بلا شك أن شعبنا الفلسطيني ناضل عقود طويلة ضد الاستعمار والصهيونية ومخططاتها منذ وعد بلفور المشئوم عام 1917إلى يومنا هذا ولا زال أمله وحلمه في العودة واستعادة أرضه وتقرير مصيره وإقامة دولته المستقلة ذات السيادة ماثلاً وثابتاً في وعي وعقل كل فلسطيني رغم كل محاولات كي هذا الوعي من خلال ما يرتكبه الاحتلال من مجازر ومحاولات طمس وتذويب للهوية الوطنية الفلسطينية ، تضحيات جسام قدمتها جماهير شعبنا في محطات نضالية كفاحية امتدت عقود من الزمن ، إلا أنها ورغم عِظم صورها وتجلياتها وامتداداتها لم تتمكن من تحقيق انتصار يحقق الحد الادني من الحقوق المسلوبة لشعبنا الفلسطيني في أقامة الدولة الفلسطينية المستقلة ، وذلك يعود لعدد من الأسباب في مقدمتها.. غياب إستراتيجية معالم معركة التحرر الوطني وقواها وأدواتها والفهم السليم للعدو .
إن معرفة العدو وقدراته وإمكانياته وأهدافه معرفة علمية شرطاً يستوجب تحقيقه لرسم معالم معركة التحرر الوطني وإستراتيجيتها ، وان أي مقاومة لن يكون بمقدورها دحر الاحتلال عن أرضها إلا من خلال اعتمادها على إستراتيجية تبنى على قراءات دقيقة وعلمية لقدرات وإمكانيات العدو، وتنصهر في بوتقتها كافة طاقات جماهير شعبنا .
إن العدو الرئيس لشعبنا في معركة تحرره الوطني هو " إسرائيل " الكيان السياسي الذي بني على ثلاث مرتكزات ( عسكرية واقتصادية وبشرية ) .عدو يعمل على تدريب وتجنيد قرابة خمسة ملايين مستوطن إسرائيلي في فلسطين،عدو يسخر كل موارد الدعم والإسناد الامبريالي الصهيوني لبناء عجلة إنتاج اقتصادية تكنولوجية عسكرية منافسة عالمياً،عدو يسعى عبر منظمات اللوبي الصهيوني في العالم لاستجلاب ألاف المستوطنين سنوياً إلى فلسطين.عدو يبني ذاته على قاعدة معركة " إما يكون أو لا يكون " . عدو التقت وتقاطعت مصالحة وسياساته مع مصالح وسياسات دول عربية رجعية وإقليمية ورأسمال فلسطيني .
عدونا كيان صنعته القوى الاستعمارية في المنطقة لضمان نفوذها ولحماية مصالحها الاقتصادية ووفرت له الحركة الصهيونية والامبريالية كل سبل الدعم والإسناد العسكري والاقتصادي والتكنولوجي لتمكينه من رفع قدرته العسكرية الاستيطانية لاستيعاب أربعة عشر مليون صهيوني للاستيطان في فلسطين .
وفي ضوء ذلك كيف يمكننا التغلب على هذه القدرة والتفوق العسكري التكنولوجي والاقتصادي لكيان الاحتلال ؟؟. استناداً إلى تجارب الشعوب التي انتصرت في معارك تحررها الوطني وانطلاقاً من أصالة الحق الفلسطيني وطاقات جماهير شعبنا ومخزونها الكفاحي . يمكننا التغلب على قوة وقدرات العدو وتفوقه في إطار بناء رؤية وإستراتيجية تعزز احترام الإنسان الفلسطيني والحفاظ على قيمه وثقافته ووعيه الوطني وتعزز ثباته وصموده وتتوحد فيها كافة طاقات جماهير شعبنا لتخوض معركة تحرر وطني غير متماثلة في القوة أي حرب تحرير شعبية تشكل فيها مجموعات العمل الفدائي احد أنويتها، مجموعات وحدات قتالية صغيرة نسبيا تتسلح بأسلحة خفيفة تمكنها من دينامية وسرعة الحركة . وتتبع أسلوب المباغتة في القتال في ظروف يتم اختيارها بصورة ملائمة لظروف الهدف ، مجموعات تهتم بالعمل وبشكل دائم ومستمر على استنزاف المرتكزات العسكرية والاقتصادية والبشرية الثلاثة لكيان العدو، وتدفع يإتجاه شل ولجم وأنهاك قدرات العدو وتفوقه العسكري التكنولوجي من خلال عمليات الكر والفر .
وفي سياق هذه الرؤية التي جاءت رد طبيعي على فشل وهزيمة الجيوش والأنظمة العربية في حروبها التقليدية الكلاسيكية . انطلق العمل الفدائي ورغم جدواه وثماره التي أوجعت الاحتلال في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي وتحقيقه مكتسبات وطنية هامة ، الا إن ضعف إرادة القيادة السياسية المتنفذة وميولها ورغبتها في التساوق مع مشاريع وحلول التسوية السياسية دفعها للعمل باتجاه دفع قواعد العمل الفدائي لخوض معارك تحريكيه مكنت كيان العدو في عام 1982 من استخدام تفوقه العسكري من تدميرها وتشتيتها وتحيدها ، بعيدا عن محاور المواجهة والاشتباك مع قواته . وللأسف لم يتم تقييم نتائج تلك المعركة بل ذهب قادتها بعيدا في التغني بانتصارات عاطفيه وهمية ، واستمر نهج هدر واستنزاف طاقات جماهير شعبنا في معارك متلاحقة حينما تم تعريض انتفاضة شعبية امتدت سنوات لعملية إجهاض سياسي ، وتعريض الضفة الغربية إلى عدوان واسع عام 2000 في أعقاب انتفاضة الأقصى بسبب تدافع بعض القوى في استخدام العمل المسلح لتحقيق أجندات حزبية ، على أثرها شن العدو عدوان واسع على مدن وقرى الضفة مستخدماً فيه تفوقه العسكري التكنولوجي حيث تمكن من تدمير البنية التحتية الاقتصادية والخدماتية .
وفي ضل حالة الانقسام السياسي والتمزق المجتمعي ، استحدثت مفاهيم واستراتيجيات بعيدة عن فهم معركة التحرر الوطني لتخدم على أجندات ومصالح خارجية تتعدى حدود الوطن تحملت جماهير شعبنا أعباء ثلاثة حروب عدوانية على غزة ، استخدم خلالها العدو اعتي قدراته العسكرية التكنولوجية بل جعل من غزة مسرح لتجارب صناعاته العسكرية حروب ذاقت جماهير شعبنا في غزة ويلاتها وآلامها وجراحاتها التي لا زالت تنزف ، ورغم سريان النزيف الذي حطم قيمة الإنسان ووعيه وثقافته الوطنية وأنتج مشكلات اقتصادية واجتماعية تتفاقم يومياً ألا إن انتصارات الهزائم يعلوا صوتها .
إذاً ليس من باب الصدفة كل هذه الخسائر بل هي نتيجة لغياب الرؤية الإستراتيجية الوطنية لمعركة التحرر الوطني التي تجمع طاقات جماهير شعبنا في بوتقة نضالية كفاحية . وما انتفاضة القدس " الحجر والسكين " التي دخلت شهرها الثالث ولا زالت تمضي للإمام بخطوات ثابتة وضربات موجعة للاحتلال وقطعان مستوطنيه تحتاج إلى تعزيز بالحاضنة التنظيمية الوطنية لقيادة مفاعيل عملها ، نموذج يستدعي الوقوف أمامه لإعادة الاعتبار لمفهوم المقاومة بكافة أشكالها وعلى رأسها الكفاح المسلح .
