اليسار لم يغلب أجندته الخاصة وتركيا تقترب اكثر من اسرائيل !!

حجم الخط

* نشر الدكتور احمد يوسف مقالة في جريدة "ے" يوم الإثنين هاجم فيها موقف اليسار الفلسطيني والعربي من تركيا،هذا اليسار الذي كانت دائماً بوصلته فلسطين والقومية العربية،ولم تكن بوصلته يوماً الأجندات الخاصة،ولا تغليب المحاور الإقليمية والأيديولوجيا على مصالح الوطن،وفي حقد دفين على روسيا حاول الدكتور احمد يوسف الغمز من قناة علاقة اليسار الفلسطيني بروسيا على زمن الإتحاد السوفياتي، وكأنه يريد أن يقول بأن اليسار أجنداته ليست وطنية،وكيف ينصر روسيا الكافرة على تركيا "المسلمة".

استغرب قول د . يوسف بأن تركيا كانت تقف دائماً الى جانب أمتنا العربية،وقضيتنا الفلسطينية! وتركيا التي يصورها الدكتور يوسف بأنها "حامية حمى العروبة والإسلام" اتضح ان لها اطماع في الجغرافيا والثروات العربية،ودورها في المشروع التدميري والمذهبي في سوريا والعراق ومصر وليبيا وحتى فلسطين،وتدخلاتها في الشأن الداخلي الفلسطيني،لضرب المشروع الوطني الفلسطيني وإستدامة الإنقسام وتكريس الإنفصال، يثير الكثير من علامات التساؤل حول المدافعين عن سياستها وحول من يتساوق مع تركيا ومع أطماعها خدمة لأجندات الروابط والعلاقات الأيديولوجية والسياسية والتنظيمية على حساب المشروع الوطني.

فالخليفة السلجوقي أردوغان الذي تدافع عنه يا دكتور يوسف وعن حزبه وحكومته يستحق عن جدارة لقب أفضل ممثل مسرحي عن دوره المُضلّل في السياسة التركية، فهو الذي كان يتحدث ورئيس وزرائه داود أوغلو في كتابه «العمق الاستراتيجي» عن عودة تركيا إلى «الحضن الإسلامي» والمحيط العربي ليحقق رؤيته بـ«صفر مشكلات» لتركيا مع جيرانها فيما نجد الآن انه بفعل سياساتهما غير المسؤولة فان ما تحقق منها هو «صفر صداقات»، اللهم إلا صداقته مع «إسرائيل» و«داعش»، ولا ندري ماذا نقول عندما تتحدث القناة العاشرة الإسرائيلية عن تحوّل «تاريخي» في العلاقات التركية - الإسرائيلية على أثر لقاء رئيس «الموساد» الإسرائيلي مع مساعد وزير الخارجية التركي في سويسرا ذلك اللقاء الذي تم التوصل فيه الى تفاهمات تمهيدا لاتفاق سيوقع عليه قريباً لتطبيع العلاقات في الوقت الذي يتعرض فيه الشعب الفلسطيني لابشع انواع القمع والقتل والاعتقال من قبل الاحتلال الاسرائيلي.

لا أعرف ماذا سيقول الذين كانوا يرفعون صور أردوغان في الساحات والميادين من العرب والفلسطينيين الان؟ حتى إن بعض الفلسطينيين منا أصبحت قبلته أنقرة، وأنموذجه أردوغان متوهماً أنه الزعيم المسلم الذي «سيحرر القدس»! وكاد ذلك البعض أن يُحدث فتنة كبرى في بيت المقدس غير مرة، بسبب إصراره على رفع صوره في ساحات المسجد الأقصى بمناسبة أو دون مناسبة، وليس ذلك فقط، بل إن جزءاً كبيراً من تعطيل المصالحة الفلسطينية كان بسبب تغليب الإيديولوجي على الوطني وتغليب العلاقة بالمحاور الإقليمية على المصالح العليا للشعب الفلسطيني،واليوم تريد تركيا ان يكون لها موطىء قدم في إدارة قطاع غزة، وهي من رعت مفاوضات مطولة مع اسرائيل، تكرس مشاريع الحلول المؤقتة والدويلة في غزة.

ولفضح تضليل أردوغان، لابد من الوقوف عند الاتفاق التاريخي المتوقع توقيعه بين «إسرائيل» وتركيا خاصة وان انقرة لم تنف بل اكدت اللقاء والتقدم فيها نحو التطبيع لكي نتعلم عرباً وفلسطينيين بأن الدول تتحارب وتتصالح، وتبحث عن مصالحها، وفي النهاية نكون نحن ضحايا لرهاناتها وفشلها، وبحسب «القناة العاشرة» الإسرائيلية فإن هذه التفاهمات بين الجانبين الإسرائيلي والتركي من المتوقع أن يتم التوقيع عليها «في الأيام القريبة»، ومن جملتها سماح أنقرة بمرور أنبوب لنقل الغاز الاسرائيلي على أراضيها، وكذلك «البدء فوراً» بمداولات بشأن شراء تركيا للغاز من إسرائيل.

وجاء في المعلومات التي أوردتها وسائل الإعلام الإسرائيلية، قبول أنقرة بتقييد نشاط «حركة حماس» على الأراضي التركية، ومنع المسؤول في الحركة صالح العاروري من البقاء في تركيا فضلاً عن عدم سماحها بـما وصفته بـ«الأنشطة الإرهابية».. وفي ورقة التفاهمات أيضاً الدعوة إلى إعادة السفراء بين الدولتين، وإلغاء الدعاوى ضد جنود الجيش الإسرائيلي بعد حادثة سفينة مرمرة.

وقالت وسائل إلاعلام الاسرائيلية إن «تل أبيب» وافقت على دفع عشرين مليون دولارٍ كتعويضاتٍ لضحايا السفينة، فضلاً عن إنشائها لصندوق خيري لـ«متضرري مرمرة».. ووصفت العلاقات بين أنقرة و«تل أبيب» بأنها «أمام تحول تاريخي».

والواضح من هذه التفاهمات أن إسرائيل فرضت شروطها بالكامل، ولم يعد أردوغان الذي كان الإخوان وحركة «حماس» يصفقون له ليل نهار، يتذكر شرطه اللفظي برفع الحصار عن قطاع غزة.

نحن كعرب وفلسطينيين خدعنا بأردوغان، وأعترف أمامكم بأني واحد منهم، فقد كتبت مقالة بعد كلماته القاسية التي وجهها لشمعون بيرس في مؤتمر «دافوس» الاقتصادي في سويسرا عام 2009، قلت فيها: «ليت لنا زعيماً عربياً كأردوغان»، معتقداً بأنه تخلى عن طموحاته لإقامة خلافته على حساب الدم والجغرافيا العربية، وأنا أعتذر الآن عمّا قلته علناً وجهراً، لأن التطورات اللاحقة كشفت بأنني كنت مخطئاً.

ترافقت شعبية أردوغان عند العرب عامة والفلسطينيين خاصة، مع اقتحام القوات الإسرائيلية لسفينة «مرمرة» التي كانت ضمن ما يسمى «أسطول الحرية» الذي قدم لكسر الحصار عن غزة، حيث نتج عن ذلك قتل وجرح العشرات ممن كانوا على ظهرها من المواطنين الأتراك، وتراجعت العلاقات التركية- الإسرائيلية كثيراً، وساد اعتقاد بأن تلك العلاقات لن تعود لسابق عهدها، ولن تكون على حساب علاقات تركيا بالفلسطينيين.

مع بداية ما سمي «ثورات» الربيع العربي، وقف أردوغان إلى جانب القائمين عليها، وأصبحت علاقات أردوغان قوية بالنظام المصري الذي اعتلى فيه «الإخوان المسلمون» سدة الحكم، بسبب التماثل الإيديولوجي بين الطرفين، ووقف ضد حكومتي سورية والعراق، ولعب دوراً رئيساً في دعم وتمويل وتسليح جماعات إرهابية هناك من «داعش» الذي تقاسم معها سرقة النفط السوري والعراقي إلى «النصرة» الذي شاركها سرقة مصانع حلب، ولم يطل الوقت كثيراً حتى خسر مصر، حيث ساءت العلاقات بين أردوغان والسيسي بعد رحيل حكم الإخوان في مصر.

خسارات السياسة الخارجية التركية لم تقف عند حد خسارة سورية والعراق ومصر، بل ان سياسة اردوغان واوغلو ورئيس وزرائه أحمد أوغلو قادت إلى كارثة حقيقية بالتدمير الكبير للعلاقات الروسية- التركية، بعد قيام مقاتلتين تركيتين وبضوء أخضر من واشنطن بإسقاط طائرة «سوخوي24 » روسية فوق الشمال السوري، بذريعة حماية تركيا لمصالحها فيما يسمى «المنطقة الآمنة» والدفاع عن التركمان هناك، الجزء الذي تريد أن تستولي عليه تركيا من الأراضي السورية، وحماية خطوط تهريب النفط المسروق من سورية والعراق، وقد ردت روسيا على ذلك بخطوات غير مسبوقة، حيث أوقفت مشروع «السيل التركي» بنقل الغاز الروسي إلى تركيا، وأوقفت المشروعات التجارية كلها مع تركيا، وبلغة الأرقام خسارة تركية لا تقل عن مئة مليار دولار سنوياً، كما أوقفت السياحة إلى تركيا، وقضت على الدور التركي بالتدخل في سورية، منهية بذلك ما يسمى «المنطقة العازلة أو الآمنة»، يضاف لذلك الضربة القاصمة التي وجهها بوتين لتركيا، بعد كشف الأقمار الصناعية الروسية عن خطوط النفط السورية والعراقية المهربة إلى الموانئ التركية بمشاركة «داعش» وتورط أسرة أردوغان في ذلك، وقيام المقاتلات الروسية بقصف أكثر من ألف صهريج تركي تنقل النفط السوري والعرقي المهرب.

تركيا من «صفر مشكلات» في الأمس إلى «صفر صداقات» اليوم! ما عدا اقرارها اكثر من التطبيع مع الاحتلال الاسرائيلي وعلاقاتها بمنظمات مشبوهة تدمر وتقتل وتهدم حضارات عمرها آلاف السنين!.

تلك هي حقيقة المواقف الاخيرة لتركيا واردوغان الذي طبّلنا وزمرنا له عرباً وفلسطينيين، ورفعنا صوره في ساحاتنا ومياديننا!، فهل نفيق لكي نستخدم عقولنا بدلاً من عواطفنا في رسم رؤيتنا واستراتيجياتنا وبناء مواقفنا استناداً إلى مصالحنا ووفق إرادتنا وإمكاناتنا وقدراتنا من دون رهن إرادتنا للغير وما يجره ذلك علينا من خيبات ورهانات خاسرة وفاشلة؟.