الحركة الوطنية الفلسطينية: مسيرة ومراجعة

حجم الخط

المراجعة لمسيرة النضال الوطني الفلسطيني تعتبر خطوة هامة وضرورية، خاصة في هذه المرحلة المعقدة، والتي وصل فيها الرهان على حل سياسي بموجب إتفاقات أوسلو وما تلاها إلى طريق مسدود. في ظل الحديث عن السلام يتمادى العدو الاسرائيلي في تنفيذ مشروعه؛ في تهويد القدس، ومصادرة الأراضي لمزيد من بناء المستوطنات، واستقبال مهاجرين جدد والقيام باعتقالات شبه يومية بما يضاعف  عدد الاسرى ومعامل تهم بقسوة وقهر، ورفض مجرد الحديث عن حق عودة اللاجئين بموجب قراري الأمم المتحدة 194 و 237، وضرب عرض الحائط التقسيمات لمناطق الضفة (أ،ب،ج) ولا يحترم سيادة السلطة على أي جزء من الضفة الغربية لأنها بمنظوره هي (يهودا والسارة) تدخل ضمن (دولة إسرائيل ) ولن يسمح للفلسطينيين فيها بممارسة أكثر من الحكم الذاتي. ما يثير الاستغراب أن القيادة الفلسطينية والفريق المفاوض يعرفون هذه الحقائق وبكل التفاصيل "المستفزة"، والتي وصفها الرئيس أبو مازن بدقة في أحد خطبه في الأمم المتحدة.

مما يستوجب البحث عن خيار آخر غير الرهان على حل سياسي يضع الخصم شروطه ويعمل على تنفيذها على الأرض حسب رؤيته هو. حل لا يراهن عليه  قرارات دولية ولا ينتظر ان توفر له الضمانة أي جهة دولية بما في ذلك الولايات المتحدة بسبب إنحيازها الكامل لأسرائيل.  لقد أظهرت الحقائق التي طرحها أبو مازن فشل المفاوضات، لا بد إذاً من البحث عن طريق آخر.

خطأ التقدير قد يحصل عند الأفراد والمؤسسات والدول على جميع الأصعدة وفي أعلى وأرقى المستويات، وهذا ليس عيباً.  العيب في الأصرار على الاستمرار في الخطأ وعدم العودة إلى طريق الصواب.

قيمة هذه المبادرة فيما تتضمنه الاوراق وما يتناوله المشاركون أثناء لقائهم هو أن تصل إلى حل لأخطر أزمة مرت بها الحركة الوطنية الفلسطينية منذ بداية تصديها للمشروع الصهيوني حتى اليوم.  وتشخص بدقة الأخطاء الاستراتيجية التي وقعت بها لتضع رؤية إستراتيجية بديلة تصلح أساساً لبرنامج سياسي يشكل قاعدة لأعادة الأعتبار للوحدة الوطنية في إطار منظمة االتحيرير الفلسطينية.

 

 

 

 

المرجعيات

ما هي المرجعيات التي علينا الاستناد إليها لتحديد أين أخطأت وأين أصابت الحركة الوطنية الفلسطينية؟.

في تقديري أن الاساس الذي يجب إعتماده في عملية التقييم والمراجعة، يتمثل بشكل أساسي في العودة إلى قراءة مراحل النضال الفلسطيني والبرنامج السياسي في كل مرحلة، وقيادتها.

وأقسمها إلى خمس مراحل: (1)قبل النكبة، (2)بعد النكبة حتى منتصف الستينات، (3) تشكيل منظمة التحرير الفلسطينية وإنطلاقة الثورة الفلسطينية، (4) الأنتفاضة الأولى، (5) مرحلة أوسلو والرهان على الحل السياسي.

المرحلة الأولى

هي الأغنى فيما يمكن ان توفره من تجارب على صعيد؛ تحديد العدو، وتنوع في أساليب وأشكال المقاومة، والتعدد في إطار الوحدة، والترابط بين الوطني والقومي.

في تناولي للوقائع والمعطيات في كل مرحلة لا أخالني بحاجة لذكر الأستشهادات والمراجع لأن جميع المشاركين ملمِّين، ربما أكثر مني، بأدق تفاصيل القضية الفلسطينية. لهذا سأذهب مباشرة إلى محاولة تحديد العناوين  التي تحمل مضموناً إستراتيجياً.

1-العدو؛ أعلنت الحركة الصهيونية عن وجودها وبرنامجها في مؤتمرها الأول عام 1897، الذي تبلور لاحقاً باستهداف فلسطين – من بين خيارات أخرى – لتكون دولة تجمع الشتات اليهودي.

ونجحت بكسب ودّ بريطانيا العظمى زعيمة النظام الرأسمالي في تلك الفترة والدخول معها بصفقة (وعد بلفور) عام 1917 لمساعدتها في إقامة وطن قومي لليهود في فلسطين، وأخذت بريطانيا تفويضاً دولياً من عصبة الأمم عام 1922 لتكون دولة إنتداب، وبكامل الصلاحيات، للعمل على تنفيذ ما إلتزم به وعد بلفور أمام الحركة الصهيونية، باسم حكومته وملكها.

هنا وقعت الحركة الوطنية الفلسطينية في الخطأ الأستراتيجي الأول والأخطر في عدم تحديد العدو بدقة؛ بأنه ليست الحركة الصهيونية صاحبة المشروع الأستيطاني وموجات الهجرة التي تنظمها هي وحدها العدو بل شركائها والملتزمين معها هم أيضاً أعداء.  من الغباء ألا نرى في هذه الأطراف الثلاثة  شركاء في العداء للشعب الفلسطيني.  ولن يكون أي منهم صديقاً أو حليفاً أو مدافعاً عن عدالة القضية الفلسطينية وقد أثبتت ذلك مجريات الأحداث طيلة عمر الأنتداب البريطاني، الذي قدم إلى الحركة الصهيونية كل ما تحتاجه من دعم وتسهيلات لتحقيق مشروعها وفي المقابل استعملت كل أساليب القمع والأرهاب والأضطهاد ضد الشعب الفلسطيني ومحاولة تفتيته وخلق الصراعات الداخلية بين صفوفه حسب النظرية التي إشتهر بها الأستعمار، خاصة  البريطاني، "فرق تسد".

2)الأنقسام: الحركة الوطنية الفلسطينية، التي عليها ان تحمل البرنامج الوطني، وتكون أداة تنفيذه، وقعت في المحذور "الأنقسام" لعدم قدرتها في وضع تصور موحد وتحديد دقيق ومشترك حول من هو العدو؟ وكيف نتعامل معه؟ فحصل الأنقسام الذي أخذ، مع الوقت، طابعاً عائلياً لكنه يحمل مضموناً سياسياً. وقد استغلت سلطة الأنتداب ذلك إلى أقصى حد؛ فالأحزاب الموالية للنشاشيبي، ترحب بالانتداب البريطاني وتدعو إلى التعاون معه، ولا يتردد رئيس أحد هذه الأحزاب وأولها  في التأسيس من أن يعلن ان "أقل ما يتحتم على كل عربي هو موالات بريطانيا العظمى مدى الأيام، ونقش محبتها في قلوب الجيل الحاضر وأبنائه وأبناء الأبناء على توالي الأجيال". ولا يتوانى النشاشيبي نفسه أن يستقبل المندوب السامي روبرت صمويل في القدس ويرحب به "الموفد من قبل صاحب الجلالة ملك بريطانيا العظمى، أعظم ملوك الأرض، لينوب عن جلالته في إدارة هذه البلاد وليجلب السعادة لسكانها". تمشياً مع تطور الأحداث فقد وضعت كتلة النشابي بقيادة "حزب الدفاع الوطني" برنامجاً لا يغضب الأنتداب من ناحية، ويبقيها ضمن الموقع الوطني من ناحية ثانية، يتضمن: (1) السعي لأستقلال فلسطين  إستقلالاً  يكفل لها السيادة العربية. (2) تأليف حكومة وطنية في البلاد تتفق مع رغبات الشعب العربي في فلسطين. (3) السعي لتقدم البلاد إقتصادياً وعلمياً وإجتماعياً وزراعياً.

واضح الأعتدال؛ لا يتطرق إلى سياسة الأنتداب، ولا إلى الهجرة ومخاطر المشروع الصهيوني، ولا إلى محاولات الأستيلاء على الأراضي الفلسطينية بكل السبل الملتوية.

اما الأحزاب الحسينية؛ فكانت أجرأ، نسبياً، في تحديد موقفها السياسي خاصة في بعده العربي، فأعلنت عن غايات حزبها القائد "الحزب العربي الفلسطيني":

1)استقلال فلسطين ورفع الأنتداب، (2)المحافظة على عروبة فلسطين ومقاومة تأسيس وطن قومي لليهود، (3)إرتباط فلسطين بالأقطار العربية في وحدة عربية مستقلة، (4)الأهتمام بتحسين الأحوال في فلسطين إجتماعياً وإقتصادياً وثقافياً.

بجانب هذين الحزبين الأساسيين وحلفائهما تشكلت أحزاب وسطية وأخرى أكثر تطرفاً.

لكن ما يمكن أن يسجل إيجاباً بنتائج سلبية في نفس الوقت هو: حرص جميع الأطراف على عدم اللجوء إلى العنف لحل الخلافات، والتغلب – ما أمكن – على سياسة "فرق تسد" التي تتبعها سلطة الأنتداب البريطاني، والسعي للألتقاء حول قواسم مشتركة، على هذا كانت تعقد مؤتمرات يتم التوصل فيها إلى برنامج الحد الأدنى، ويتوافق مع ميزان القوى للحضور الأكثر عدداً وتأثيراً من الكتلتين المتنافستين (الحسيني، النشاشيبي)، والتطورات المحلية والعربية وتأثيرها على القرار الفلسطيني. لتوضيح ذلك أشير إلى بعض الأمثلة؛ في المؤتمر الأول الذي أتى وكان رداً على المؤتمر الصهيوني الذي عُقد في يافا ووضع خطة العمل: بإعتبار فلسطين وطناً قومياً لليهود، وان يحل مصطلح (أرض إسرائيل) بدل فلسطين.

في هذا المؤتمر الفلسطيني الأول جرى التركيز على طلب  "حكومة  دستورية مستقلة إستقلالاً داخلياً، تتأسس على إختيار الأهالي الوطنيين، وتسن لنفسها قوانين خاصة بها وفقاً لرغبات سكانها". في نفس الوقت أبرز، بقوة، البعد العربي في قراراته السياسية: بإعتبار فلسطين جزءاً من سوريا مرتبطون بها بروابط قومية ودينية ولغوية وطبيعية وأقتصادية وجغرافية، وان لا تنفصل عن حكومة سوريا العربية المستقلة، وان تكون متحررة من جميع أنواع النفوذ والحماية الأجنبية. مع الأشارة هنا إلى أن نجاح العروبيين يفرض توجهاتهم السياسية قابلة نجاح دعاة "فلسطين للفلسطينيين" و "إمكانية التفاهم مع الحركة الصهيونية" إلى تعطيل تشكيل قيادة تعمل على تنفيذ القرارات.

أختلف الأمر في المؤتمر الثالث بسبب التغيرات التي حصلت في المحيط العربي؛ إنهيار حكم فيصل في سوريا وإحتلالها من قبل فرنسا، وضرب الثورة في العراق. كذلك في تشكيلته التي ضمّت جميع الأحزاب بما فيها الموالية إلى سلطة الأنتداب البريطاني، ما مكّن (المؤتمر) من وضع  "الميثاق الوطني الفلسطيني"، خال من البعد العربي، ولا يشكل تحدياً للأنتداب، يركز على المطالب الوطنية في مواجهة المشروع الصهيوني:

1)شجب السياسة الصهيونية التي تنطوي على إقامة وطن قومي لليهود، والمبينة على وعد بلفور. 

2)رفض مبدأ الهجرة اليهودية

3)إقامة حكومة تمثيلية وطنية

هذه القرارات التوافقية سهلّت إنتخاب قيادة "لجنة تنفيذية" بمشاركة ورضى جميع الأطراف.  ربما هذا الذي أعطاها الأستمرارية  حتى وفاة رئيسها عام 1934، بعدها إنحل هذا الأطار الجامع لتعود القطبية المتنافسة المتعارضة إلى حقيقتها، ولتتأطر في حزبين؛ حزب الدفاع الوطني بقيادة آل النشاشيبي، يليه في التشكيل الحزب العربي الفلسطيني بزعامة آل الحسيني.

جرى تقاسم "اللجنة التنفيذية" بين آل الحسيني للرئاسة وتحكم النشاشيبي بالأكثرية ، بينهم – كما يقول المؤرخون – عملاء وجواسيس وسماسرة لبيع الأراضي، هذا لا يجعل منها قيادة حريصة على الدفاع عن الموقف الوطني والالتزام به. إختارت طريقها لتحقيق أهدافها من خلال المفاوضات وارسال الوفود الى لندن لاقناع دولةالأنتداب "التي يرتبط وجودها على أرض فلسطين لتنفيذ مشروع الحركة الصهيونية ، الحد الأدنى من المطالب الوطنية "سن تشريع بيع الأراضي من العرب لغير العرب، وقف الهجرة اليهودية، تأسيس حكومة وطنية نيابية" طبعاً لم تلق التنازلات التدريجية التي كان يقدمها الوفد الفلسطيني مع كل جولة مفاوضات آذاناً صاغية.

هذا الفشل المتكرر للمفاوضات، ونتيجة (للنصائح؟!) البريطانية المتواصلة وافقت القيادة الفلسطينية على الدخول بمفاوضات مباشرة مع قادة الحركة الصهيونية. وهي كانت قد رفضت عرضاً بذلك من وايزمن عام 1930 "في محاولة لإيجاد تفاهم عربي – يهودي"  مؤكدة ان "مفاوضة العرب بصورة رسمية أو شبه رسمية للصهيونيين... هي بحد ذاتها إعتراف بتصريح بلفور والأنتداب الذي بني عليه". على هذا الأساس قاطعت اللجنة التنفيذية وايزمن، وحذرت من محاولاته  "مع بعض الأفراد لجذبهم إليه بطريق الأغراء السياسي وغير السياسي (الرشوة)". وهددت "في نشر أسم كل مخدوع مهما كانت غايته ومهما كان مركزه باعتباره خارجاً على إجماع الأمة ومرتكباً الخيانة العظمى" تغير الوضع إلى نقيضه عامي 1933-1934، فيوساطة من المندوب السامي البريطاني (واكهوب) دخلت القيادة الفلسطينية مع دافيد بن غوريون في مفاوضات مخزية – كما تدل وقائعها – يتضح فيها الفارق بين القيادة الصهيونية الواثقة من نفسها الجريئة في طرح برنامجها والدفاع عنه والقيادة الفلسطينية المربكة المترددة، المتخاذلة. هم أصحاب الأرض (الفلسطينيون) ومع ذلك يطلبون ضمانات لأتفاقات مع الغزاة الطامعين بهم. أستشهد ببعض النصوص من وقائع اللقاءات التي أجراها بن غوريون – بوساطة أنمكليزية – مع قادة فلسطينيين نافذين. يطرح القائد الصهيوني  بوضوح لا لبس فيه "ان هدفنا  هو استقلال الشعب الصهيوني في البلاد على ضفتي الأردن، وليس كأقلية بل كشعب مؤلف من ملايين كثيرة" ويضيف "فإذا كان العرب يوافقون على عودتنا إلى "بلادنا" فاننا سنساعد بنفوذنا السياسي وبعوننا المادي ومساعدتنا الادبية على نهوض الشعب العربي وإتحاده" فيرد  عليه القائد الفلسطيني عوني عبد الهادي "إننا إذا كمنا بمساعدتكم سنحقق إتحادنا فإنني أوافق لا على أربعة ملايين فحسب بل على خمسة ملايين وستة ملايين يهودي في فلسطين".

وفي لقائه مع موسى العلمي بن غوريون يدخل بوضع آلية محددة للشراكة مع الفلسطينيين تمر بمرحلتين: فترة إنتقال ومرحلة نهائية. وإقترح "إشتراكاً متساوياً في فترة الأنتقال بين العرب واليهود في السلطة التنفيذية بالأشتراك مع البريطانيين، والتوسع في الحكم المحلي الذاتي". لم يعترض العلمي، من حيث المبدأ ولكنه طالب بضمانات  لأننا العرب – باعترافه – لا نعتمد على الأنجليز أو على عصبة الأمم إذ أنهم خدعونا مراراً، وأنه بدون ضمان كاف (مِنّ مَنّ) لا يمكن الموافقة على الهجرة اليهودية (!؟). واقترح العلمي ان "يتم أولاً إنشاء الفدرالية ويكون من ضمنها حرية الهجرة (!؟) حتى ليست إلى فلسطين فقط". مرة أخرى  يؤكد بن غوريون هدفهم بلا مواربة  "بالنسبة لليهود فان فلسطين فقط هي التي في الحساب كوطن لهم".

نقل العلمي خلاصة لقاءاته مع بن غوريون إلى المفتي فلم يرفض ولم يعارض وإنما "لم يصدق بأن هناك يهوداً يرون ضرورة التفاهم مع العرب ، وأن من جهته لا يعارض، فقط إذا كان من الممكن تأمين المصالح الدينية والأقتصادية والسياسية لعرب فلسطين". ليأخذ المفتي غطاءاً عربياً فقد عمل على ترتيب لقاء ضم بن غوريون مع إحسان الجابري وشكيب أرسلان. ويبدو أن القائد  الصهيوني أراد أن يحسم الشك باليقين فيما يتعلق بالموقف البريطاني، فقال للزعيمين العربين عندما إلتقاهم مخاطباً من خلالهما الفلسطينيين والعرب: "يجب ان اعلمكم على وجه اليقين ان بريطانيا مرتبطة باليهودية العالمية إرتباطاً محكماً لا تنفصم غراه. واذا تراءى لكم انها تلعب تاره على حبلين، وتظهر لنا ولكم ذات وجهين، إنما الهدف من ذلك تحقيق الوطن القومي اليهودي، رضاءاً أو كرهاً منكم. فهي تراوغكم ولكن لا تجسر على مراوغتنا".

(ما أشبه اليوم بالأمس مع تبديل الاسماء فقط)

الأستخلاصات، ذات  البعد الاستراتيجي مما تقدم، أسجلها بما يلي:

1)إنقسام القيادة الفلسطينية أعطى المجال للنتداب البريطاني لتكريس الأنقسام وتعميقه، وتشجيع ودعم أحزاب موالية له، ويشارك من خلالها في إجتماعات القيادة الفلسطينية ويساهم في إتخاذ قراراتها. من الطبيعي والحال هذه أن تبقى مواقف القيادة الفلسطينية تحت سقف  سلطة الأنتداب. والتنافس بين أطراف القيادة – حتى بقطبيها الحسيني والنشاشيبي – ليس على تصليب المواقف وعلى التمسك بالثوابت، بل على المزيد من المرونة وتقديم التنازلات. والتنافس بين الزعامات الفلسطينية على من هو أشطر في إيجاد قواسم مشتركة مع العدو تجعله مقبولاً للتفاوض معه.

2)وضعت القيادة الفلسطينية برنامج الحد الأدنى وبأجماع حتى القوى الموالية للأنتداب مع ذلك لم تتمسك به وتدافع عنه بل أخضعتها للتغيير والتبديل بما يرضي دولة الأنتداب (الخصم والحكم) من جهة والتدخلات العربية والتأثيرات الخارجية من جهة ثانية.

3)رفضت القيادة الفلسطينية، في البداية، التفاوض مع قادة الحركة الصهيونية لحيثيات كانت مُحْقة، ولكنها بضغط من سلطة الأنتداب قبلت اللقاء مع الرموز الأبرز للحركة الصهيونية. لكن، كما تُظهر الوقائع كم هو مؤسف ومذل وضعيف موقف صاحب الأرض المغروسة جذوره في أعماقها، أمام وقاحة وغطرسة مَنْ يدعي بأنه الأحق بها والعائد إليها ليقيم دولته فوقها.

4)تكرس صعف القيادة الفلسطينية وفشلها عندما حشرت نفسها في خيار واحد وحيد لمواجهة الأنتداب والمشروع الصهيوني، وهو التفاوض من خلال الوفود إلى لندن وإصدار البيانات والمذكرات لتسليمها إلى لجان التحقيق البريطانية التي تتشكل بعد كل إنتفاضة وحراك شعبي متمرد على القيادة والأنتداب.

3)الثورة 1936؛ لم تبدأ أي ثورة في التاريخ  من الصفر، وليس بقرار آني بين الجدران، ولا برغبة ذاتية تعكس طموحات شخصية. بل هي  حصيلة نضالات سياسية وجماهيرية لسنوات طويلة تتراكم شكلاً ومضموناً  إلى أن تأتي لحظة الأنفجار التي يتوافق فيها نضج الظرف الموضوعي مع تأهيل الوضع الذاتي. الأنتفاضة عام  87 أستمرت لسنوات طويلة رغم كل أساليب القمع والأضطهاد التي مارسها العدو الأسرائيلي بسبب تقاطع الظرف  الموضوعي (جرائم الأحتلال  وقسوته) مع العامل الذاتي (القيادة الموحدة) التي كانت تهيء إلى هذه اللحظة وتعمل على إنضاجها.

الثورة الفلسطينية عام 65 لم يكن القرار كافياً لانطلاقتها؛ فلم تأخذ مداها وتتحول إلى ثورة حقيقية إلا عندما  توافق القرار الذاتي مع الظرف الموضوعي الذي تولّد بعد هزيمة الأنظمة العربية عام 67. وهكذا  بالنسبة للثورة الفلسطينية 1936، بدأت تتكون في إطار مجموعات متعددة، خاصة الشباب، تعارض القيادة الفلسطينية التقليدية، المتنفذة، المتحكمة بالقرار (!؟) وتنتقد سياساتها المهادنة مع الأنتداب البريطاني وترى فيه صديقاً يمكن إقناعه للعدول عن وعد بلفور ووقف  الهجرة اليهودية إلى فلسطين، وتمكين الشعب الفلسطيني من إجراء إنتخابات وتشكيل حكومة وطنية.

شباب ومجموعات وصلت إلى قناعة، بالاستناد إلى الوثائق الواضحة، والتحليل الواقعي، والممارسة الملموسة ان بريطانيا لن تتخلى عن إلتزامها للحكرة الصهيونية. فبدأت تأخذ مبادرات تتجاوز القيادة التقليدية (اللجنة التنفيذية) منها:

-مؤتمر الشباب العربي الفلسطيني، كانون ثاني 1932؛ الذي وضع ميثاقاَ قومياَ يؤكد على:

*استقلال فلسطين استقلالاَ تاماَ ضمن الوحدة العربية

*عدم الاعتراف بالانتداب ووعد بلفور وكل سياسة تتنافى مع استقلال البلاد

*تنمية العلاقات السياسية والاقتصادية والادبية مع الاقطار العربية

*اراضي فلسطين برمتها اراضِ عربية مقدسة وكل من سعى او سمح ببيع جزء منها الى الصهيونية يعد مقترفاً للخيانة الكبرى

وفي المؤتمر الثاني للشباب متجاوبا مع المناخ العام لظاهرة الكفاح المسلح صدرت الدعوة الى "مكافحة الاستعمارين الانكليزي واليهودي".

المرأة ايضاَ كان لها موقفها فعقد المؤتمر النسائي العربي الفلسطيني ىتشرين الثاني 1929 واتخذ قرارات: برفض وعد بلفور والهجرة اليهودية وتأييد حكومة وطنية مسؤولة امام مجلسس نيابي. وقام المؤتمرون بخطوة رمزية ضد الانتداب فساروا في مظاهرة بالسيارات في شوارع القدس احتجاجا على سياسة المندوب السامي.

وبتعبيرات غاضبة توجهت النساء الى الحزبين المتعارضين بنداء يعلن  "أنتهى  فريق من هذه الامة المنكوبة بزعمائها والاستعمارين الانكليزي والصهيوني ..... ندعوكم  الى تناسي خلافاتكم والعمل متعاونين لنجاة الوطن وانقاذ المستقبل او تلقى عليكم تبعة هلاكنا وخراب الوطن" (برسم فتح وحماس).

-مؤتمر اصحاب الصحف العبربية ايلول 1931؛ يعلنون احتجاجهم واستنكارهم "لخطة الظلم والارهاق التي تسير عليها الحكومة البريطانية بفلسطين في سياستها التي  تستمد روحها من مباديء الاستعمار والصهيونية منذ الاحتلال البريطاني الى اليوم".

-مؤتمر وطني في نابلس؛ يعقد بعد يومين من مؤتمر الصحفييين يهاجم "السياسة الفاشلة" التي سارت عليها اللجنة التنفيذية والهيئات الوطنية في فلسطين على مدى ثلاثة عشر عاماَ ويدعو الى عدم التفاوض مع الحكومة البر يطانية إلا على أساس المطالبة بالأستقلال ضمن الوحدة العربية والى ضرورة الاعلان ان مسألة التفاهم ىبين العرب واليهود مستحيلة "ما دام الصهيونيون يصرون على إتباع مباديء تخالف مباديء العرب الوطنية والسياسية".

 

هذه المؤتمرات التي تتبلور من خلالها مواقف سياسية واضحة ضد المشروع الصهيوني والاستعمار البريطاني  وتنتقد سياسة القيسادة التقليدية  وتتمرد عليها في اكثر من مناسبة لتكون هي صاحبة القرار في تحريك وقيادة الشارع الفلسطيني هذه المؤتمرات اوجدت الحاضنة السياسية والتنظيمية والجماهيرية والتعبوية للثورة الفلسطينية التي كانت  حصيلة ارهاصات مبكرة في مجال الأعداد العسكري والتحضير للكفاح المسلح، منها:

-الجمعية الفدائية ؛ أول محاولة لتشكيل تنظيم فدائي سري يسعى لتسليح عناصره بالتنسيق مع رجال البوليس الفلسطينية في حكومة الانتداب واستهداف العملاء والمتعاونين مع الصهاينة ودراسة اللغة العبرية (لغة العدو) للتعرف عليه.

-هبة البراق آب 1929 ؛ فجّرت غضباَ مكبوتا عند الاوساط الفلسطينية الواسعة،  فغصّت شوارع القدس واكثر المدن الفلسطينية بمظاهرات ضخمة غير مسبوقة تطورت الى صدامات مسلحة اقتحم بعضها احياءاَ يهودية وأخرى هاجمت مستوطنات صهيونية ودمرتها.  إتضح أثناء الاحداث الانحياز الكامل للقوات البريطانية الى جانب المستوطنين الصهاينة واستقدمت حكومة الانتداب قوات اضافية برية وبحرية وجوية من مالطا ومصر والاردن مما يدل على عنف المعارك التي كانت تعم مناطق فلسطين والمخاطر التي يتعرض لها المستوطنون والمستعمرون الذين يستهدفهم الثائرون على حد سواء.

 

-الكف الاخضر؛ انتفاضة البراق الثورية عمقت الفرز بين القيادة التقليدية والقيادة الثورية في مرحلة التكوين والتي كانت احدى تعبيراتها تشكيل "الكف الاخضر" كخطوة متقدمة عن "الجمعية الفدائية".  التجأ المؤسسون الشباب الى الجبال في مناطق صفد وعكا وسمخ وقاموا بعدة عمليات ضد المسستوطنات الصهيونية الى ان تمكنتا القوات البريطانية من اعتقال زعيم المجموعة (احمد طافش) في الاردن، وبالتنسيق مع الجيش في سوريا اعتقلت القسم الاكبر من ثوار "الكف الاخضر"، ولم تقدم لهم القيادة التقليدية اي دعم ولم تشجع ىانتقال هذه المبادرة الكفاحية الى مناطق اخرى مما أدى إلى فشلها.

عصابة أبو جلدة 1933؛ فلاح فلسطيني استقطب حوله مجموعة من الفلاحين الذين صودرت اراضيهم، تركز نشاطهم في جبال نابلس وفي الجليل يستهدفون رجال البوليس الذين يتعاونون مع الانتداب البريطاني.  ووجه نداءاَ يدعو الى مقاومة حكومة الانتداب "ورمي الانكليز في البحر".  وبعد التضييق عليه في جبال نابلس توجه الى منطقة الحولة لمراقبة وضع عمليات تهريب اليهود عبر الحدود السورية مع فلسطين. سيرت القوات البريطانية لمطاردة الطيارات والدبابات ومئات الجنود ولكنها لم تقو على أسره أو القاء القبض عليه إلا بعد وشاية عليه وعلى رجاله من أحد مجموعته وحكم عليه بالاعدام.

 

-الثورة القسامية؛ هي الاكثر تنظيماً من كل المحاولات السابقة لاطلاق شرارة الكفاح المسلح. الشيخ القسام الذي هرب من سوريا الى حيفا بسبب اشتراكه بالمقاومة ضد الفرنسيين اكسبته خبرة غذتها معاناته مع الشعب الفلسطيني من الانتداب البريطاني، فأيقن ان الاستعمار واحد واطماعه في الوطن العربي واحدة ودعمه للمشروع الصهيوني لا يحتاج الى اثبات فالوقائع اليومية تؤكده، لهذا اخذ من موقعه كأمام جامع يعد لثورة مسلحة ضد الاستعمار البريطاني والتغلغل الصهيوني ويوزع مؤيديه الى مجموعات (للدعوة، التموين،  التدريب العسكري،  التجسس على العدو،  العلاقات الخارجية) وذلك تمهيدا لانطلاقة الثورة. توجه القسام ورفاقه ليلة 26-27 تشرين اول 1935 للتمركز في مغارة في قرية نورس تمهيداً لاعلان ساعة الصفر. لكن سوء الحظ والصدفة أدت الى كشف مكانهم وتمت مطاردتهم حتى تمكنت القوات البريطانية من القضاء عليهم في خربة الشيخ زيد.  لقد اعطى الحشد الجماهيري الضخم الذي سار بجنازته والهتافات التي رفعت "بسقوط الاستعمار البريطاني والوطن القومي اليهودي"  والصدامات التي قام بها الشباب مع القوات الانكليزية مؤشراً واضحاً للمزاج الشعبي واستعداداته لاحتضان الثورة.

-ثورة 1936؛ كل تلك الارهاصات والمبادرات اعلاه ادت الى تفجير الثورة الفلسطينية الكبرى وكان الفلاحون في الارياف بالدرجة الاولى والعمال في المدن الكبرى بالدرجة الثانية هم المكون الاساسي لها وهم وقودها ومن بين صفوفهم تشكلت قيادتها.

بعيداً عن التحليل السياسي للظروف السياسية المحيطة بفلسطين (عربياً ودولياً) والوضع الاقتصادي الصعب في البلد وحجم معاناة الفلاحين والعمال من جراء الاحتلال البريطاني والهجرة الصهيونية فقد انطلقت "ثورة 36" بقوة وزخم والتفاف جماهيري جرف القيادات التقليدية وعطل دورها وفرض قيادات ميدانية امسكت هي بالقرار.

كُتب الكثير عن الثورة عام 1936 التي مرت بمرحلتين:

الاولى؛ الاضراب الكبير وتطور الى عصيان مدني ثم انتقل الى عمليات عسكرية متفرقة وانتهى بتدخل حثيث من زعماء الدول العربية وبالتنسيق مع اللجنة العربية العليا (التي تشكلت من الاحزاب بعد انطلاقة الثورة حتى تجد لها مكانا فيها وتستطيع   ما امكن احتوائها او تركب موجتها). وقد اتتها الفرصة بالوساطة التي تبرع الملوك والامراء العرب القيام بها، من خلالهم، لانهاء الاضراب طليعة الثورة وقد نجحوا في ذلك مقابل وعد فضفاض يدعو الى "وقف الاضراب والاضطرابات اعتمادا على حسن نوايا صديقتنا الحكومة البريطانية ورغبتها المعلنة لتحقيق العدل؟!"  في حين ان وزير المستعمرات (أو رمسيي غور) صرح امام مجلس العموم "لم تتقدم حكومة صاحب الجلالة او المندوب السامي لفلسطين باي طلب على الاطلاق الى اي من الحكام العرب للمساعدة او المشورة فيما يتعلق بفلسطين. ان الحكام العرب قد أبدوا تلقائياً وبالطرق الدبلوماسية رغبتهم في استعمال نفوذهم لدى عرب فلسطين لصالح السلام".

واكد غور "ولم تقدمى حكومة صاحب الجلالة اية تعهدات او وعود صريحة أو ضمنية كما انه كان واضحا تماما للحكام المعنيين ان حكومة صاحخب الجلالة غير مستعدة للدخول في أي نوع من التعهدات على الاطلاق".

رغم هذا الموقف الواضح من وزير المستعمرات البريطاني فان الحاج أمين الحسيني بعد عودته من السعودية ولقائه مع الملك عبد العزيز لمن يتوان في اصدار بيان موجه الى الغاضبين من انهاء الاضراب، ويستنكر اعمال العنف والاغتيال في البلاد ويعلن باسم اللجنة العربية العليا ان "المصلحة الوطنية تقضي باستمرار العرب على اتباع نصائح اصحاب الجلالة والسمو بالاخلاد الى الهدوء والسكينة التامة ونرجو من الامة الكريمة ان تجتنب ثورة العواطف واعمال العنمف منتظرة بقلوب ملؤها الايمان ونفوس مشبعة بعدالة القضية العربية ما وعدت به من العدل والانصاف".

لكن الامور سارت بعكس ما تشتهي سفن القيادة؛ فمشروع التقسيم الذي قدمته اللجنة الملكية ورفضه الفلسطينيون والعرب فتح الابواب لمزيد من المهاجرين اليهود وتأكيد حكومة جلالته على التزامها بالوطن القومي لليهود، وموجة الاعتقالات الواسعة للمناضلين الفلسطينيين وعدم الارتياح باوساط الجماهير أسلوب عمل القيادة وقبولها (النصائح) العربية، ورضوخها لضغوطات المندوب السامي البريطاني والاحتقان الشعبي من قسوة الاحتلال وظلمه كلها عوامل ادت لاستئناف مسيرة الثورة المسلحة التي هدأت لفترة بسبب تدخل النظام العربي الرسمي وتراخي القيادة الفلسطينية التقليدية.

لست بصدد تقييم الثورة الفلسطينية لكني اشير اليها هنا كخيار صعب انما يمكن ان يوصل الى نتائج تخدم المشروع الوطني في مقابل الخيار السهل (المفاوضات والوفود)التي لا تؤدي الى اعطاء وقت وفرص للعدو هو الاقدر على استثمارها.  منذ الاحتلال البريطاني 1917 الذي تكرس دولة انتداب 1922 حتى انطلاقة الثورة الفلسطينية 1936-1939  كان الاسلوب الطاغي في تعامل القيادة مع العدو هو "المفاوضات" وترفض اي بديل آخر  ولم تحقق شيئاً الا مزيد من الازدراء والاستهزاء ممن فاوض معهم (انكليز ويهود) . في حين ان الثورة – التي تدفع الجماهير بكل الرضى والحماس – تكاليفها الباهظة بأرواحهم وأموالهم ومعاناتهم الجسدية  والنفسية هي التي تستطيع ان تفرض على العدو الاعتراف بأهدافها وحقها الحصول عليها.  وقد اتضح ذلك من خلال مؤتمر لندن الذي دعت له الحكومة البريطانية بمشاركة وفود فلسطينية وعربية تحت ضغط الثورة والفشل في القضاء عليها.

في هذا المؤتمر قدمت بريطانيا مقترحات محددة تحمل تراجعا صريحا عن "وعد بلفور" تتضمن "اقامة دولة فلسطينية مستقلة قد تكون ذات صيغة اتحادية مرتبطة مع بريطانيا العظمى بمعاهدة تكفل للبلدين مصالحهما التجارية والحربية وهذا يستدعي انهاء الانتداب".  وقد أعلنت الحكومة البريطانية هذا الموقف بمزيد من التفاصيل فيما سمي "الكتاب الابيض".

وصلت الحكومة البريطانية إلى قناعة أنه لا يمكن "التوفيق بين مصالح لاعرب أصحاب الأرض الأصليين ولايهود الطارئين: وأنها لن تستطيع أن ترعى قيام وطن قومي لليهود في فلسطين. وأنها عاجزة عن تنفيذ أكثر مما قدمته للحركة الصهيونية من وجود فعلي على الأرض، ومناخات سياسية مواتية، تمكنها هي بالقوة الذاتية التي ساعدتها على إحتلالها أن تفرض قيام دولتها.  لذا فبعد أن أطمأنت بريطانيا لذلك، ولدور القوة الجديدة الصاعدة في المحافل الدولية، قررت إرسال مذكرة إلى الأمين العام لهيئة الأمم المتحدة تطالبه فيها عرض قضية فلسطين في دوره خاصة. هي التي انتهت بقرار التقسيم 29 تشرين الثاني 1947.

 

 

 

 قوبل هذا القرار بالرفض القاطع من الفلسطينيين والعرب وذلك للأسباب التالية:

1)لأن الفلسطينيين هم أصحاب الأرض الأصليين، الذين يعيشون فوقها ويدفنون أباءهم وأجدادهم تحت ترابها منذ الاف السنين، فيها تشكلت ثقافتهم وقيمهم الحضارية.  أنه جبن وعار أن يتخلى الانسان عن وطنه أو حبة تراب من أرضه.

 

2)كل الوثائق الصادرة حول المشروع الصهيوني وتصريحات دعاته ومؤسسيه والعاملين لتحقيقه تؤكد أنه مشروع إجلائي استيطاني عنصري، فلا يمكن التعايش معه ويستحيل القبول به.  ولم يخفوا  (القادة الصهاينة) موقفهم من قبول قرار التقسيم بأنه خطوة للأنقضاض بعدها على ما تبقى من فلسطين؛ وقد ظهر هذا جلياً في حرب 48 فهل تراجعوا إلى حدود قرار التقسيم؟ وفي حرب 67 هل تراجعوا عن المناطق التي إحتلوها مما تبقى من أرض فلسطين رغم القرارات الدولية المتكررة؟  وحتى الأراضي العربية التي إحتلوها (الجولان، مزارع شبعا، سيناء) وهي ليست جزءاً من فلسطين هل إنسحبوا منها تنفيذاً  للقرارات الدولية؟ وعندما إنسحبوا من سيناء فبشروط مذلّة للنظام في مصر.

(مرة أخرى: المعرفة الدقيقة للعدو تساعد على إتخاذ الموقف الصحيح منه).

 

3)قرار التقسيم يتنافى مع المباديء والقيم التي قامت على أساسها الهيئة الدولية "الأمم المتحدة" مثل حق الشعوب في تقرير مصيرها، وحقوق الأنسان، وعدم جواز إحتلال أرض الغير بالقوة.

 

4)وعلى أرض الواقع فان قرار التقسيم يتناقض مع أي حل منصف ويسبب المزيد من المشاكل،  ويولّد  أرضية لأستمرار الصراع ويتنافى مع المعطيات على الأرض؛ ففي عام 47 كان عدد اليهود في فلسطين 31% يملكون حوالي 6% من مساحة فلسطين – هذا مع كل الجهود والتسهيلات التي قدمها الأنتداب البريطاني لتسهيل هجرة اليهود إلى فلسطين ومساعدتهم في إحتلال أرض ليست لهم – في حين أن قرار التقسيم يعطيهم 56% من مساحة فلسطين فكيف يمكن ان يستو الوضع وعدد العرب في الدولة المقترحة للصهاينة أكثر من عدد اليهود (509,780 عرب يقابلهم 499,020 يهود)، وفي الدولة المقترحة للفاسطينيين يسكنها 735,000 عربي ومعهم 10,000 يهودي.

 

 

 

 

(المشروع يحمل في داخله عناصر تناقضه ومبررات رفضه من الفلسطينيين)

إستؤنفت الثورة على إمتداد الوطن، وشملت عملياتها القوات البريطانية كما الصهيونية، وكانت من القوة والتأثير بحيث فرضت على مندوب الولايات المتحدة – الذي بذلت حكومته كل أساليب الترغيب والترهيب لفرض قرار التقسيم – أن يعلن في آذار 1948 "سحب حكومته لتأييد التقسيم"  وإقترح "وضع فلسطين تحت الوصاية" وإعادة القضية إلى هيئة الأمم ودعوة العرب واليهود إلى عقد هدنة سلمية عسكرية إنتظاراً للنتيجة".

ماذا حدث بعد ذلك؟ وكيف تمكنت القوات الصهيونية من هزيمة الجيوش العربية؟  الجواب يضعنا مرة أخرى أمام مسؤلية النظام العربي في التواطوء على نضال الشعب الفلسطيني وضياع فلسطين.

من الأخطاء الأستراتيجية المدمرة: أن الأحزاب والقوى السياسية المتعاقبة والقيادات بقدر ما أنها لا تتعمق بمعرفة عدوها لتكون أقدر في تحديد كيفية مواجهته ، هي أيضاً لا تقرأ تاريخ شعوبها لتأخذ منه العبر والدروس، وتتجنب الوقوع في سقطاته الاستراتيجية ، أهمها:

 

1)أن القوى الفاعلة والحية في أوساط الشعب الفلسطيني فرضت خياراً آخر غير خيار المفاوضات الذي سارت عليه القيادة التقليدية "الكفاح المسلح".  خيار صعب ومكلف صحيح،ة لكن الذين إختاروه هم يتحملون مسؤوليته ويدفعون تكلفته بطيب خاطر، وفي الوقت الذي ثبت فشل أسلوب القيادة التقليدية على مدى ما يقرب العشرين عاماً فقد أثبتت تجربة المقاومة المسلحة والصمود الشعبي في المواجهة القدرة على تحقيق الأنجازات وأن تفرض على الدولتين العظيمتيين أن تتراجعا أمام الصلابة في الموقف والتحدي  في الدفاع عن الحقوق العادلة للشعب الفلسطيني، وذلك في محطتين مفصليتين:

الأولى؛ عندما نجحت الثورة الفلسطينية  أن تفرض عام 1939 على حكومة الأنتداب البريطاني إصدار الكتاب الأبيض الذي يحمل تراجعاً عن وعد بلفور، ويعترف بحق الشعب الفلسطيني إقامة دولته المستقلة على كامل أرض الوطن.

والثانية؛ عندما إضطرت الولايات المتحدة الأميركية أن تتراجع عن قرار التقسيم، رغم الجهود الأستثنائية التي بذلتها – بالترهيب والترغيب – لأقراره في هيئة الأمم المتحدة، لأنها شعرت – كسابقتها بريطانيا – في العجز على تنفيذه بسبب المقاومة الفلسطينية.

 

2)يتضح من خلال الوثائق ان الدول العربية ممثلة بجامعتها التي تشكلت بتشجيع من بريطانيا باسم "جامعة الدول العربية" كانت تدرك أن أبعاد المشروع الصهيوني لا تقف عند حدود فلسطين بل تتسع لتشمل الدول العربية.

لكن هذه الدول – كالقايدة الفلسطينية – لم تستطع ولم تجرؤ على تجاوز السقف الذي تحدده بريطانيا للتصدي إلى الأطماع الصهيونية في المنطقة العربية.  لذا تمكنت حكومة الأنتداب أن تتلاعب بالقيادتين العربية والفلسطينية، وتستخدمهما في إجهاض ثورة 36 – 39، وإحتواء المواجهة الصلبة ضد مشروع التقسيم 47، بالدعوة إلى الهدنة تارة والطلب إلى الفلسطينيين بالتنحي جانباً من أمام الجيوش العربية الزاحفة لتحرير فلسطين – بقيادة ضابط بريطاني – من ناحية أخرى.

 

3)من الواضح أن قرار التقسيم وما أعقبه، كشف دور الراعي الجديد للمشروع الصهيوني (الولايات المتحدة الأميركية) وتجسيده على الأرض بإقامة "الوطن القومي لليهود" على ارض فلسطين وإعلان (دولة إسرائيل). نجح المشروع الصهيوني باغتصاب فلسطين وإقامة دولة إسرائيل. وفشل الفلصسطينيون والعرب في الدفاع عن أرضهم وحماية وطنهم. هل من العقل والحكمة أن نلجأ إلى راعي المشروع الصهيوني، والذي يقدم الدعم لضمان وجود إسرائيل وأستمراراها، ويوفر لها كل الحماية، ونطلب منه الدعم والمساعدة؟ نفس خطأ الرهان على بريطانيا يتكرر في الرهان على أميركا.

 

مرحلة ما بعد التسلح: مرحلة ما بعد النكبة؛ التي ولّدت موجة اللجوء المميزة في التاريخ الحديث بحجمها، وتعقيداتها، واستمراريتها. والتي أظهرت الوثائق الصهيونية لاحقاً بأنها جزء من مخطط  يستهدف تفريغ فلسطين من سكانها الأصليين ليحل مكانهم مستوطنون من أنحاء العالم.

نتج عن النكبة ثلاث مشكلات:

الأولى؛ "المرجعية":  وذلك بعد ان فقدت الهيئة العربية العليا، المشكلة بقرار من الجامعة العربية عند تأسيسها، أي تأثير فعلي على الأرض.

شكلت الجامعة العربية حكومة عموم فلسطين، وعينت رئيسها (أحمد حلمي باشا) ووزرائه.  لم تعش طويلاً  ليس بسبب معارضة الأردن، وإنما لأنها لا تملك مقومات الدولة (لا شعب ولا أرض). أضف إلى أنها ليست صاحبة قرار في شيء.  أستقال وزراؤها وبقي رئيسها ممثلاً لفلسطين في الجامعة العربية.

 

الثانية؛  "الأرض": أُقيم الكيان الصهيوني على مساحة 87% من أرض فلسطين أي بزيادة 22% من الأرض وترفض الأنسحاب منها مع أنها إلتزمت بتنفيذ قرار التقسيم 181 كشرط لقبولها عضواً غي الأمم المتحدة. والقسم المتبقي من الأرض ولم تحتله قوات الحركة الصهيونية عام 48 (قطاع غزة والضفة الغربية) جرى تقاسمها بين مصر والأردن فأخضعت الأولى (القطاع) إلى إدارة حاكم عسكري يتصرف بكامل شؤونها، وضمت الثانية الضفة إلى مملكتها.

 

(فلم يبق مساحة من الأرض اسمها فلسطين)

يضاف الى موضوع الأرض نقطة مهمة، نادراً ما يجري تداولها، وهي المناطق منزوعة السلاح التي تتضمنها اتفاقات الهدنة للدول العربية مع (إسرائيل)، وقد جرى إحتلالها جميعها من قبل العدو الاسرائيلي ولم تردعه لا الأتفاقات ولا التهديدات العنترية للأنظمة العربية، ولا قرار التقسيم التي تقع هذه المناطق خارجه.

الثالثة؛ "مشكلة اللاجئين":  قادة الكيان الصهيوني لا يخفون مواقفهم؛ فان من يهجّر السكان الأصليين من أرضهم بموجب خطة مدروسة ومعدة سابقاً لا يمكن أن يسمح لهم بالعودة إلى الأماكن التي هُجّروا منها؛ فرفضوا تنفيذ قرار الأمم المتحدة 194 الذي كان أحد شروط قبول عضويتها في الأمم كما رفضت عشرات القرارات الصادرة عن الهيئات الدولية بهذا الشأن . المتتبع لسياسة إسرائيل في موضوع اللاجئين بعد النكبة يلحظ أنها سارت ضمن ثلاثة خطوط: الأول؛ رفض تنفيذ أي قرار يتعلق في موضوع عودة اللاجئين. الثاني؛ نحاولة الغاء قرار 194 أو تعديله . والثالث؛ محاولة إختصار كل قضية فلسطين باعتبارها قضية لاجئين، وان يكون حلها مدخلاً لأنهاء الصراع العربي الاسرائيلي وإقامة الصلح بينهما.  هكذا بدأت المشاريع تتوالى العام تلو العام وجميعها بمبادرة أميركية أو تحت رعايتها. خُصصت لها ميزانيات طائلة، واستعملت الأونروا اداة تنفيذ بيدها كل القدرات الادارية واللوجستية لتقوم بهذه المهمة في كل ميادين عملها (لبنان، سوريا، الأردن، غزة)، ونالت بعض المشاريع وجميعها تحمل مضمون اقتصادي ببعد سياسي – موافقة الدول العربية.  جميع هذه المشاريع فشلت، والنضالات السياسية الجماهيرية التي أفشلتها هي التي أسست لأنطلاقة الثورة الفلسطينية لاحقاً تصوروا لو ان أي من المشاريع العديدة التي جرى العمل على تنفيذها قد نجح بحل مشكلة اللاجئين من خلال توطينهم أو تجنيسهم في البلدان المقيمين فيها أو تهجيرهم إلى بلد ثالث يقبل بهم، وأن يتم ذلك في سياق الصلح بين العرب وإسرائيل، ألا يترك ذلك صعوبة جدية أمام إمكانية إنطلاق ثورة فلسطينية في المدى الذي إنطلقت به بالستينات؟

يجري  تجاهل هذه المرحلة،  لا يوجد إهتمام حول كيفية إفشال هذه المشاريع ومَنّ أفشلها.  هذا مثل آخر على أهمية قراءة المناضلين لتاريخهم ولاترابط بين مراحل نضال شعوبهم.

في هذه المرحلة التي خرج فيها جيل ________النكبة مهزوماً، يائساً، محبطاً ظهر من بين انقاض المآساة العربية وبؤس المخيمات جيل ما بعد النكبة. جيل الشباب المتمرد الرافض للخضوع والأستستلام للأمر الواقع.  فرض نفسه قيادة فعلية للشارع الفلسطيني ولم ينتظر الشرعية أو الأعتراف الرسمي من أحد.

هنا في هذه المرحلة كان للمقاومة الشعبية تأثيرها وللحراك الجماهيري مفاعيله.  المقاومة في سلاح الأضراب والأعتصام والتظاهر وتوزيع القصاصات والبيانات في جميع المخيمات، وعلى مختلف أماكن توزعها في الدول العربية هو الذي أعطى ثماره في الحفاظ على القضية الفلسطينية حيّة وحمى حق العودة من التفريط وأفشل كل المشاريع.

 

 

 

أهم الأستخلاصات الاستراتيجية في هذه المرحلة:

-في الوقت الذي يغتصب العدو الأرض ويدافع عنها باستماته ويرفض التخلي عن شبر منها بل يعمل للأستيلاء على المزيد، نجدنا فلسطينيين وعرب نستسهل التنازل عن الأرض؛ تنازلنا عن المناطق المغتصبة عام 48، بدءاً بتلك التي يتضمنها قرار التقسيم (56% من مساحة فلسطين) إلى المساحة المضافة لها في حرب 67 أي (22%) إلى المناطق المنزوعة السلاح بموجب إتفاقات الهيئة.

-فبدل أن تتوزع مصر والأردن قطاع غزة والضفة الغربية بينهما كان من الأجدى أن تكون هي الأرض لحكومة عموم فلسطين، ومنها يستأنف النضال بالأشكال الممكنة، وباحتضان من مصر والأردن وغيرهما من دول الجامعة العربية لأسترجاع ما أغتصب.  وإذا كانت الدول العربية عاجزة عن القيام بهذا الدور الحاضن، وهي كذلك، فعلى الأقل تمكن الفلسطينيين من إقامة سلطتهم وتدبير شؤونهم إلى أن يتوفر الظرف المناسب.

-في هذه المرحلة حصل أول إختبار للتفاوض مع الكيان الصهيوني الوليد في "مؤتمر لوزان" الذي إستُدرج إليه الحكام العرب للبحث في موضوع  قبول (إسرائيل) عضواً في الأمم المتحدة، على قاعدة موافقة إسرائيل على جدول أعمال يتضمن:

1)التقسيم وحدوده مع بعض التعديلات التي تقتضيها الاعتبارات الفنية.

2)تدويل القدس

3)عودة اللاجئين وحقهم في التصرف في أموالهم وأملاكهم وحقوقهم وحق التعويض على الذين لا يرغبون في العودة منهم.

في هذا المؤتمر الذي عقد جلساته تحت إشراف "لجنة التوفيق" المكلفة من الأمم المتحدة حصلت إسرائيل على:

-الأعتراف بها من الدول لمجرد الجلوس والتفاوض معها.

-قبولها عضواً في الأمم المتحدة

-إطمئنان إسرائيل إلى إستمرار الأحتضان والدعم اللا محدود لها في تحقيق أغراضها  وذلك من خلال ما قدمته الدولتان من  تسهيلات للتهرب من الألتزام بأي موقف تجاه القضايا الثلاثة المطروحة في جدول الأعمال (الأرض، القدس، اللاجئين). (أخذ الاسرائيليون ما يريدون وخرج العرب بما لا يشتهون).

&