دروس فنزويلا: عن الحرب داخل المجتمع(1)
الحديث عن الخسائر الانتخابية المتوالية التي تلقتها أحزاب اليسار في أميركا اللاتينية، وأخرجتها من الحكم في أكثر من بلد، لا يجب أن يقتصر على نتائج هذه التغييرات في أوطانها، بل هي تحمل دروساً ــــ وتحذيرات ــــ لكلّ مشروعٍ يطمح الى الإستقلال عن الهيمنة الغربية في الجنوب العالمي.
من أبرز سمات التجربة التشافيزية في فنزويلا، وهي حالة تكررت وستتكرر مع كلّ نظامٍ مماثل، هي انّك، حين تخطّ طريقاً لا يتوافق مع خطّة "النظام الدولي" في شأن بلدك، فإنّك لن تواجه، فقط، مضايقةً اميركية مستمرة، وحرباً اقتصادية معلنة ومستترة، تشغلك بشكلٍ مستمرّ وتمنعك من النمو والبناء براحة، وشيطنةً في الإعلام والثقافة (ولو لعبت اللعبة الديمقراطية بحذافيرها، كما فعل تشافيز)؛ بل إنّك ستواجه خصماً أكثر شراسةً في الداخل، وطبقات كاملة ــــ ومستحكمة ــــ حصّلت، بفضل موقعها "الكومبرادوري" امتيازاتٍ هائلة وأسلوب حياةٍ لن تتنازل عنه، وهي ستخوض حرباً بلا هوادةٍ ولا خطوط حمر دفاعاً عن هذا الموقع (ولو بأساليب التدمير الذاتي للبلد وتخريب انتاج النفط فيه كما فعلت، حرفياً، النخبة في فنزويلا).
هناك فرصةٌ للنقد الذاتي والتساؤل عن سبب عجز هذه الحركات، حين حكمت، عن تقديم نموذجٍ بديلٍ وناجح بعد أكثر من عقدٍ ونصف من صعودها، وهو نقاشٌ لا يستقيم، بالطبع، من دون أخذ العوامل أعلاه في الحسبان (في فنزويلا مثلاً، تقول تقارير إن المواد الغذائية والأساسية، التي كانت مفقودة ونادرة في الأشهر الماضية، ظهرت بشكلٍ "غامض" في المتاجر بعد صدور نتائج الانتخابات). الّا أنّ انتخابات فنزويلا قد أثبتت، قبل كلّ شيء، فرضيتين أساسيتين: أوّلاً، أن الحركة التشافيزية، على عكس ما صوّرها خصومها وصولاً الى الأسبوع الماضي، لا تمثّل "استيلاءً" على الحكم أو ديكتاتورية شعبوية، بل هي حكمت بفضل حاضنةٍ شعبية ناشطة، وحين خسرت تأييدها، أخرجتها الانتخابات من الحكم. ثانياً، أن من اكتسح البرلمان بديلاً ليس حركةً تغييرية جديدة، تتجاوز ــــ في آن ــــ اليمين الفاسد الذي حكم البلاد طويلاً والتجربة التشافيزية "الفاشلة"، بل هو اليمين القديم نفسه، بنخبته وإعلامه وشعاراته ومنظمات "مجتمعه المدني"، قد عاد ليعلن انتصاره في الحرب الأهلية الطويلة.
على حد قول الزميل سيف دعنا، أثبتت هذه الانتخابات، من جديد، أن الفقراء في عصر الهيمنة والعولمة لا يملكون نموذجاً يسعون اليه الا النموذج الاستهلاكي للطبقة الوسطى كما عمّمه الغرب، وكما تعيشه النخبة في بلاد الجنوب. هو الشكل الوحيد الذي يرونه ونراه لـ "الحياة الجيدة"، ولم يقنعهم اليسار أو غيره بإمكان نموذجٍ بديلٍ، مختلف، أرقى وأجمل وأكثر عدلاً. أو، حتّى، بأنّ سعيهم لأن يصبحوا "طبقة وسطى"، كما تعدهم الإيديولوجيا الأميركية في بلادنا، هو وهم، فهناك بالفعل طبقة وسطى، طفيلية، موجودة ولن تسمح لهم بأن يشاطروها الريع. تماماً كما إنّ اميركا لن تسمح للعالم بأسره ولمجتمعاته الفقيرة بأن تعيش "الحلم الأميركي"، فثراؤها من فقره ــــ ولو كان من المحتمل أن نصير جميعاً، عبر الانتظام في الهيمنة، ككوريا الجنوبية وتايوان (النماذج التي تسوقها الايديولوجيا الأميركية في تزيين الخضوع)، فيا مرحباً بالهيمنة وبالخضوع، ولكن العالم ــــ والاقتصاد الرأسمالي ــــ لا يعمل هكذا، وهنا أصل المسألة.
حتى اذا انتصرنا في حروبنا ضدّ الاستعمار وعملائه، وأسسنا دولاً مستقلة عن الهيمنة، وصعدنا الى مستوى التحديات التي تطرحها المرحلة التاريخية الراهنة (وجلّها اليوم عسكري). فإننا، إن لم نملك نموذجاً غير نموذج الكومبرادور، ويتلخّص طموحنا ــــ على مستوى الفرد والمؤسسات والأنظمة ــــ في استنساخ "الازدهار" و"النجاح" ضمن مفهومه الأميركي (أو الصورة التلفزيونية عنه)، فلن تعني هذه التضحيات الا هزيمة سياسية. ستحكم البلد أساساً، واقتصاده وثقافته واعلامه، طبقة وسطى مصالحها في الغرب وتستنسخ اسلوب حياته، ونمط استهلاكها ــــ الذي يبهر باقي المجتمع ويحثّ على تقليده ــــ لا يناسب الضرورات التنموية في بلادنا وتعميمه قاتل. سيكون لديك، في الوقت نفسه، شرائح شعبية واسعة ــــ بينها فقراء ومحرومون ــــ تستهلك هذا النموذج، وتحلم به وتسعى اليه؛ تنقاد خلف من يعدها به (هناك دائما "رفيق حريري" يحمل الوعود)، وقد تكون مستعدّة لفعل ما هو أكثر من التصويت ضدّ من ترى أنّه يمنعها عنه.
كتب الفيلسوف الفرنسي آلان باديو أنّ التجربة الشيوعية في الاتحاد السوفياتي غالباً ما يتمّ تقييمها بمقاييس خاطئة، كأن يُقارن مستوى النمو والتراكم الرأسمالي بينه وبين الغرب، أو نجاح اوروبا الغربية في تقديم مستوى حياةٍ أعلى لمواطنيها. يقول باديو إنّ المقياس الحقيقي للحكم على التجربة الشيوعية (والمكمن الحقيقي لفشلها) هو في مقدار تحقيقها لوعدها الجوهري، أي تقديم نموذجٍ انسانيّ متحرر من الملكية والرأسمالية، وليس في أدائها الاقتصادي أو الإعلامي أو العسكري مقارنة بخصومها. بالمعنى نفسه، فإنّ ابقاء "الهيمنة الاجتماعية" ــــ حتى نستخدم تعبير الزميل ورد كاسوحة ـــــ في يد هذه الطبقة الوسطى المتغربنة يعني أن نموذجها وجمالياتها، وسياراتها وأموالها، حتى في ظلّ نظام وطني، ستتسرّب الى قياداتك وعائلاتهم، والى نخبتك ومقاتليك، وسيرى الناس اسلوب الحياة هذا على انّه القدوة والمثال ودليل النجاح. أوّل دروس فنزويلا هو عن ضرورة حسم هذه الحرب مع الكومبرادور ونموذجه، ولو بالقوة، وعدم اتاحته ــــ بكّل ما يمثّله ــــ كخيارٍ سياسي للنخب وللجموع، حتى ولو على هيئة احتمالٍ أو وهمٍ أو اعلانٍ على التلفزيون
دروس فنزويلا: عن الحرب داخل المجتمع (2 من 3)
حين كان أستاذ السياسة المقارنة، الراحل أندرو يانوش، يشرح لطلّابه معضلة «التنمية والتصنيع» وكيفية «لحاق» الدول المتخلّفة بأخرى سبقتها تنموياً وتكنولوجياً (وهو السؤال المحوري بالنسبة الى أبناء جيله ممن اشتغلوا في مجال الاقتصاد السياسي)، كان يردّد دوماً نظريته القائلة بأنّ احدى المشاكل التي تعانيها الدّول التي وجدت نفسها متخلّفة، لأسباب تاريخية أو غيرها، هي أن «فكرة» الثورة الصناعية ــــ ومثالها ومقاييسها وأساليب الحياة التي أفرزتها ــــ قد انتشرت بشكلٍ أسرع بكثير من انتشارها المادّي ورسوخ تقنياتها ونظم انتاجها وفعاليتها في أماكن أخرى.
بهذا المعنى، يتوقّع المواطن في هذه الدّول الفقيرة، وهو في طور المرحلة البدائية من «التراكم الرأسمالي»، مستوى معيشةٍ يشابه ذاك الذي تحوزه بلدانٌ سبقته في مجال التنمية والإستعمار ونهب الكوكب بمئة سنة، ويقارن نفسه بأهلها، ويستهلك ثقافتها ويطلب بضائعها (هذا ما يسمّى باللغة الأكاديمية demonstration effect).
كمثالٍ على هذه الفكرة، كان يانوش يقتبس فلّاحاً هنغارياً التقاه في الثمانينيات، وكان يشتكي من الفروقات في المعيشة والرفاه بينه وبين النمساويين والألمان الذين يأتونهم سياحاً عبر الحدود. بعد أن حدّثه الأكاديمي عن فكرة التنمية والتخلّف، وأنّ حقبة انتاجٍ وتقتيرٍ وتراكم هي ضرورية لـ «حرق المراحل» واللحاق بمجتمعات اوروبا الغربية ومستوى حياتها، كان التعليق الوحيد الذي تلقّاه هو: «واين سيارتي المارسيدس، اذاً؟» ــــ هو يرى سيارة المرسيدس لدى نظيره الألماني ويرغبها، ولا يهمّه التاريخ الذي يفسّر ظهور هذا النوع من الاستهلاك.
الّا أنّ استنساخ «الفكرة» بمعزلٍ عن وظيفتها وفعاليتها والحاجة اليها قد تكون ضربت مجتمعاتنا على مستوىً أعمق وأشدّ خطورة، خاصّة في ما يتعلّق بصناعة النخب والطبقة الوسطى والتكنوقراط «الحداثي» فيها. يتكلّم تيموثي ميتشل عن موضوعٍ مشابه، حين يصف عملية انتقال الحداثة الى دول الجنوب كبنى نظريّة، تتبع مثالاً «قياسياً» غربياً (العالم مقسّم على شكل دولٍ، واقتصادات وطنية توازي حدودها السياسية، ولها نشيد وطني وجيش ورئاسة وبرلمان، الخ) وتستنسخه في عالم الواقع على شكل مؤسسات وقوانين وأنظمة تبدو، من الخارج، مشابهة تماماً لنظيراتها الغربية. الّا أنّ تاريخها الحقيقي، الذي يجري خلف هذه الواجهة والأسماء والعناوين، لا علاقة له على الإطلاق بما افترضه «مهندس» هذه البنى.
في بلادنا، «الدّولة الوطنية» هي أمّ النخبة وطبقتها الحداثية، وقد تمّ بناء هذه «الدولة الوطنية» (التي لم تتحوّل، بأي مقياس، الى بلدٍ «حقيقي» وقد لا تملك مقوّماته أصلاً) على المثال الذي وصّفه ميتشل: ان كان في اميركا مصرف مركزي صار في لبنان مصرفٌ مركزي، وان كان في اميركا جامعات ومراكز وطنية للأبحاث ففي لبنان مثلها، وان كان في اميركا إعلام وتلفزيون ومثقفون ففي لبنان ايضاً الخ… وحول هذه المؤسسات نشأت نخبٌ وطنية تديرها وتشغل مناصبها وتنال امتيازاتها الطبقية (ورواتبها واحتكاراتها) من دورٍ مفترض تؤديه، هو مرآةٌ للدور الذي تلعبه الطبقة الوسطى العليا، والبيروقراطيين والخبراء، في دول المركز الغربيّ.
الّا أنّ هناك فارقاً جوهرياً بين ظروف تكوين هذه المؤسسات (والقيّمين عليها) وبين المثال الذي تقلّده: الأميركيّون موّلوا مختبرات ومراكز أبحاث لأنهم كانوا في حاجة لصناعة قنبلة نووية، وليس لأن وجود هذه المؤسسات، مجرّد وجودها، هو ضرورةٌ شكلية لاكتمال «بنية» الوطن، حتى لو لم نعرف ــــ بالتحديد ــــ الهدف من عملها وجعلناه اختبارياً ومدرسياً. بالمعنى نفسه، صعد القطاع المصرفي الحديث في المانيا، في القرن التاسع عشر، كضرورة تنموية حتى تتمكن الدولة من تجميع رأس المال الوطني وتوجيهه لبناء صناعات وتكتلات تجارية، ومنافسة فرنسا وبريطانيا؛ أمّا في بلادنا، فالمصرف الخاص لا يعرف هدفاً له الّا خدمة رأس المال (الأجنبي والداخلي)، وتأمين اختراقه الكامل للمجتمع، وهو لا يلعب أيّاً من الأدوار «التاريخية» والتنموية التي يفترض انّه قد وجد لأجلها (في لبنان، كثيراً ما لا يجد المصرف تبريراً لوجوده، وللعمولة التي يفرضها على المواطن والمجتمع، الا عبر التذكير بعدد الموظّفين الذين يشغّلهم ــــ لتسيير أعماله وزيادة أرباحه ـــــ كأن في ذلك فضلاً واحسانا).
هي نقطة أساسية ومحوريّة لتوطئة الجزء الأخير من هذا المقال، ولا يمكن فهم النفور الشديد الذي طالما عبّر عنه هادي العلوي ضدّ المثقّف «الغرباوي»، والطبقة الوسطى التي يعكسها في فكره وعمله، الا عبرها: إنّ ايّة مقارنة بين النخبة في بلادنا والطبقة الوسطى العليا التي ترادفها في الغرب (في المهام والموقع الطبقي و»التوصيف الوظيفي») هي مقارنةٌ مضلّلة وخادعة وكاذبة. النخبة الغربية، التي تنال أجوراً كبيرة ومستوى حياة مرتفع، حتى مقارنة بمواطنيها، هي من أكثر الطبقات انتاجاً وفعاليةً وانضباطاً في التاريخ، ولا وجود للنظام الرأسمالي الحديث من دونها. الباحث الذي يذهب يوميا الى عمله، كأي موظف آخر، يكون جزءاً من عملية انتاجٍ منهجية يتمخّض عنها أدوية جديدة واكتشافات تدرّ المليارات على الاقتصاد. هذه الفئة الثرية والمتعلّمة والمحترفة والمتدرّبة، على جشعها وطبقيتها وتسخيرها لخبراتها في خدمة نظامٍ سيّئ، هي المحرّك الأساس للنظام الاقتصادي في هذه الدول، وأكثر من ينتج القيمة فيه.
أمّا في بلادنا، فحين نشير الى هذا «القطاع الحديث»، الذي خلقه توسّع السوق العالمية ويشكّل واسطتنا معها، الى هذه الطبقة التي تتماهى مع الغرب وأسلوب حياته وسياساته، والتي تبتزّنا من فنزويلا الى بلاد العرب، وتطالب بحقّها في ادارة البلد وتوجيهه لخدمة مواقعها، فالكلام هنا هو ليس ضدّ «الحداثة» كمفهوم. نحن نتكلّم هنا عن نخبةٍ صوريّة بنت في دول الجنوب المستَعمرة مؤسسات هي، في أفضل الأحوال، واجهةٌ لا تخدم الّا من يديرها باعتباره «سلطة» أو «خبيراً»: إعلامٌ ليس إعلاماً، وجامعات ليست جامعات، ومصارف تنهب ولا تخدم، في «أوطانٍ» هي، في الحقيقة، ليست أوطاناً
دروس فنزويلا: عن الحرب في المجتمع (3 من 3)
منذ قرون، حين بدأ مفكّرون أوروبيون بنقد الحكم المطلق والتجرّؤ على مفهوم سيادة الأمير وحقّه الإلهي، كانوا، بدءاً بتيودور دو بيز، يصيغون حججهم من منطلقات مختلفة، سواء لاهوتية، أم قانونية ومصلحية، أو مرتكزةً على مفهوم الحق الطبيعي. الّا أنّ هناك حجّةً شاعت في وقتٍ كان يصعب فيه على الكثيرين تصوّر العالم من دون «نظامه الطبيعي»، الذي ينظّم المجتمع ويعطي للسلطة معنىً وشرعية، وعلى رأسه الملك، ومن ثم الإقطاع والإكليروس.
كانت الفرضية تقول الآتي: فلنتخيّل انّنا استيقظنا غداً، وقد اختفى كل رموز السلطة في المجتمع. الملوك والأمراء والإقطاعي والكاهن. كلّهم تبخّروا فجأة؛ فهل سيتوقف العالم؟ السنابل ستظل تنمو في الحقول، والأحصنة تجرّ العربات بين القرى والمدن، والعامل سينصرف الى عمله كالعادة، ولن يتغيّر شيء جوهريّ في حياة المجتمع. ولكن، هل من الممكن أن نطبّق السيناريو ذاته على الفلاحين، أو العمال والبنائين، أو التجار والمهندسين، وأن نتخيل الحياة من دونهم؟
حين نتكلّم عن الطبقة الوسطى وما يسمى بـ «الكومبرادور»، المالي والثقافي، في بلادنا، ويجري «التفاوض» مع طموحات هذه الفئة ومطالبها؛ وهي تعطي نفسها، بكلّ أريحية وثقة، دور «زبدة المجتمع» التي تجلس في مركز القيادة، و»تعلّم» الشعب وترشده سياسياً (وحين تتكلّم، فكثيراً ما تفعل باسم «الشعب» ككلّ)، فقد يفيد استخدام المثال أعلاه. ماذا سيحصل لو استيقظنا غداً ــــ في فنزويلا أم في أيّ من الدول التي ليست دولاَ ــــ ووجدنا أنّ كلّ المثقّفين المحليين، والصحافيين، و»الخبراء» و»الباحثين»، والمصرفيين، والعاملين في الشركات الأجنبية، وموظفي «المجتمع المدني» والتمويل السياسي الأجنبي (وهؤلاء أصبحوا، في ذاتهم، فئة لا يستهان بحجمها في الجيل الصاعد من الطبقة الوسطى في أكثر بلاد العرب)، كلّهم كلّهم، قد اختفوا فجأةً، فما هي المصيبة التي ستعصف ببلادنا مع تبخّر «القطاع الحديث»؟ هل سنخسر قطاعات منتجة وشركات عالمية؟ هل سنفتقد لأفلامٍ وموسيقى وثقافة راقية؟ هل ستتوقف المفاعلات النووية عن العمل، أم تضطرب الخطط الخمسية للتنمية؟ (منذ فترة، في مثالٍ شهير، وقعت السلطة التنفيذية في لبنان في شللٍ كامل لأشهر طويلة، بحكومتها ومخططيها ومدرائها ومقرريها، ولم يحصل شيء، بل تحسّن وضع الاقتصاد).
كان من المفارقات التي أبرزها صعود «داعش»، وتحوّلها الى «دولة» لفترة ممتدة، هي أنّها أظهرت مقدار الابتزاز الذي تمارسه النخب «الحداثية»، والثمن الذي تتقاضاه مقابل وهم «ادارتها» للكيانات الهزيلة التي ابتليت بها. اذ أثبتت «داعش»، في ظروف حربٍ وصراع، أنّها أقدر من كثير من أنظمة الكيانات القائمة على أداء مهام «الدولة الحديثة»، من فرض القانون وحصرية العنف، الى تسيير الخدمات، وصولاً الى حسابات الاقتصاد والتمويل، واستخراج الضرائب من المجتمع. داعش «تمارس» الحداثة ولا تنظّر لها.
هذا الفارق بين المثال الغربي الذي تتقمّصه نخبنا، وبين وظيفتها الفعلية في المجتمع، هو الأساس لفهم هذه المعادلة. «نظرية التحديث» الكلاسيكية كان يفترض منظّروها أن دول الجنوب تخطو من نمط مجتمع «تقليدي» الى آخر «حديث»، وأن عملية الانتقال هذه تنتج ازدواجيةً في المجتمع، حيث هناك طبقة «حديثة» عقلانية وفعّالة، درست في الغرب أو على مناهجه، وتحاول أن «تدفع الى الأمام» مجتمعاً ما زال فيه «قطاعٌ تقليدي» كبير، لا يوافق على نظرة «التحديثيين» وأساليبهم. في الحقيقة، فإنك حين تنظر الى هذا «القطاع الحديث» في بلادنا، الى الجامعات التي تنتج جحافل من الخريجين بلا مهارات حقيقية، والإعلام الذي يديره هواة، والثقافة التي تتموّل من الرجعية ولا تنتج شيئاً، فإنّه يحقّ لك أن تتساءل: هل «التخلّف»، بمقاييس مدرسة التحديث، يكمن فعلاً في القطاع التقليدي ــــ الفلاح وعامل البناء وصاحب المخبز ــــ أم في هذه النخب المصطنعة؟ (هذا حتى لا نتحدّث عن أدوارها السلبية. الأكاديمي والمناضل الجزائري محفوظ بنّون، مثلاً، يوثّق كيف أفشلت هذه الفئات، في التجارة والاقتصاد، التجربة الجزائرية، والحكومة أرادت أن تجعلهم أثرياء مقابل لعبٍ دورٍ تنموي موازٍ، ولكنهم أرادوا أن يثروا بشروطهم وعلى طريقتهم).
أهمّ دروس فنزويلا كان أنّ نمط الحياة النيوليبرالي (باستهلاكه وسياساته وجمالياته وتقديسه للفردية والنرجسية) لا يمكن أن يتزاوج مع مشروعٍ يريد العدالة والتوزيع ــــ ناهيك عن مقاومة الهيمنة وخوض الحروب، وهي أساسيات السياسة في بلادنا ــــ وأنّ هذا «المثال» هو ليس مجرّد فكرة أو تيمةٍ ايديولوجية، بل تمثّله طبقة امتيازات مكرّسة، تتحكّم بمفاصل المجتمع، وهي تجددت وتوسعت في العقدين الماضيين.
منذ سقوط الاتحاد السوفياتي، أصبح الحديث عن «القطع» مع النموذج الأميركي في السياسة والاقتصاد، والتشكيك بصورة «الحياة الجيّدة» التي تبثّها ثقافته، غير واقعيٍّ ومستهجن. وصار يُحال دوماً الى مثال كوريا الشمالية وانعزالها، ومثال كوريا الشمالية يحيل، حصراً، الى لغة السّخرية والتقريع (تقريع الكوريين الذين لا يقاتلون أحداً، لا من يحاصرهم ويحاربهم). مرحلة التسعينيات، حين غابت الخيارات البديلة وغاب الأمل، كانت كارثية؛ فيها وصل هذا «الانفتاح الايديولوجي» الى أقصاه، وصار من الطبيعي أن ندرس في الغرب، ومن الطبيعي أن يتوظف التقدمي في صحف الخليج، بل أضحى ابن الطبقة الوسطى الذي يعمل (لحساب شركة أجنبية) في دبي، هو وطموحاته واسلوب حياته، المثال لشباب المنطقة. لا شيء أدّى الى اختراقنا وارتداد النخب، وتضييع المحرّمات والخطوط الحمر، كتلك المرحلة. الخروج من الهزيمة لا يمكن أن يقوده وهم التصالح مع الغرب، ولا وهم تحدّيه عبر استنساخه (فهو لن يسمح لك بذلك). وإن شئنا أن نستمرّ بعقلية التسعينيات، فإن مصير فنزويلا ينتظرنا في نهاية الطريق، ولو انتصرنا في الميدان
