فضيحة تحت السطح

حجم الخط
يتخابرون مع الاحتلال، ينسِّقون مع أجهزته الأمنية، يتعاونون مع جيشه. يفتحون الأبواب للآليات المتوغلة، يَغضّون أنظارهم عن اختطاف المواطنين في ساعات الفجر، ويقومون بدور المرشد إذا ما ضلّ مستوطن سبيلَه. أقاموا المؤسّسات المُنكبّة على صنيعهم، وأنشؤوا جامعة مختصّة بفنون التخابر. تعلّموا العبرية، وعلّموها للجيل الجديد من المتخابرين. حظروا المقاومة، فكّكوا خلاياها، جمعوا قطع السلاح الصدئة، وزوّدوا الاحتلال بالسجلاّت الكاملة. مع ذلك كلِّه؛ فإنّ ما يجري وراء ستار “التنسيق الأمني”، يتفاعل بهدوء ودون ضجيج. هو المسكوت عنه في فلسطين. هو ذلك الثابت الذي لا يعبأ بالمتغيِّرات. هو الذي يستأهل التمويل في زمن تقليص “المساعدات”، ويستحقّ الإمداد في زمن العقوبات والتلويح بها. سأل أحدهم إن بقي مصطلح “الخيانة” على تعريفه الأوّل. واستنتج آخر بأنّ “العمالة” هي أن تخدم الاحتلال منفرداً؛ أمّا التخابر المشروع فهو أن يتواطأ الرؤساء والمرؤوسون على خدمة الاحتلال. يرتبك المصطلح عندما يتحوّل سلوك التخابر مع الاحتلال من الفرد إلى المؤسّسة. تتعطّل النعوت بإدراج الأفعال الشائنة في سياقات منهجّية. وقد تكفّلت بدعة “التنسيق الأمني” بمأسسة التخابر، وتصريف الأموال والامتيازات للمتعاونين، عبر حسابات مصرفية وبطاقات خاصّة، تريح ضمائر “الموظّفين” الساهرين في مكاتبهم. ليست الفضيحة مجرّد اقتراف ما هو شائن؛ بل انكشافه، واتضاح تفاصيله. ولأنّ شروط انفجار الفضيحة ما زالت تختمر؛ فإنّ سيلاً من الإشارات من بين سطور التكتّم والتعتيم، توالت في الشهور الأخيرة، وإن لم تستحثّ بعدُ إثارةَ الجدل في المشهد الفلسطيني بشأن “التنسيق الأمني”. قيل في التفاصيل، مثلاً، إنّ الكونغرس أراد ابتداءً حجب “المساعدات” المقرّرة للسلطة، لكنّه تراجع لعجزه عن استثناء القطعة الكبيرة من الكعكة؛ المخصّصة لأجهزة التنسيق مع الاحتلال. واتضح مرّة أخرى أنّ عقوبات فريق نتنياهو تفتقر إلى الجدِّيّة، خشية الإضرار برواتب جيش المتخابرين الذين برهنوا على إخلاصهم للتعليمات. تقارير تتوالى عن نجاحات “تاريخية” تحقّقت بفضل التخابر المنهجي مع الاحتلال. يفاخر القادة الإسرائيليون بما أنجزه المتعاونون معهم تحت العلم الفلسطيني؛ من استقرار الأمن وتكريس الهدوء، رغم تسارع الاستيطان وامتداد الجدار وتفاقم التهويد وانهيار الوعود. تقدير عالٍ لجهود المتعاونين، في رصد المقاومة وخنق أنفاسها، في اعتقال ناشطيها ومعاونيها، في مصادرة مقدّراتها الفنية والمالية، والاستشعار المسبق لعمليّاتها ونشاطاتها. قيل الكثير عن الانسحاب من المفاوضات، ولم تُسمَع كلماتٌ عن وقف التخابر. تعلم “القيادة” أنّ بوسعها الإقلاع المحسوب عن التفاوض المُعلَن، على أن تعود إلى لقاءات مختلفة العناوين. لكنّ التلويح، مجرّد التلويح، بوقف “التنسيق الأمني”؛ يبقى الخطوة التي لا يُقامِر بها سائسو الركب. يمكن تعليق المباحثات السياسية حتى وإن كانت “الحياة مفاوضات”؛ أمّا موضوع التخابر إيّأه فمسألة وجود. ألم يكن واضحاً أنّ السلطة الفلسطينية، هي في جوهرها مشروع أمني، بما يفسِّر حمّى التجنيد المذهلة لأجهزة الأمن منذ مدّ السجادة الحمراء الأولى تحت العلم الفلسطيني؟!. كم هي فادحةٌ ورطة الفلسطينيين مع سلطتهم وأجهزتهم وما تقترفه تحت السطح دون أن تبوح به. لكنّ المؤكد أنّ النهج الشائن إن لم يتعطّل ذاتيّاً؛ فإنّ له مع الشعب موعداً محتوماً. ويبقى أنّ خبرات الانتفاض الفلسطينية، معزّزةً بروح البوعزيزي، كفيلة بقلب الطاولة على المتخابرين وشاراتهم ولافتاتهم. ستتفجّر الفضيحة، وعندما تنجلي الصورة، وتتّضح الأبعاد، وتنكشف الملابسات؛ سيُكتب “التنسيق الأمني” في صفحات التاريخ السوداء، وسيُقال حينها إنّ الشعوب تراقب، تلتقط الإشارات، وقد تَصبر؛ لكنّها تثور بلا استئذان.