأمنية المشددة التي تضرب حول هؤلاء، لكن التخطيط كان دقيقاً ومتفوقاً.
كم من القادة الكبار، الذين يقفون على رؤوس منظماتهم، مستعد لأن ينخرط شخصياً ومباشرة، في عمل كهذا، فلقد عودتنا أغلب القيادات على أنها القدر، وأن الفوز والإنجاز مرهون ببقائهم.
لست أرغب في سرد ما أعرفه من مناقبشخصية لهذا القائد الباسل، فما فعله، والطريقة التي وضعت حداً لحياته ودوره، تكفي عن الشرح، ولكن الحق أقول أن غيابه ترك آثاره العميقة على جسم الجبهة ودورها وعلى الحركة الوطنية، وخصوصاُ قوى اليسار، التي منحها جزءاً مهماً من وقته، حتى يجمع شملها لكنها استعصت على كل ما تميز به من صدق الهدف ومرونة العقل، رحم الله شهداء شعبنا وكلهم كبار، وتلطف بزعمائنا الصغار والكبار.