جردة حساب

حجم الخط
ما ان تنفك عقدة حتى تظهر أخرى، ليس فقط على صعيد صراعنا الطويل مع الكيان المغتصب لفلسطين، ولكن أيضا على الصعيد الفلسطيني الداخلي. ولا يجزم أحد هل هذه العقدة كانت ماثلة لكن غير مرئية، ام أنها بفعل فاعل، يجهد من أجل تعطيلنا بل وتضليلنا وحرفنا عن طريق الهدف. وإن كنا جميعاً ندرك أن طريق مقاومة الاحتلال ودحره ستكون طويلة وصعبة وشائكة، فإن هذا الاحتلال ومن يدعمه من منتفعين من غرسه في منطقتنا العربية، لن يقفوا مكتوفي الأيدي أمام محاولاتنا لاستنهاض قوتنا، وتوحيد صفوفنا، واسترجاع حقوقنا، فإن هذا الإدراك، يغيب، وهذا التفهم يتلاشى حينما نتحدث عن مسؤولياتنا الخاصة، ماذا فعلنا للوصول للهدف؟ وأين أصبحنا من تحرير فلسطين؟ كشابة، ولدت في منتصف الزمن الفلسطيني المحمل بنكبة ونكسة، وانتفاضتين، واقتتال وانقسام، أسمع وأقرأ عن بعضه، وأعايش بعضه الآخر، فإنني أدفع وجيلي والأجيال القادمة أثمانها جميعاً، والقادم محمل بالنذائر الشؤم أكثر. كنت أتمنى دائماً، لو أنني ولدت في زمن المد الثوري الفلسطيني، العمل الفدائي، وخطف الطائرات، والتلثم والكتابة على الجدران، الكر والفر مع العدو...ذلك الزمن الجميل بمبدئيته، المعبق بالوطنية والانتماء والعطاء. وكثيراً ما أردد أن جيلنا ولد في زمن دفع الثمن، وعدم الاختيار. سجل حافل بالانتصارات الميدانية، والعمليات البطولية، ولكن أيضا بالهزائم الكبرى، والخيانات العظمى، والأخطاء والخطايا، كان بعضها خارج عن إرادة وفعل الفلسطينيين أنفسهم، وبعضها الآخر من صنيع أيديهم، وإملاء قريحتهم. وأد الانتفاضة الكبرى، توقيع اتفاق أوسلو، إنشاء السلطة على أراض في الضفة الغربية وقطاع غزة، رهن السياسة والاقتصاد والحلم الفلسطيني بإرادة المحتل، احتكار ما تبقى من قرار فلسطيني في أيدي محدودة، استشراء ظواهر الزبائنية، والمحسوبية، والواسطة..هذه بعض الملامح من اللوحة التي وجد فيها الفلسطينيون أنفسهم فجأة من دون كثير من الحول والقوة، فتكيفوا معها على أمل أن تعدهم بشيء أفضل. وكما علمنا المنطق، ان المقدمات الخاطئة لابد أن تقود إلى نتائج خاطئة، وأن عدم مراجعة هذه المعادلة وإعادة تصحيحها سيجر أخطاء أخرى ويراكمها حتى يصعب العود إلى المقدمات الأولى، أو إعادة تصحيح أو تغيير نتائجها، وهذا ما نعيشه الآن. ففي أي قضية إشكالية مطروحة، سواء كانت سياسية، اقتصادية، اجتماعية، سنجد الكثير من القرارات الذاتية، والمصلحية العالية، والمعالجات الخاطئة من أطراف عدة تعاقبت عليها، حتى أفسدت القضية ذاتها فلا يعود الباحث عن حلها قادراً على تحديد أوجه الخلل، والمسؤولين عنها، وكيفية معالجتها. وهو ما يذكرني بالحكاية الشعبية: "والجاجة بدها علف، والعلف بالطاحونة، والطاحونة مسكرة، فيها ميه معكرة"، وما حدا عارف الحق عالجاجة انها بدها علف، ولا عالطاحونة انها مسكرة، ولا عالميه المعكرة. هذه المقدمات، جرتنا معها الى مفاوضات لأجل المفاوضات، وانتفاضة عفوية غير مدروسة، لا أحد يعلم متى انتهت؟ وإلى ماذا انتهت؟ ثم اقتتال، وانقسام، وجولات وصولات من الحوارات للتفاهم على ما تفاهمنا عليه سابقاً، وتمترس على مواقف تأخذ شرعيتها من الخارج، لا من شعبنا، وحرب شرسة قتلت، ودمرت، وشوهت الكثير في نفوسنا وأجسادنا، وأرضنا، وان كنا لم نقف على مجرياتها، وهل كان بالامكان تقليل أضرارها؟، إن مرور أكثر من ثلاث سنوات على انتهاءها من دون البدء في إعادة اعمار ما دمرته، شاهد على فعلنا، في وقت تستمر وتتفاقم فيه معاناة الناس من الحصار، والحرب، والفقر، والبطالة، والغلاء الفاحش في الاسعار، واستمرار قطع الكهرباء، وتلوث المياه وملوحتها..والقائمة تطول في الوقت "الناس بحكومة احنا بتنتين". سياسات المراجعة، والمحاسبة، والمكاشفة غائبة تماما عن تاريخ الحركة الوطنية الفلسطينية بمجمل تراكيبها، وعكست ذاتها على الذاكرة الجمعية الفلسطينية، التي تمرنت على النسيان والغفران وتبددت الحقائق لكثرة التفاصيل حتى صعب حصر المسؤولية وأصحابها. فمن يتحمل مسؤولية ما وصلنا إليه، ومن يجيب لأجل من وماذا اريق دم مئات الألوف من الفلسطينيين؟ وتجرع كل شعبنا آلام الأسر والحرمان؟ وماذا فعلنا لنوقف قضم الأرض، ونخر الأقصى، وزحف الثعبان؟ وماذا فعلنا لقتل الفقر، وإنهاء البطالة، ومحاصرة الفساد، وعقلنة الأسعار، ووقف قطع التيار؟ ومن يتحمل مسؤولية كل ما سبق، هل هي منظمة التحرير، أم السلطة الفلسطينية، أم الاحزاب المعارضة أم الموالية، أم المؤسسات التنفيذية، أو التشريعية، أو القضائية، أو الأهلية؟ والخطأ يجر الخطأ، والمسؤوليات تتماهى، والأدوار تتشابه. إننا بحاجة إلى "جرده" حساب، وإنني على قناعة أن أياً من محتكري هذه المرحلة لا يمتلك المصلحة، ولا الإرادة، ولا القدرة على إجراءها، لذا فأنها مرهونة بوعي الجماهير، وقدرتها على الثورة على كل ما سبق، وصناعة غد جديد لربما تنجح في صوغ معادلة جديدة أقرب للوطن والمواطن.