طعنات... لم يُقمن صلبه

حجم الخط

لم تكن الأولى في تاريخ المواجهة، ولكنها تفرّدت -هذه المرة- برسالية عنفها المشروع والمفروض، واقتدار مُبرراته على التمدد والسبر في وعي وادراك أطراف الصراع، بعيداً، نحو حوامل المشاريع وقواعدها، مخلفة ورائها كل دزازين الأوراق الرسمية المتناثرة، وجلسات السمر الأمني الواهم، وأحلامٍ نسجت من وحي الهزيمة العربية والفلسطينية الرسمية، تمتد نحو من ينخرطون في قوقعة الصراع المكشوفة، بلا مداهنة ولا تجميل ولا طأطأة، من يفتحون عيونهم البيضاء في كل صباح ويتحسسون بقيتهم المنهكة، ليعرفوا أنّ جزءاً من ورثة مدينتهم قد قضمها عدوهم من بقايا أجسادهم وأنسالهم ومعيشتهم، وهضمتها معدة الغول الإستيطاني الرابضة فوق معالم التاريخ المزوّر، ثم يعودون ليتحسسوا  مرة آخرى معالم خوفهم ويعضّوا على رباطهم وثباتهم بالنواجذ، ويقذفوا بأياديهم اليتيمة –إلا من سكاكينهم- في الشوارع لتحرث الأرض، فقد طال زمن الحصاد، تمتد حتى إلى الذين نأوا بأنفسهم عن الإنخراط في صفوف المواجهة، وأزاحوا ناظرهم المرتعد عن وحشية عدوهم، ومدّوا ذات مرةٍ أياديهم مشرعة للتعايش معه -مجردة السلاح-، ثم سيقتل العدو أبناءهم اليوم وغداً وهم -عرايا السلاح-، فارتدوا وعادوا يحملون السلاح، لأن هذه الطعنات المقدّسة جرّدت عنهم كل معالم الخوف وقصر اليد وضيق المعاش. هذا التوطئة في الحقيقة ليست ذات قيمة، إلا إذا كان مهماً، أن يبحث المنهوب عن مُبرر شرعيٍ لطعنات سكاكينه في خاصرة عدوه، ثم لا يرى على وجنات رفاقه الذين أعدموا سيول الدماء، ولم يذكر آلاف الشهداء الذين ماتوا وتركوا زوجاتهم  ذات يومٍ بلا وداع، ولم تقرع ذاكرته المرتعدة صور الحروب التي عجّنت أجساد البُنيات القاصرات تحت مجنزرات الإحتلال، هذا لو كان يبحث عن مُبررٍ، سيبقى المُبرر الرياضي الوحيد تفرضه أمامه أيام المواجهة وتفاصيلها، حينما يُوكل المستوطن مهمة قتل الفلسطيني إلى الجيش، ويُوكل مهمة حمايته إلى خوف الفلسطيني من القتل، في زمن كان منطق العيش فيه أن يبادر الفلسطيني المار في شوارع القدس قوافل الإسرائيليين بصليات الرصاص ومجاري الدماء ومفارز الجثث المتناثرة.

ثمة حقيقة بسيطة تقول "الوطن هو ادراك الحاجة إليه"، هذا الإدراك يتكلف وعياً مذوّتاً بهذه الحاجة وضرورة تحصيلها، والذي يراكم وعياً جمعياً بادراك أدوات تحصيلها والحفاظ عليها، بالمحصلة الزمانية، تلك الحاجة قد ولّدت جيشاً من الفلسطينيين المهددين، أصلاً، بالسلب والنهب والتشريد، والذين فقدوا ما يقم صلبهم، مشرعين سكاكينهم ومذابحهم أمام عدوهم، ومتسلحين بفهمهم البسيط لمعنى أن يعيشوا على أرض وطن "الجماعة"، لا أن يعيشوا على أرض وطن الدولتين وزيف التعايش، أو أرض يُنازعون عليها مكانياً وزمانياً، ويتشارك معهم شذاذ الآفاق والأجناس مرابع العيش والكلأ والتاريخ.

عاملا جذب أثرا في طبيعة مجريات الأحداث في القدس، وتركا هذه الأحداث تسير على هدي الثأر والتصاعد، أولاً، كان شعور الإسرائيليون أنّ حياتهم اليومية الإعتيادية، والتي نسّقوها وعدّلوها بفعل القبضة الإحتلالية القاهرة بما يوائم أمنهم واستقرارهم، والتي طالت كلّ ما يتصل بأحقّية الوجود الفلسطيني في القدس، أصبحت هذه الحياة مهددة، إنّ لم تكن بالفعل قدّ أزيحت إلى مربعٍ متقدم من المواجهة مع الفلسطينيين، والذين سيصبح بمقدورهم بفعل تطور هذه المواجهة تنفيذ عشرات عمليات الطعن واستهداف المستوطنيين دون الحاجة للتخطيط أو الوقوع في شرك المراقبة الأمنية، والتي لم تستطع بالفعل منع حتى مجرد التفكير بالقيام بمثل هذه العمليات البطولية أو التحصّن منها، ثانياً، كان تحرر الفلسطينيين من هذه القبضة المسخ، والتي وصلت إلى أوج سطوتها وقوتها-وليس أكثر-، وباتت هذه الحالة الدفاعية والعفوية التي تشهدها مدينة القدس هي المعادل الموضوعي لإنتفاضة شعبية متدحرجة تسترد فيها المدينة هويتها وتاريخها الأصيل.

في حين أن انعدام مقترحات المعالجة الميدانية لمثل هذه العمليات، لم يكن الشاغل الرئيس الكامن في أولويات الدوائر الأمنية الإسرائيلية، فثمة ما هو أخطر من وقوعها بالفعل، فالترابط العضوي الذي أبدته الهبات الجماهيرية على الجبهات الثلاثة، تضامناً ومآزرة في غزة، واسناداً في الضفة وال48، يبعث ببرقية عاجلة إلى الفلسطينيين، تصوّب بوصلة صراعهم مع هذا العدو، وتشير إلى متجه القدس، قبلة الصراع وديمومة المواجهة، وتنذر العدو الإسرائيلي بأن اشتعال أي جبهة في القادم، سيكون مؤداها اشتعال باقي الجبهات بالموازاة، وعلى نفس المستوى وردّ الفعل، وإذا ما حدثت مواجهة عسكرية في غزة، فإن رقاب المستوطنيين ستحزّ وستتطاير في شوارع القدس، وسيعدمون في مركباتهم على كل طريق التفافي تحت مرمى بنادق المقاومة في الضفة الغربية، بالمحصلة، يعني ذلك أنّ عزل أي جبهة من هذه الجبهات والإستفراد بها بات مجرد وهم عفى عليه الزمن، وفي الوقت الذي مرغت فيه الهبة الشعبية  أنف العدو الإسرائيلي في التراب، قد دّمرت طواطم تاريخية تعلقت بأمنه وسيطرته على المدينة وأن خلاص هويتها بات تحت سقف التهويد، تلك الأكذوبات التي ألّفها الإحتلال الإسرائيلي تاريخياً حول مدينة القدس، قدّ أزيل الستار عنها اليوم، وأصبح هذا العدو أعجز ما يكون عن حماية عناصر قواته الخاصة في شوارع المدينة، والتي كان من المفترض أن توظّف لحماية المستوطنيين، لكن الشهيد محمد علي قدّ أعاد صياغة هذه الواقع أمام مرأى المستوطنيين قبل الفلسطينيين حينما أصاب ثلاثة عناصر من "الماتسادا" في أعناقهم، وتركهم في غيّهم وجبنهم يترنحون.

في هذه المواجهة، يعي الفلسطيني بوضوح أثناء تنفيذه لعملية الطعن أن مآله لم يكن عدمياً أبداً، لكنه يعي أن الثمن الذي سيدفعه سيكون أقسى الممكن من التعذيب، ليس أولَه أن يعدم أطفال مدينته في الشوارع بلا ذنب، ولا آخره أن يُنهي عقوداً من عمره داخل معتقلات الإنفراد والنفي، رغم كل هذا، صرخ الشهيد" علاء أبو جمل" في وجه الإسرائيليين: "بدي أموت طخ" بعد أن دهس بمركبته اثنين من المستوطنين، وأوعز إلى حاخام اسرائيلي كان موجوداً لحظة تنفيذ العملية بضرورة مغادرة المدينة إلى مستقرهم الأليم، سالباً أعدائه خياراتهم، وأقصى الممكن من أحكام التعذيب، وتاركاً برهة من الوقت لنا جميعاً حتى نقرر أيّ الخيارات الممكنة في هذه المعركة سنختار؟. ماذا سيتبقى من سطوة أعدائنا، لو اختار الفلسطينييون سبل عيشهم وموتهم؟. إذا منعوا عدوهم من توزيع تذاكر حيواتهم وتحديد مراسم موتهم وعناوين قبورهم وصفات أسمائهم؟، حتماً، سينشغل عدوهم برسم خيارات حياته وموته حينها.

قد تبهت رويداً هذه الهبة الشعبية، ولكنها راكمت دروساً عملانية، يُمكن للآتين يوماً، أن يكملوا طريقها وأن يستأنسوا بضميرها، بعد أن جفّت أحبار التعايش والمهادنات بلا رجعة، حينما يفرز الإحساس بالكره وانعدام الأمن والتوجس تقسيماً حاداً للعدو والجماعة، التي تقاطعت مصالح أفرادها وحُسمت مربعات مخاوفهم، وباتوا على قناعة تامة أنّ الهوية الفلسطينية الجمعاء ليست باسبورات السفر ولا مجرد موضعهم الجغرافي في أحياء المدينة العاصمة، وإنما نحر نقيضها بالسكاكين، وطعن مستعمر المدينة في عنقه وخاصرته حتى لا يقم صلبه ذات يوم.