تونس
غسان كنفاني النجيب الذي لم يخدعه الدليل، كنفاني الأديب ورمز المقاومة الفلسطينية والذي أطلق عليه اسم كنفانيالقضية، غسان جمع بين عكا ويافا وكتبلنا أروع وأجمل وأهم الروايات في تاريخ الأدب الفلسطيني وتاريخ أدب المقاومة في العالم العربي.
دوّن لنا عن أرض البرتقال الحزين وحلمه بالعودة إلى حيفا صحبة خلدون بن المخيم. كانت كتب كنفاني ترجمان للقضية. مثلت كتاباته ترجمة لمأساة شعب، رسمت لنا حروف كنفاني مأساة المخيم واللاجئين وتشرد الأطفالوالصغار وتهجيرالكنعانيون من منازلهمليصبحوابدون ملجئ ويصبح مفتاح العودة طابع وبصمة لكل فلسطين حتى الرجوع، ورمزللأصل والهوية الفلسطينية. حروف كنفاني جمعت لتبدع وتفرز لنا لوحاتمأساوية للواقع الدرامي المعاش فينكبة 1948.
خلّدت لنا لوحات كنفاني الأدبية ونصوص تاريخ لا يحتاج إلى القيام بحفريات أو بحوث في الآثار وأنثروبولوجيا الإنسان، فقط حروفه برهان ودلالة لتاريخ وأزمة شعب بأكمله، شعب جرد من هويته وجذوره ليعمر الفلسطيني الملاجئ والمخيمات وتفتك أرزاقه للصهاينة.
تغنى كنفاني من خلال حروفه بصيدا وعكا و حيفا. عاشق البندقية وكيف لها وهو الذي ترعرع في حضن الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، أصبح كنفاني يؤمنبالبندقية كما يؤمن الرضيع بأمه والحكيم بحكمته.
آمن كنفاني بوطنه ودون تاريخ فلسطين وكتب كل مأساة شعبه بالحروف لتصبح مرجع لقارئ وباحث عن ماهية قضية فلسطين وشعبها وتضحياتها .
أنامل كنفاني تركت لنا بصمة واضحة وجلية في أرشيف أدب المقاومة،لولا حروفه التي كانت مثل الرصاص لما تم اغتيال الرفيق كنفاني،فلقد مثلت كلماته وأديباته رصاص وبندقية للكيان وأصبح هدف اغتيال،اعتقد الكيان صهيوني الغاصب أنه باغتيال كنفاني اغتالوا كلمات المقاومة، الكيان الصهيوني لم يدرك إلى اليوم أن أدب كنفاني زرع فينا حب البندقية والمقاومة وجعل من روحنا وأنفسنا فلسطينية.
كتابات تدون وتخلد ذكرى شعب، الرصاص والبندقيةتحولت إلى حروف والعري والفقر تحول إلي أدبيات، هذه الكتابات تفرز واقع وحقيقة المخيمات.
تداول الآلاف من القرّاء وعشاق فلسطين كتب كنفاني في تونس كانت كتب كنفاني توزع خلسةً وفي كنف السرية خشية النظام القمعي الدكتاتوري، أصبحت كتب كنفاني تنير العقول وتعبئة وطنية ثوريةللقرّاء.
إلى فلسطين مُلهمة غسان، غاب عنها غسان مرغما لتخاذل السلطة وحكوماتها المتعددة، كم يخافونه ويغيبون ما أنتجه غسان عن المناهج الدراسية والتعليمية، بدئا من اتفاق أوسلو بقيادة عرفات وانتهاء بالحقبة السوداء الذي يقودها محمود عباس، بالمقابل تُروج كل أفكار التطبيع والتخاذل والسلام الزائف، وكأن كنفاني يدفع ثمن انتمائه للحزب العريق الذي حاولت قيادة المنظمة ممثلة ب عرفات اقصاء الجبهة على مدار سنوات من الساحة السياسية لرفضها كل مشاريع الاستسلام والهوان .
أصبح كنفاني بمثابة ناقوس خطر يحرض الجماهير على البائعين والمتخاذلين، رغم الادارة الممنهجة والواعية لتقزيم علامة وهرم أدبي فلسطيني ترجمت أعماله لعشرات اللغات، إلا أن غسان بقى حي بين المثقفين والشباب الفلسطيني الواعي .
الحقد لم يتوقف هنا، اكتشف البائعين الجدد أن غسان أيضا لا يليق بهم، وكأنهم لا يعترفون بمقاتل ومناضل وأديب إلا من أبناء جلدتهم وأفكارهم.
لم يروق لوزارة التربية والتعليم بغزة أن تخلد شهداء سفينة مرمرة التركية إلا على حساب غسان كنفاني، محاولة يائسة ومقارنة سيئة، ليس تقليلا من شأن شهداء سفينة مرمرة وان كان حقا علينا تخليد أسماءهم، صغرت غزة بعيونهم ولم يروا أفضل من مدرسة غسان كنفاني لتغيير اسمها !
واجبنا نحن أن نخلد غسان على طريقتنا وبسواعدنا وبأفكارنا التي أنارها لنا غسان،سيبقى غسان باقي بيننا، غسان ما زال يكبر ويزيد، غسان حي، رغم أنف تجار الوطن وتجارالدين.
