استعمار القدس

حجم الخط

ما تزال القدس، وستبقى تتبوأ مكانة استراتيجية في إطار القضية الفلسطينية، حيث يتجاوز الصراع عليها فكرة الأرض المجردة ذهاباً في العمق إلى الدين والأيديولوجيا والميثولوجيا، وكأنها تلخص أن الصراع حولها، هو صراع على الوجود بحد ذاته.

ربما بسبب هذه المكانة التصعيبية، يتم دائماً التهرب من مناقشتها فتؤجل إلى مفاوضات الوضع النهائي حسب إعلان المبادئ في أيلول 1993 (هذه المفاوضات التي لن تصل أبداً على ما يبدو - بالإضافة إلى مجموعة أخرى من القضايا المستعصية مثل المستوطنات واللاجئين والحدود والمياه– إلى نهاية محمودة).

والقدس، هذه الأيام، تعيش مأزقاً متجدداً، ومؤامرة مستمرة لتكريسها، ليس كمدينة مخطوفة فحسب، بل كمدينة مأخوذة، مستولى عليها نهائياً وإلى الأبد، عبر هجوم مخطط له على مدى طويل، وغير مسبوق لتهويدها، وطرد سكانها، وتزييف هويتها، والاستيلاء على ما تبقى من عروبتها، وإسلاميتهاومسيحيتها معا، تحت شعارات فارغة، لا يكل المحتلون من تردادها، ثيمتها الأساسية التطوير والتحديث، لكنه تطوير وتحديث المرادف حرفيا للتهويد الذي يتم عبر التزييف والاغتصاب ومحو الجذور الأصلية لمدينة صمدت آلاف السنين.

وكأن حكومة الاحتلال تطبق في القدس مقولة الوزير النازي الشهير (غوبلز): «اكذب اكذب حتى يصدقك الجميع» وإسرائيل تكذب بأفعال على الأرض راسمة ومرسخة أمراً واقعاً جديداً في القدس يجعل من الصعب استعادة ما ضاع منها، بل ومن الصعب الحديث عنها على ضوء التغييرات الجذرية في بنيتها جغرافياً وديمغرافياً وآثارياً..

ذات يوم قال نائب رئيس بلدية القدس الاحتلالي السابق أبراهام كهيلا:«إن الأوساط الدولية بما فيها البعض في الولايات المتحدة تخطئ أحياناً إذ تعترف بالجزء الشرقي من المدينة بأنه أرض عربية، لكن الحقيقة هي أن الوضع قد تغير جذرياً منذ حرب الأيام الستة، إن على كل من يبحث في مستقبل القدس أن يأخذ ذلك في الاعتبار».

وقد شكلت المدينة هدفاً استيطانياً مركزياً عند الحركة الصهيونية منذ المرحلة الأولى للتفكير الصهيوني الإمبريالي بفلسطين، كمركز استيطان ووطن لليهود، وقد أخذت عملية الاستيطان والاستهداف شكل التسلل بدوافع أمنية واقتصادية وسياسية أثناء الحكم العثماني، ليشكل هذا التسلل مرتكزاً للغزوة الصهيونية برعاية الاحتلال البريطاني الذي قدم للوجود اليهودي تسهيلات مبرمجة هيأت لقيام الكيان الصهيوني الغاصب، ورغم كل ذلك تجدر الإشارة إلى أن ملكية اليهود للأراضي في المدينة القديمة قبل عام 1948 لم تتجاوز الحي اليهودي (بل المنازل السكنية في الحي اليهودي) الذي لا تتعدي مساحته خمسة دونمات، وأما خارج البلدة فلم يحصل المستوطنون اليهود سوى على الأرض المقام عليها مستشفى «هداسا»، و«مجمع الجامعة العبرية» على جبل المشارف وكلاهما لا يتجاوزان معاً المائة دونم إضافة إلى مستوطنتي «عطروت»، و «نفي - يعقوب» بمساحة 500 دونم و489 دونماً على التوالي.

وهدفت السياسة الإسرائيلية خلال40 عاماً من الاحتلال إلى تشجيع الاستيطان في كافة المناطق الفلسطينية المحتلة، عبر إقامة وتوسيع المستوطنات وإحلال المستوطنين المهاجرين إلى فلسطين مكان العرب الفلسطينيين المطرودين والمستولى على أرضهم، عبر تخصيص أراضي للاستيطان (مستولى عليها) وحوافز مالية للمستوطنين وتوفير البنى التحتية اللازمة للمستوطنات، وقد تمت جميع النشاطات الاستيطانية تحت رعاية الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة، وبالتالي فإن نشاطات الاستيطان لا يمكن إرجاعها إلى مبادرات فردية. فالحكومات الصهيونية تشرف على توجيه البناء داخل وخارج الخط الأخضر (الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1948) على حد سواء. كما تشارك وبدرجة كبيرة – إلى جانب مجالس مختصة مثل مجلس يشع الاستيطاني – في التخطيط وتوزيع الأراضي وتمويل مشاريع البناء في المستوطنات، وهي مسؤولة أيضاً عن تحديد المعايير في المستوطنات.وقد قامت فلسفة إسرائيل الاستيطانية من حيث الجوهر على خلق الحقائق واستراتيجية الأمر الواقع عن طريق بناء وتكثيف الاستيطان في مناطق معينة لإيجاد كيان مستقل ويصعب معه في ظل موازين القوى السياسية والعسكرية إجبارها على الانسحاب الكامل من كل الأراضي المحتلة وتطبيق قرارات الشرعية الدولية المتعلقة بعدم شرعية الاستيطان.

وهكذا فعندما دشن حزب العمل برنامجه الاستيطاني بعد عام 1967، وكان الحزب في السلطة كان السؤال الرئيس المطروح هو نفسه الآن: ليس هل تقام مستوطنات أم لا، وإنما أين تقام؟!.

ولخصوصية القدس، وللاعتبارات السابقة قامت بنى الاستيطان على قاعدة الوصل – الفصل حيث تقوم مشروعات الاستيطان على استراتيجية ربط المستوطنات ببعضها ومع الكتلة اليهودية غرب المدينة المقدسة، وفصل الأحياء العربية عن بعضها بهدف عزلها وحصارها ومن ثم تذويبها بالترافق مع فصل القدس عن محيطها العربي.

وهذا المشروع في مسودته الأولى والأساسية التي ما يزال يبنى عليها حتى الآن، أطلق منذ الأيام الأولى لاحتلال القدس على يد حكومة ليفي أشكول، وعبر الوزير (العمالي) يغيئال ألون، الذي وضع مشروعاً استيطانياً بأبعاد سياسية تتمحور حول الاستهداف الأساس وهو عدم العودة لحدود 1967، وقد تضمن المشروع أن الاستيطان الكامل سيغطي الجزء الشرقي من القدس، لأنها تعتبر (العاصمة الأبدية لإسرائيل) وكونها تشكل (قيمة دينية وأيديولوجية) لليهود، كما أن إسرائيل ستستمر بالسيطرة على المناطق الاستراتيجية التي تحددت بغور الأردن، وبعض المناطق المتاخمة للخط الأخضر بما يساوي 40 % من مساحة الضفة الغربية والاستيلاء على القدس سينعكس بتأثير مباشر على واقع باقي الأراضي الفلسطينية حيث أن عملية الضم للأراضي والسيطرة على القدس سوف تترك كانتونين فلسطينيين: الأول شمالها والثاني جنوب القدس، يرتبطان بمعبر ضيق يوصلهما إلى أريحا ثم الأردن، منزوعتي السلاح ومحاطتين بحزام من المستوطنات الزراعية والعسكرية، بحيث تكون القدس يهودية موحدة ومفصولة عن التجمع السكاني الفلسطيني الذي سيترك إما خلف الجدار أو معزولاً في بؤر منفصلة يسهل الفضاء عليها وتذويبها.
والآن وبعد استمرار نتنياهو في السلطة مع عصابته المتطرفة، فإنه من المناسب التذكير بأن هؤلاء لا يعترفون بوجوب إقامة دولة فلسطينية ويعتبرون (القدس) موضوعاً خارج النقاش باعتبارها (العاصمة الأبدية للشعب اليهودي).

مذكراً بما كتبه هرتزل ذات يوم: " إذا قدر لنا يوماً أن نملك القدس وأنا على قيد الحياة، وكنت قادراً على أن أفعل شيئاً فسوف أدمر كل ما هو غير مقدس عند اليهود فيها" والحكومة الصهيونية تنفذ اليوم بالضبط ما قاله هرتزل منذ مائة عام أو أكثر.

ويجدر التذكير بأن مساعي آباء ومنظري الفكر الصهيوني لنشر دعوتهم ومطالبهم لتحقيقها سبقت إنشاء المنظمة الصهيونية، فظهرت فكرة استيطان فلسطين والقدس في دعوات ومؤلفات بعض المفكرين والحاخامات الصهيونيين أمثال الحاخام تسفي كاليشر ويهودا القلعي اللذين وضعا مشاريع للعودة إلى فلسطين حتى إن القلعي قَدِمَ بنفسه إلى فلسطين وسكن مدينة القدس. وفي كتابه 'روما والقدس' يحرّض موسى هس، أحد مفكري الصهيونية الاشتراكيين في القرن التاسع عشر، على إيجاد قومية يهودية تُحرّر القدس وتكون بداية عصر الانبثاق الجديد على غرار تحرير روما في التاريخ القديم, ثم إنه بحسب الأسس التي يراها ضرورية لتحقيق ذلك، يبشر «بولادة قدس جديدة تفوق روما القديمة في النفوذ والعظمة»

وفي إطار تركيز نشاطها على القدس بشكل خاص عمدت الحركة الصهيونية إلى تجميع المؤسسات اليهودية في مدينة القدس وذلك عن طريق بناء الأسس الأولى التي تشكل قاعدة انطلاق المشروع الاستيطاني التهويدي وتساعد في السيطرة على مدينة القدس مستقبلاً فأقامت فيها مقر اللجنة التنفيذية للمنظمة الصهيونية العالمية ومقر الوكالة اليهودية والصندوق التأسيسي «كيرنهيسود» والصندوق القومي اليهودي «كيرنهاكيمت» إضافة للمجلس الوطني لليشوف«الاستيطان» ومركز «اللجنة القومية اليهودية». واتُخذت القدس كذلك مقراً للجامعة العبرية سنة 1925 وكذلك مستشفى هداسا الذي أُسس سنة 1935. وشكلت هذه المؤسسات الدافع الأهم للمشروع الصهيوني الإسرائيلي في فلسطين وساعدته على تحقيق السيطرة وتثبيت الاستيطان على الأرض الفلسطينية، وهكذا كان استيطان القدس من أهم ركائز الدعوة الصهيونية التي ظلت تُردد أحد المزاعم اليهودية التوراتية التي تقول: «أقدامنا كانت تقف عند أبوابك يا قدس، يا قدس التي بقيت موحدة».

وإن كانت الدوائر الاستعمارية الصهيونية لا تغفل أهمية القدس العسكرية والجغرافية والاقتصادية ومكانتها الدينية إلا أنه لا يمكننا أن نتجاهل أيضاً أن آباء الحركة الصهيونية لم يكن يشغلهم بشكل محدد موضوع القدس وإنما شكل هذا الموضوع إحدى وسائل الجذب والتعبئة تجاه الدولة والكيان القومي بشكل خاص. وهذا ما بدا جلياً من أقوال وايزمن رئيس المؤتمر الصهيوني حول القدس حين أشار إلى أنه "لو أعطيت القدس لنا فلن نأخذها لأنها ستثير مشاكل لا حصر لها". وهو أيضاً ما ورد على لسان هرتزل بعد أن زار المدينة وخرج من أبوابها قائلاً: "لا شيء في هذه المدينة لنا". لا شك أن جوهر الفكرة الصهيونية كان إقامة دولة يهودية في فلسطين وهذا هو الأكثر أهمية أما بالنسبة للقدس, ومع أهميتها, فهي جزء من تفاصيل المشروع الصهيوني الكبير. فقد أعلن الإسرائيليون قيام كيانهم الغاصب ولم تكن القدس تحت سيادتهم. ومع ذلك يجب التنبيه هنا إلى أن هذا لا يعني على الإطلاق أن أطماع الحركة الصهيونية في القدس لم تكن موجودة، على العكس، هذه الأطماع كانت دائماً حاضرة في الفكر الصهيوني لكنها لم تكن مُلحةً في سُلم الأولويات التي تغيرت وتبدلت وفقاً للظروف والمعطيات على الأرض.

أخيرا: تطرح القدس أسئلتها على نظام عربي رسمي نسيها أو يمعن في تجاهلها. نسأل في ذكرى دخول الناصر صلاح الدين إلى القدس محررا في مثل هذا اليوم من عام 1187 ما معنى القدس للساسة والمثقفين وعامة العرب وهل مازال لها مكان في ملفاتهم وضمائرهم
مَنْ للقدس اليوم وهي تعذب وتقتل، بل وتغتصب؟! ورحم الله العماد الأصفهاني إذ يقول:
فسر وافتح القدس واسفك به دماء متى تجرها ينظف
وخلص من الكفر تلك البلاد يخلصك الله في الموقف.
ورحم الله الناصر صلاح الدين إذ لبى النداء.. فأين نحن منه.. أين نحن من القدس؟!