تونس: مشاهدات الحاضر واستقراء المستقبل - الجزء الأول

حجم الخط
الجزء الأول هي تونس، رائدة الثورات العربية، والأولى التي رسمت ملامح مستقبلها بعد انتخابات اكتوبر الماضي، ما حدث ويحدث هناك اذن يستحق الوقوف عنده وهو ما ساحاول فعله هنا. الجزء الأول هذا هو وصفي لمعالم تونس وملامح واقعها والأماكن التي زرتها، وهذا في اطار ما اسماه زميلي الصحفي عاطف سعد " بالصحافة السياحية " عندما كتبت شيئأ مشابهاً عن زيارتي لاقليم كردستان العراق الصيف الماضي، مضيفاً ان قراءة مقالة كهذه تغنيك عن زيارة المكان لاستكشافه. المنتدى العربي الخامس للصحافة الحرة مدينة قرطاج الساحلية كانت المحطة الأولى لزيارتي تونس حيث عقد على مدى ثلاثة أيام المنتدى العربي الخامس للصحافة الحرة بمشاركة نحو مئتي صحفي وناشط حقوقي من ثمانية عشر دولة عربية واجنبية. الغالبية العظمى ان لم يكن جميع الحاضرين والمتحدثين كانوا من معارضي الأنظمة الحاكمة في بلدانهم ويعملون في وسائل اعلام خاصة او صحفيين مستقلين. حلقات النقاش تمحورت حول عنوان رئيس " وسائل اعلام ثورية، أم وسائل اعلام في ثورة ؟" وبطبيعة الحال فان جلسات العمل تركزت حول واقع ودور وسائل الاعلام والصحفيين في البلدان التي خاضت او تخوض غمار ثورات وحراك التغيير والدمقرطة بدء من تونس الى مصر وليبيا واليمن وسوريا والبحرين والمغرب، كما كان لفلسطين المحتلة حضورها بخصوصية وضعها وتعدد الجهات المنتهكة لحقوق صحفييها ووسائل اعلامها، الاحتلال وسلطة الضفة وسلطة غزة. اللقاءات والتفاعلات الثنائية والجماعية على هامش اعمال المنتدى افضت الى الخروج بعدة افكار وأنوية لتشكيل أطر وتجمعات تهدف لتدعيم المسار الديمقراطي الجديد في وسائل الاعلام العربية والنقابات والجمعيات الصحفية التي شهدت وتشهد حراكاً مواكباً للتغيير الحاصل في الوطن العربي. نقابة الصحفيين التوانسة بعد انتهاء اعمال المنتدى، توجهت الى تونس العاصمة التي ازورها للمرة الأولى برفقة صحفي تونسي كان من المشاركين باعمال المنتدى، ولكوني عضوا في الامانة العامة لنقابة الصحفيين الفلسطينيين فقد كانت النقابة الوطنية للصحفيين التونسيين اولى محطاتي، تعرفت الى النقيبة الزميلة نجيبة الحمروني والى نائبتها سلمى الجلاصي وعضو مجلسها مسؤول ملف الحريات ايمن رزقي. النقابة بتركيبتها الحالية تم انتخابها بعد بضعة أشهر من انحلال النظام السابق، ما يعني انها تمثل الخيار الصادق للصحفيين، أي ان خيارهم ان تقودهم صحفية وليس صحفي في تجربة عربية نادرة تعكس لا رغبة التغيير الشكلي فحسب، بل ايضاً ترجمة لثقافة كانت حبيسة كما اصوات الصحفيين ووسائل الاعلام التي ما زالت تصارع من أجل تجذير التغيير وتأكيد استقلاليتها ومهنينتها عبر الفكاك مع نهج الاعلام كاداة لتثبيت ثقافة النخبة الحاكمة والتحول لنهج الاعلام كاداة لكشف الحقيقة والتعبير عن المجتمع بمكوناته المختلفة وثقافته المتنوعة. اجندة النقابة لا تزال تزخر بملفات متابعة قضايا انتهاك حقوق الصحفيين ووسائل الاعلام، قناة نسمة المستقلة تقدم الى المحاكمة بدعوى بثها مادة فلمية تسيء الى الدين الاسلامي، وعند مدخل المحكمة يتم الاعتداء على صحفيين كانوا يغطون اعمال المحكمة، وفي قنوات أخرى تجري عمليات تنقل وتعيين جزافية اعتبارها الوحيد هو الولاء لاحزاب النظام الجديد قيد التكوين. اذن هو صراع القديم نهجاً مع الجديد قيد التكوين. حزب العمال الشيوعي محطتي الثانية كانت مقر حزب العمال الشيوعي التونسي الذي اليه ينتمي صديقي الصحفي التونسي الفاهم بوكدوس، هذا الحزب هو أكثر الاحزاب جذرية ومعاناة في عهد النظام المخلوع، توجهت لهناك لمعرفتي المسبقة بان الحزب سيكون ايضاً محط معاناة في عهد النظام الجديد نتيجة تباينه الفكري والسياسي مع النظام الوليد، فالثورة في تونس لم تفضي الى تغيير جذري يجعل من هكذا حزب يعمل بحرية واريحية رغم انتقاله للعمل العلني لأول مرة منذ تاسيسه عام 1984. في الاثناء تعرفت الى رفيقات ورفاق الحزب الذين غمروني بحبهم لفلسطين ولمن يشاطرهم ذات الفكر والنهج والسياسات، استذكرت من خلال حيويتهم وحماسهم لفلسطين تلك الأيام الخوالي في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي عندما كان شباب فلسطين بذات الحيوية والحماس المفعم بحتمية الانتصار وقرب تحقيقه، بدو واثقين من انتصار فكرهم ونهجهم على خاطفي ثورتهم التي ازهرت ولكنها لم تثمر بعد. وزير بلا قرار .. يمشي صوب الدار سألتني زينب التي رافقتني في الساعات الأولى لوصولي تونس ان كنت ارغب بالذهاب لاعتصام ينظمه الاتحاد العام لطلبة تونس امام مقر وزارة التعليم العالي احتجاجاً على ما يحدث من تدخلات حزبية مسنودة بصمت او ما يشبه المباركة من الحكومة الجديدة وصلت حد الاعتداء على مساكن الطلبة واسالة دماء بعضهم. رحبت بذلك وفي داخلي رغبة بالتعرف على التناقض الذي بدأت التمسه بين سياسات وممارسات النظام الجديد وبين اهداف الثورة في الحرية والعدالة الاجتماعية. كان عشرات الطلبة قد تجمعوا هاتفين بشعارات لم افهم مغزاها بسبب صعوبة اللهجة التونسية علينا وبسبب رمزية الشعارات التي لا بد من معايشة الواقع لفهم معناها، ومن بين تلك الشعارات التي تمكنت من استعياب كلماتها ومغزاها بعد تمحيص ( وزير بلا قرار .. يمشي صوب الدار )، حيث عنى الطلبة بذلك ان وزير التعليم العالي وهو من حزب حليف لحركة النهضة لا يملك قراره وعليه بالتالي الاستقالة او ترك الوزارة. الزاوية التي قصمت ظهر البعير باتت عدد من المواقع المحددة راسخة في اذهاننا لكثرة تكرارها في وسائل الاعلام بعدما شكلت محطات هامة في مسيرة الثورة التونسية، وهذه المعالم كان لا بد من زيارتها في محاولة لاسترجاع المشهد منذ عام مضى ولمعرفة تفاصيل المكان وتخيل ما كان يحدث: الاتحاد العام التونسي للشغل، مهد الثورة، حيث بدأت الاعتصامات والمظاهرات انطلاقا منه ومن ساحته الصغيرة مباشرة بعد حادثة البوعزيزي وبل وقبل ذلك في سنوات القمع ومحدودية التحركات، هذا الاتحاد باعتباره يمثل هموم وتطلعات الطبقة المسحوقة والأكثر تضرراُ من سياسات نظام المخلوع بن علي وزمرته التي مصت دماء العمال كما دماء ابناء الشعب التونسي عموماً، ولعل بدء الاعتصامات والاحتجاجات الأوسع من هناك ما يؤكد ريادية دور الطبقة العاملة ومنظماتها والاحزاب التي تعبر عن مصالحها. ومن بين ما تزدان به ساحة الاتحاد من اعلام ويافطات يبرز شعار هام بالنسبة لنا كفلسطينيين " تجريم التطبيع مع الكيان الصهوني" وهو يؤكد ارتباط مسار مطالب الحرية والعدالة الاجتماعية بالمسار الوطني والقومي باعتبار الصراع العربي – الصهيوني هو في صلب القضايا الأكثر أهمية للتونسيين. ثم الى شارع الحبيب بورقيبة، الشارع الأكبر والأوسع الذي يتوسط العاصمة تونس ويضم عدد من معالم المدينة، كان وصول التظاهرات اليه حلماُ بعيد المنال حتى في الأيام الأولى للثورة، حدثني صديق رافقني في زيارتي الى هناك عن الزاوية التي تربط الشارع بالمدخل المؤدي الى مقر اتحاد الشغل قائلاً " المرة الأولى التي دخلنا فيها الشارع كنا فقط نحو الف متظاهر في مواجهة مئات من رجال الأمن والبوليس السياسي وكان دخولنا الشارع قاب قوسين او ادنى من الفشل، فلو ازداد القمع قليلاً ولم نتمكن من عبور الشارع لربما كان للثورة مسار آخر" ، انها اذن الزاوية التي قصمت ظهر البعير. القصبة .. لغز الماضي والغاز المستقبل ساحة القصبة التي تفضي الى تونس القديمة باسواقها المزركشة التي تحمل عبق تاريخ مسقط راس ابن خلدون وكل ما تحمله من عراقة التراث العربي، والمليئة بالابداعات التونسية التي تعبر عن تراث البلد بمعالمها وزيها ومأكولاتها وحضارتها العريقة. في ساحة القصبة حيث تواصلت الاعتصامات ما بعد رحيل بن علي هادفة الى اسقاط حكومة الغنوشي الأولى التي شكلها مباشرة بعد هروب بن علي، ثم اسقاط حكومته الثانية، وكلتاهما باعتبارهما امتداداً للنظام السابق. ساحة القصبة لا زالت محاطة بالاسلاك الشائكة ومحمية ببعض سيارات العسكر في مشهد لا يبدو مبرراً بعد ان شكلت حكومة بالاستناد الى الانتخابات التي يفترض انها تعبر عن ارادة شعبية، وما من معنى لبقاء هذا المشهد الا النذير بان هناك ما هو قادم، وان تلك الحماية لا زالت لازمة. في ساحة القصبة مطبخ القرار، حيث مقر الوزارة الأولى ( رئاسة الوزراء ) ووزارة المالية، هنا سقطت ثلاث حكومات في غضون اقل من عام، انفك معها لغز نظام بن علي، وهنا ايضاً حكومة ما بعد الثورة حيث تصاغ الغاز جديدة حول واقع ما بعد الثورة ومستقبل تونس الخضراء، وهذا الواقع وملامح المستقبل هو ما ساتطرق له في الجزء الثاني.