آفاق مسدودة أمام التسوية، وجود سلطتين متنازعتين محتلتين فعلياً، هدنة بين السلطتين والكيان، عمليات مقاومة محدودة، استيلاء صهيوني متدرج على الأرض الفلسطينية، استيطان يتزايد، اعتداءات يومية فاشية صهيونية على الأقصى والحرم الإبراهيمي، قتل يومي بارد للفلسطينيين. غياب ملحوظ لمؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية، انعدام وجود برنامج استراتيجي يشكل قاسماً مشتركاً بين جميع الفصائل، انقسام سياسي وجغرافي بين المناطق الفلسطينية المحتلة، وضع عربي رديء متجه بانحدار شديد إلى الهاوية، علاقات متوترة بين سلطة غزة ومصر، أزمة مالية للسلطة في رام الله وللأخرى في غزة، حالة من الإحباط في الشارع الفلسطيني، حركة وطنية وقومية عربية تلهث من التعب. أقصى ما تستطيع تقديمه: بيانات أكل الدهر عليها وشرب. أصبحت مملة إلى الحد الذي لا تشجعك فيه على إكمال قراءتها لأنك تبصم المضمون لكثرة ما تردده البيانات.
والمؤتمرات العربية تحولت إلى ساحة للصراع بين الاتجاهات السياسية العربية، وانتماء للجهة وللحزب قبل الانتماء للقضية، وجماهير عربية محبطة، وقوى التغيير ضعيفة.
انعدام اتفاق القوى الوطنية والقومية العربية على برنامج حد أدنى يوحد الجميع على المجابهة، وضغوط أمريكية على النظام الرسمي العربي، وعلى السلطة الفلسطينية لمصلحة التسوية «الإسرائيلية»، وإلهاء النفس بمكسب اعتراف هذه الدولة أو تلك ب«الدولة العتيدة» التي يلزم إقامتها ميزان قوى سياسي وعسكري مقاوم مع العدو، واعتبار ذلك (مع أهميته) انتصاراً مجلجلاً فلسطينياً. مع أن المرددين والمروجين له يدركون في قرارة أنفسهم أن ذلك لا يعني شيئاً على أرض الواقع. الكل يتجرد من الاعتراف ب«أزمة المشروع الوطني» وانسداد آفاقه.
أيضاً من الضرورة التأكيد على التالي: الارتباط العضوي بين المشروع الوطني الفلسطيني ومثيله العربي فلا انفصال بينهما. نعم هناك خصوصية فلسطينية لكن بالمقابل من الضرورة بمكان أن يشكل كل من المشروعين رافعة للآخر. عند التطرق للأسباب. من السهولة بمكان إلقاء التبعات على «نظرية المؤامرة»، هذا جزء من الصورة، ولكن الجانب الأبرز في الصورة العوامل الذاتية، فمثلاً أمام لوحة الوضع الفلسطيني والعربي السابقة ألا نحتاج إلى هزّة (ولا نقل انتفاضة أو ثورة! مع وجوب ذلك) في الفصائل الفلسطينية وعموم اتجاهات القوى العربية؟ ألا تحتاج هذه القوى إلى مراجعة برامجها ومدى استجابتها ومجابهتها لتحديات الواقع؟ ألا تحتاج إلى صيغ عمل جديدة تستفيد من أخطاء الماضي على المستويين القطري والقومي؟ ألا تحتاج إلى برامج سياسية مستندة إلى التحليل النظري الفكري للواقع ومستجداته اليومية التي لا تتوقف عند حد؟ ألا تحتاج إلى خطاب سياسي جديد؟ وبخاصة أن الوضع الشعبي الفلسطيني والآخر العربي مهيّأ للفعل، بدليل أنه السبّاق إلى المجابهة. سواء بالنسبة لمقاومة العدو الصهيوني أو على الصعيد العربي.. خطواته تأتي قبل تنظيماته وأحزابه.
ما أسهل توجيه التهمة للآخرين، وما أصعب الاعتراف بخطأ وتقصير الذات. هذه هي المعادلة.
أيضاً ما زلنا نعاني في الساحة الفلسطينية قصوراً في تحديد الفهم النسبي للثوابت الفلسطينية ضمن الإطار العام المشترك، فلا مانع لدى البعض من إجراء تعديلات على حدود 4 يونيو 1967، وانعدام وجود المرجعية للنضال الفلسطيني في ظل تعطيل مؤسسات منظمة التحرير، وفي ظل عدم دخول بعض الفصائل الأساسية لمؤسسات المنظمة إلا بشروطها في مقابل شروط للفئة المهيمنة على مقدراتها. مع أن المعادلة المطلوبة يتوجب أن تكون: كل طرف يناضل من أجل أدنى حدود الوحدة مع الآخر، يقتضي تنازله قليلاً لا عن الثوابت وإنما عن نسبة (حصة) تمثيله، إضافة إلى أن الانشداد في مرحلة التحرر الوطني يتوجب أن ينطلق من شعار: السيطرة للبرنامج وليس للفئة، فالفئوية مثل فايروس نعانيه منذ تشكيل م.ت.ف.
ما زلنا نعاني نتائج اتفاقيات أوسلو الكارثية، التي أعلن شارون وفاتها عند اجتياحه للضفة الغربية، والبعض من فصائلنا لا يزال يتصورها وجوداً حيّاً، ولا يزال يتغنى بها. ما زلنا نعاني ضيق أفق المعتقدين بالاستراتيجية التي تعتمد المفاوضات فقط، خياراً وحيداً للحصول على الحقوق الوطنية الفلسطينية، مع أن المفاوضات أثبتت فشلها. البعض لا يدرك ولا يريد أن يدرك هذا الأمر للأسف. ويتمسك به كنوع من إسقاط عجزه، يستمر في غيّه وتصوراته الخيالية للواقع، ومراهنته على السراب.
في الحل: فإن مطلق كاتب أو مثقف عندما يقوم بتشخيص وضع من وجهة نظر رؤيته، لا يملك، ولن يملك حق ادّعاء امتلاكه للحل السحري لمعضلات الواقع، هذا الذي يظل مرهوناً برغبة المقررين فيه والهيئات القادرة على تحويل القرارات إلى صيغ عمل فعلية. لذلك فالحلول مرهونة دوماً بالرؤية الجماعية. المهم هي العوامل التالية: الاعتراف بالأزمة، التفاعل الديناميكي مع المستجدات اليومية والمرحلية، والميل في التحليل إلى استشراف المستقبل وليس تأكيد المواقف من الأحداث السابقة، والتجديد في الصيغ وأساليب النضال الفعلي، ومعرفة العدو ومتغيراته السياسية، وتناقض شارعه، وحدود تسويته، وعوامل قوته، وثغراته ومداخل ضعفه. وفي النهاية الصيغ الجمعية على طريق النضال والتأثير الجماعي وانعكاساته على العدو، وقبل كل ذلك استراتيجية النضال والحد الفاصل بين تخومه والحركة السياسية.
تحت لواء جبهة التحرير الفيتنامية انضوت وناضلت 22 جماعة وحزباً فيتنامياً (من الجماعات الكاثوليكية والبروتستانتية والبوذية وصولاً إلى الحزب الشيوعي)، بعد التحرير وفي مرحلة التحرر الوطني الديمقراطي، انفكّ التحالف وظهر التناقض الذي ظل ثانوياً بين برامج الأحزاب، وظل الشعب الفيتنامي من خلال التصويت هو الحكم الأول والأخير على هذا الحزب أو ذاك. هذا هو القانون. ندرك خصوصية الوضع والنضال الفلسطيني مقارنة مع كل التجارب الأخرى. واستثنائية العدو الذي نجابه، ولكن هذه الاستثنائية يتوجب أن تكون الدافع مضاعفاً عشرات المرات لتعزيز صيغ النضال الجمعي والقواسم المشتركة، وليس كما هو عليه الآن.
نعم هناك أزمة مشروع وطني فلسطيني، أزمة بنيوية، وأزمة برنامج، وصيغ، وخطاب سياسي ونهج وفعل، وتوحيد، وغيرها. وقبل كل ذلك أزمة ثقة.
