الواقع الفلسطيني اليوم يشبه " طنجرة مقلوبة فلسطينية تقف على رأسها " يقول أحد أصدقائي . هذا التوصيف عادي جداً في حالتنا المقلوبة فعلاً، لأننا - رغم صيحات الشعب - ما زلنا نحيا ونشهد زمن الانقلاب والشقلبة ونصدق الكهنة وخراريف مثقف السلطة الفلسطينية . ولأن هذه مرحلة " عاطلة " كما يقول صديقي الآخر . ويستتبع بالقول بكلمات يصعب كتابتها احتراما للذوق العام..
البعض اختزلها بكلمة واحدة وأطلق عليها اسم " الانقسام " ، وارتاح إلى الأبد . ارتاح من عبء المهمة والواجب الوطني أولاً، ارتاح من المحاسبة ومن السؤال وارتاح من عبء القتال في آنٍ واحدٍ. بل صار "الانقسام " هو المسؤول عن كل شئ تقريباً بما في ذلك حصار القطاع ورواتب الموظفين!
يتحول شعار " الانقسام " إلى ورقة توت تستر عورة المنقسمين أولاً. لكنهم اليوم لا يقولوا أي شئ وخففوا الردح المتبادل أمام حركة الشباب الفلسطيني الصاعدة إلى الانتفاضة الشعبية والحتمية . ينتظروا بان كي مون ورسائل البشري التي قد تأتي من اسطنبول أو من توني بلير . ينتظرا ويطربا، كلاهما، على ثنائية " الانقسام / المصالحة " لأنهم لا يريدوا للواقع الفلسطيني أن يقف على قدميه. إن الاستمرار في سياسة الشرذمة والعبث وهذا الجنون يظل أقل ثمناً بالنسبة لهما من ثمن التخلي عن الامتيازات واستعادة الوحدة وتأسيس قيادة وطنية موحدة، تقاتل أمام الناس ولا تتلطى خلفهم ولا خلف الأقصى ومقدسات الشعب !
والدم الفلسطيني الذي يسيل يومياً على امتداد الارض المحتلة، هذا لا ثمن له؟ في اي مجرى يسيل؟ ليكن الثمن هو كنس الاستيطان وتحرير الأسرى وكسر الحصار مثلاً. على الأقل في هذه الحالة سيكون للانتفاضة الشعبية هدف واضح ومحدد وإلا " دمنا بروح هيك " كما يعلمنا أحد اطفال " عائلة بكر " في قطاع غزة!
من الذي يمنع من تأسيس القيادة الوطنية الموحدة للانتفاضة؟ إنها قوى السلطة الفلسطينية التي لا تريد ان تفقد امتيازاتها ودورها لصالح استعادة الحركة الوطنية الفلسطينية لدورها، قوى السلطة بشقيها في رام الله وغزة ومعها هذه الطبقة الفلسطينية التابعة للاحتلال اقتصادياً والتي تعمل في خدمة محاور الاقليم، وهي تتنافس وتتصارع وتقرر بالنيابة عنهما. وهذا كله، مضاف إليه عجر الاخرين وخواء الفصائل الصغيرة..
وقبل أن تمر هذه اللحظة التاريخية، وتظل كل القوى الفلسطينية عاجزة عن الامساك بها (لا الهيمنة عليها ) يجب الشروع فوراً في تطوير الحراك الشعبي المقاوم في فلسطين المحتلة واسناده من الشتات بكل السبل والامكانيات المتاحة . فالجبهة الشعبية لتحرير فلسطين وحركة الجهاد الاسلامي مطالبة أكثر من غيرها بأن تدفع عجلة الانتفاضة إلى الأمام وبكل ما تملك من قوة وشرعية الحضور المقاوم والفعل والمبادرة والدفع لتأسيس قيادة وطنية موحدة يشارك فيها الجميع وفق قانون المساواة في القرار وعلى قاعدة الوحدة الكفاحية في الميدان..
ويجب أن تنتهِ تعددية وكثرة المرجعيات الفلسطينية إلى الابد، لأن وحدة وتماسك الحركة الوطنية الفلسطينية في إطار الانتفاضة والعمل السياسي الموحد وبناء قواعد الجبهة الوطنية سوف يعني شيئاً واحداً: بدء مرحلة نوعية و جديدة، يحقق فيها شعبنا انتصارات وانجازات جديدة، وينقسم فيها العدو على نفسه..إن المسؤولية تاريخية و الوقت من دماء وعذاب.
