إلى رفيقي؛ أيقونة الأدب المقاوم " غسان كنفاني "

حجم الخط


بعد تحية العهد والوفاء... 
بعد الانحناء إكراماً وإجلالاً لحضرتك وحضرة كل الشهداء... 
أبى القلم ان يخط لغيرك، فكيف له أن يرسم حرفاً لغير من علمنا حب القضية؟ يرى البعض أن لا مصلحة من الكتابة للموتى، هم لا يعرفون بأن الثوريون لا يموتون أبداً، نعم صدقت : ترحل الأجساد لا الفكرة .. 
روحك منصهرة مع أرواح من يقاتلون لاسترجاع الوطن المسلوب وكل كلمة من كلماتك تنير لهم الدرب وكل حرف من حروفك يلتحم مع كل رصاصة تزرع في قلب العدو.. وما كلماتك إلا نبراس يبارك سكيناً زرعت في كبد مستوطن غاصب .
اطمئن ايها المعلم، 
فلا زالت أم سعد تلد الأولاد فيصيروا فدائيين، لازالت تخلف وفلسطين تاخذ، ومع كل صغير يولد يولد حنظلة في قلبه...ينمو مع نموه ليصير رجلا من رجال الشمس. فحنظله اصبحت من عاداته اليومية ان يقبل جبين امه قبل مغادرة البيت ليلتحق برفاقه في الساحة ، في نقاط التماس .. وعلى الحواجز، فما ان يصل الى نقطة الاشباك يدرك انه هنا لطرق جدران الخزان وانه لم يعد في حاجة الى رعاية امه، يتلثم بالكوفية لا خوفا من العين المتربصة بل لما لها من رمزية لدى شعبه، يجهز مقلاعه ويتوكل برمي جمراته على جنود الكيان الغاصب ، ألف رائحة دخان الاطارات البلاستكية المشتعلة بل صار عاشقا لها ، فان لم يكن في الصفوف الامامية للشباب المنتفض فاعلم انه يعد زجاجاته الحارقة يخلط فيها البنزين مع ما سكن قلبه من رياح الغضب كلما تذكر مشهد دفع جنود الاحتلال لامه لحظة اعتقال اخاه "سعد" مؤمنا بان الثورة وحدها هي التي توجه الموت.. وتستخدمه لتشق سبيل الحياة بكرامة ، فلا يرعبه مشهد الموت إذ أن قضية الموت ليست على الاطلاق قضية الميت انما هي قضية الاحياء .. وما ان ينتهِ من تجهيز الزجاجة حتى يرمي بنار حممها على الجيبات العسكرية ولسان حاله يقول " لك شيء في العالم ، فقم" ، كان يأخذ بين الفينة والاخرى استراحة المقاتل يكون فيها شارد الذهن يتساءل عن الوضع بالداخل المحتل واحياء القدس وقطاع غزة : هل من عمليات طعن جديدة ؟ هل من عمليات دهس؟ ما الوضع على الشريط الحدودي بغزة؟؟...الى ان قطع تفكيره صوت ناعم صوت ثائرة اقبلت صوبه حاملة الحجر بكلتا يديها تخبره عن اخر المستجدات: عملية فدائية بباص صهيوني تزامنت مع عملية دهس عمليات طعن بشوارع القدس ، وأنباء عن مسيرات ورمي لسيارات المستوطنين بالداخل المحتل..شد همته واخذ من يديها حجارة ورماها..لم تكن رمية موفقه فقد سقط امامه رفيق دربه بعد ان اصابت شقت صدره رصاصة غادرة...هرع اليه ووضع راسه على حضنه .. كان المصاب يغني مبتسما " زغردي يا ام الشهيد وزفي العريس.." الى ان اغمض عينيه تاركا ورائه رسالته بانه لن يكون عبدا للمرحلة... لم يكتفِ حنظلة ليلتها بالدموع فكل دموع الارض لا تستطيع أن تحمل زورقا صغيرا يتسع لأبوين يبحثان عن طفلهما المفقود وقرر ان يثار ليلتها بعملية نوعية كرد اولي على استشهاد رفيقه .. جهز أكواعه وانطلق يصب حممها على احد الابراج العسكرية وانسحب ليزف في الغد رفيقه الشهيد الى رحم الأرض .. أغلى الشهداء .. 
كان من بين الذين حملوا الجثمان الطاهر على الكفوف ، تسلل الى مسامعه صوت خافت "لا تحزن لفراقي ، فانا سأُزْرَع في هذا التراب المخضب بدمي راسماً حدود وطني الممتد من الناقورة الى ام الرشراش ، ولا يهم ان مات احدنا المهم ان تستمروا يا حنظله" .. وسمعه المشيعون يقول بصوت عال : اعاهدك على ان اخشى الموت الطبيعي وان اموت مثلك بين زخات الرصاص ، وان لم يكن هذا قدري .. لأزرعنَّ فكرة نبيلة قبل رحيلي...
كان يومها يوما لاطلاق الرصاص على رؤوس العدو من قطاع غزه .. وتم استهداف دورية تحمل شخصية مهمة للكيان فالكل انتفض كل واحد على طريقته والهدف واحد استكمال المسيرة والنضال لاسترجاع الوطن لانه حقنا وماضينا ومستقبلنا رغم قسوة الرد الصهيوني باستهداف طائراته لبيوت الاهالي بغارات لا تفرق فيها بين صغير وكبير
ألم يسبق لي أن أخبرك ان سعد اعتقل، نعم .. اعتقل سعد وهو الان لا يزال يقبع في الاسر .. لازال يخوض معركة لكسر القيود يسطر ملاحمها بأمعائه الخاوية .. رغم ما يتعرض له من الضرب الذي هو تعبير مغرور عن الخوف مقاوما جلاده من منطلق فلسفي يقوم على مبدا الحياة مهادنة مع الموت .. فالغزلان وحدها تحب ان تموت عند امها اما الصقور لا يهمها اين تموت...وحسب اخر الاخبار من ام سعد ان ابنها اقسم لها ببرتقال يافا وبحر حيفا انه لن يكسر اضرابه قبل كسر شوكة السجان
كل هذا يا رفيقي وربما ما خفي كان اعظم .. يحدث في عالم يسحق العدل بحقارة كل يوم .. كل هذا في ظل صمت عربي مخزي .. وصمت اممي مريب .. كل هذا ولا زال من يحاول زرع الفتنة بين الشعب الواحد وتوسيع فجوة الانقسام بين ابناء الوطن الواحد يواصل مساعيه .. ففي الوقت الذي يناضل فيه البعض ويتفرج البعض الاخر هناك من يقوم بدور الخيانة من تنسيق امني واعتقالات للمقاومين ومنهم من دعاً بوقاحة علنية الى ضرورة تطوير السلام مع قطعان المستوطنين ومد اليد لهم واحلال السلام وحل الدولتين و ..... و ...... , ...... ، غير مدركين ان الخيانة في حد ذاتها موتة حقيرة فحين نخون الوطن لن نجد ترابا يحن علينا عند موتنا وسنشعر بالبرد حتى ونحن ميتون
رفيقي ؛؛
بل استاذي ؛؛ 
بل استاذي ومعلمي الأكبر ؛؛؛ 
اختتم لك رسالتي مقسما بالشعب .. بدمائك الطاهرة ودماء من سبقك على درب الشهداء ومن يلحق بك .. ان ابقى على العهد .. لنكون رجال تحت الشمس على هضاب القدس .. تغطي ظلالنا فلسطين من البحر الى النهر .
لترقد في سلام يا أبدي الثورة .. احبك