كي لا يُساءَ لسمير القنطار

حجم الخط

   فور انتشار خبر اغتيال إسرائيل لـ"عاشق فلسطين" بحق، المناضل العربي اللبناني، سمير القنطار، كتب رئيس التحرير في وكالة وطن للأنباء مقالة شدني استهلاله لها بالقول: "الحجر في مطرحه قنطار"، "وهكذا كان سمير القنطار حجر في مطرحه، ثابتا ومخلصا للموقف المقاوم، لا بالشعار وحده، بل بالممارسة الميدانية، حتى توقيع ذيل الرسالة السامية بدم الشهادة". وأضاف "لا يمكن  اختصار سمير القنطار في مدة سجنه، ولا باستمراره الميداني الكفاحي، بل بالرعشة الأولى للوجدان التي دفعته كي يحسم موقفه الى جانب الحق والعدل والحرية، وعنوانها فلسطين، فهو إبن جبال الشوف التي عرفت كمال جنبلاط، وهو الذي لا بد تشرب كل هذه المواقف في صباه، فكان أن قبل إرتكاب هول المغامرة غضا يافعا، والتوجه الى فلسطين، ليؤسَر فيها ولتأسره بالحب ويجد له أخوة ورفاق وأم تحنو عليه، وتبكيه لحظة الشهادة. سمير القنطار هو علامة أبناء الأمة الذين تسكن فلسطين قلوبهم، لا زعمائها الذين يعرضونها في سوق المناقصات والنخاسة الدولية. ولهذا فقد كان أمينا للموقف الشعبي العربي، تنقل في ميادين المعارك من نهاريا في أعالي جليل فلسطين، إلى مروج دمشق، وسفوح الجولان الشاهقة. لقد كان عنوان إستمرارٍ ووفاءٍ للقضية والمفهوم التحرري".

   وفي الأبعد نضيف، لقد شكلت الثورة الفلسطينية المعاصرة الرد الشعبي الأوضح على نكبة 48 وهزيمة 67، كحدثين تاريخييْن كشفا عورة الرسميات العربية، وقلبا حياة الشعب الفلسطيني، والشعوب العربية بعامة، رأساً على عقب. لذلك كان من الطبيعي أن تستقطب الثورة الفلسطينية بفصائلها المختلفة، سمير القنطار ومن لا يحصى من المناضلين العرب الذين جمعهم، على اختلاف توجهاتهم الفكرية، الانتماء لقضية "العرب المركزية"، وعدم التسليم بتقسيمات سايكس- بيكو الاستعمارية، منهم من قاتل وأُسر أو استشهد أو توفي، بل ومنهم من تبوأ مواقع قيادية في فصائل فلسطينية، فيما الأحياء منهم ما زالوا على العهد، وما بدلوا تبديلاً، بل واصلوا تقديم واجبهم القومي تجاه القضية الفلسطينية، حتى بعد إبرام السادات معاهدة كامب ديفيد، 1979، ثم تعميم نهجها في "مؤتمر مدريد"، 1991، وصولاً إلى تخلي أغلب الرسميات العربية عن أداء هذا الواجب القومي، بذريعة أو حيلة أو بدعة: "نقبل بما يقبل به الأخوة الفلسطينيون".

  لقد ظل هؤلاء المناضلين، وما أكثرهم، (من الأقطار العربية كافة)، فلسطينيي الإنتماء، لأنهم عرب حقيقيون، جسدوا الموقف الشعبي العربي من قضية فلسطين وعروبتها، وقدموا حياتهم لأجلها، فيما ثمة مناضلون غير عرب آمنوا بعدالة قضية فلسطين، وضحوا لاجلها، وكان منهم، أيضاً، من دخل السجن، أو قضى شهيداً، فيما لا يزال كثير منهم منخرطين في الهم الفلسطيني، بهذا الشكل أو ذاك، حتى يومنا هذا.

   بالمقابل، كان وفاء الفلسطينيين لهؤلاء المناضلين، عرباً وغير عرب، أمراً محسوماً، بل بدهية من بدهيات زمن النهوض الفلسطيني وتقديم الانتماء لفلسطين على ما سواه من انتماءات. لكن بداهة الوفاء لهؤلاء المناضلين، باتت اليوم، (كما بدهيات وطنية أخرى)، محط جدل فلسطيني، لدرجة أن تسيء قلة من الفلسطينيين للشهيد "عاشق فلسطين"، سمير القنطار. ولا عجب. فالإساءة، هنا، هي، في وجه من وجوهها، مجرد غيض من فيض، ومظهر من مظاهر، والتباس من التباسات، وعلامة من علامات، ونتيجة من نتائج، زمن التراجع، وما انتجه من أدران تقديم الانتماءات الأيديولوجية والحزبية والجهوية، بل والشخصية، على الانتماء الوطني. وهي، (الإساءة)، في وجه آخر من وجوهها، تحصيل حاصل  لتربية، عنوانها، "الجهاد في سوريا واليمن وليبيا أولى من الجهاد في فلسطين"، بما يذكِّر بـ"الحقبة الأفغانية"، وعنوانها، "الجهاد في أفغانستان والشيشان أولى من الجهاد في فلسطين".

   لكن، منعاً لكل التباس، لا نقصد الحجر على أي رأي تجاه أية قضية، خاصة تجاه قضايا معقدة تحتمل تعدد الأراء والاجتهادات والتأويلات، منها، (مثلاً)، أزمة الصراع في سوريا وعليها،، بل نقصد تذكير من أساءوا منا نحن الفلسطينيين للشهيد القنطار، ارتباطاً بموقفه المؤيد للنظام السوري، بأن لسمير، مثلما هو لمنتقديه، حرية اتخاذ الموقف الذي يمليه عليه عقله وضميره، علماً أن الشهيد القنطار بعد تحرره لم يقاتل الشعب السوري، كما يدعي البعض، بل واصل قتاله لإسرائيل انطلاقاً من الجولان المحتل، اللهم إلا إذا كان دافع إسرائيل لاغتياله هو الرأفة بالشعب السوري وحمايته. هنا ثمة مغالطة كبيرة، وقلْبٌ مقصود للحقائق، أو، ربما، تيه تحركه "نوايا حسنة"  تفضي بصاحبها إلى "بلاط جهنم".

   على أي حال، الشهيد القنطار ليس بحاجة لمن يدافع عنه، ولسنا في معرض الدفاع عنه، فقد كان من صباه حتى استشهاده قدوة، هي أفضل من الف موعظة، وشكل نموذجاً حياً في الدمج بين القول والممارسة، وفي جسر الهوة بين النظرية والتطبيق، وفي تعميد المواقف بعرقِ ودمِ وتعبِ النشاط اليومي المثابر، ما يجعل  الكتابة عنه تأخذ طابع المخاطرة، ليس لأن الرجل إشكالي، بل لأن حصر مناقبه في عموميات أنه مناضل تكللت مسيرته بالشهادة، لا يعطيه حقه كمناضل وقائد استثنائي بامتياز. أما لماذا؟

   أن يختار سمير العربي اللبناني النضال لأجل فلسطين، فهذا كان خيار الكثير من المناضلين العرب. وأن تتكلل مسيرة سمير بالشهادة، فمأثرة له، ولكثير من المناضلين العرب، منهم، (مثلاً)، الشهداء باسل الكبيسي العراقي ومحمود الروسان الأردني، ناهيكم عن قائمة طويلة من الشهداء الذين لا يتسع المجال لذكر أسمائهم. أما أن يبدأ سمير مشواره النضالي في عمر الورد، (14 عاماً)، فذلك يعني أنه كان، منذ البداية، بذرة مشروع مناضل ثوري، سيكون له شأناً كبيراً، وموقعاً مرموقاً، في عالم الكفاح التحرري. وقد تبدت ملامح شخصية سمير الثورية التحررية حين قرر أن يكون العمل المسلح مجاله، حيث حاول عبور الحدود الأردنية الفلسطينية لتنفيذ عملية فدائية لم تتكلل بالنجاح، حيث اعتقلته السلطات الأردنية، لكن سجنه لمدة ثمانية أشهر، لم يردعه، وهو الشبل الذي لم يتجاوز الـ16 عاماً من عمره، بل كرر التجربة، حيث ركب موج البحر، وعبر إلى فلسطين، وقاد عملية مجموعة "جمال عبد الناصر" في نهاريا التي قُتل فيها 6 إسرائيليين، واستشهد إثنان من المجموعة الفدائية، بينما جرح وأُسر سمير ورفيقه "الأبرص".

   قضى سمير ثلاثين عاما في السجن. لكن السجن لعقود لم يردعه. عبَّر عن ذلك علناً، وفور تحرره، بالقول: "لم أعود من فلسطين إلا كي أعود إلى فلسطين". ولمن لا يعرف، أو لا يعرف تماماً، معنى أن يمكث المناضل في السجن لعقود، يجدر الإشارة إلى أن ثمة مناضلين يتحملون سنوات السجن، مهما طالت، ويصمدون أمام محنة السجن، مهما عظُمت، لكنهم لا يصمدون أمام فتنة الحياة بعد قضاء سنوات طويلة في السجن. أما الذين يصمدون أمام محنة السجن وفتنة الحياة بعد التحرر منه، فأؤلئك هم صناع الثورة المحترفين وحراس قيمها الدائمين، الذين لا يرون فيها عملا يمكن انجازه في اوقات الفراغ. والشهيد سمير القنطار، واحد من هؤلاء المناضلين العقائديين بامتياز.

   كيف لا؟ وهو الذي صار الكفاح حياته، ودخل إلى معتركه، صلب العود، غير هياب، لم يتعود لوك الكلام، بل تعوَّد أن يختصر كل الطرق إلى فلسطين، كابد محنة السجن لعقود، لكنه ظل يبحث عن حرية فلسطين وأهل فلسطين، منذ امتشق السلاح وحارب.  فسمير لم يعرف مستقرا إلا حيث يكون فيه موقع لمقاتلة إسرائيل. هذا ما ينبغي أن تعرفه الأجيال الشابة في فلسطين عن سمير الذي لم يعرف غير ثبات الموقف واستقامة الفكر، رغم تعرجات الطريق، حيث وطَّن نفسه على حياة الكفاح، فاستطابت له، وطابت معها النفس الملتحمة بصعوباتها والمتحدية لكل مصاعبها، فكان ترجمة حقيقية للموقف الثوري الذي لا يساوم على المباديء، وكان هو، لا كما اراد غيره. لذلك  لم تكن الصواريخ بحاجة الى دليل كي تهتدي لشمس تسطع في سماء الكفاح لأجل فلسطين، بل كانت شمسه إغراء بالوصول اليها من إسرائيل الصهيونية العدوانية التوسعية التي ترفض التسويات، وتحترف الحروب، وجرائم الاغتيال الممأسس. هذه حقيقة سمير كي لا يُساءَ له، سيان بسوء نية أو بحسن نية، على الأقل من بعضنا نحن الفلسطينيين.