لا ثورات عربية.....ولا ربيع عربي

حجم الخط
اعترف أنه في بداية تحليلاتي لما حدث في العالم العربي من تمرد اجتماعي متشظي قائم على الانفعال الوجداني العاطفي لجماهير تائهة،وغير المستند الى مرجعية فكرية ورؤيا فلسفية،وتغيب عنه الحوامل التنظيمية والعقل المدبر والقيادي،أعتقدت إننا في اطار حالة ثورية جماهيرية عربية غير مسبوقة في تاريخ العرب القديم والحديث،،هذه الحالة لن تتوقف عند حدود اشاعات مناخات ديمقراطية وحتى ثورية في مجتمعات عانت طويلا من القمع والتخلف والفقر والجهل وإستلاب الحريات والدوس على الكرامة،ولربما كان التطير والحلم عندي وعند غيري أيضاً بأن تلك "الانتفاضات الشعبية" ستعيد للأمة مجدها وعزتها وكرامتها،وتحديداً في مصر والتي كنت أراهن على أنها ستستعيد دورها ومكانتها العربية والاقليمية والدولية،والاوضاع الناشئة فيها سيترتب عليها تغير جدي في ميزان القوى لصالح المشروع القومي العربي،وبما يمكن من كسر حالة الاستقرار التي نشأت في المنطقة لصالح اسرائيل وأمريكا بالذات،عقب اتفاقيات كامب ديفيد ووادي عربة وأوسلو،وما ترتب عليها من ما يسمى باتفاقيات السلام العربية الاسرائيلية على الجبهات المصرية والاردنية والفلسطينية، أعترف بلا خجل أو مواربة بأنني كنت متسرعاً ومخطئاً في عملية التشخيص والتوصيف والتحليل والخلاصات والاستنتاجات،فلربما كنت مبهوراً بما حدث ومعبراً عن حقد دفين كامناً في ذاتي على أنظمة القهر والذل والقمع والفساد الى ما أوصلت اليه الأمة من ذل وهوان وضياع،ومستعجلاً رحيل تلك الديكتاتوريات الجاثمة على صدور الجماهير،على اعتبار أن من سيخلفها في كل الحالات لن يكون على نحو أسوء منها،وبالتالي في التحليل إنسقت الى العاطفة والتمني وليس الى لغة العقل والفكر،فقد نظرت الى ما حصل بداية وبالتحديد في تونس ومن ثم مصر على أنه انتفاضات شعبية،او حتى ثورات شعبية،متناسياً أو في لجة السرور والفرحة بما حصل،بأن الثورات الاجتماعية او الانتفاضات الشعبية،هي تعبير عن صراعات اجتماعية عميقة،ولهذه الثورات فكرها وفلسفتها وروحها الخاصة بها،ومن الأبجديات هنا بأن الثورة أو الانتفاضة لها أدواتها المعرفية والسياسية والايدولوجية المحددة والواضحة المعالم،وانها تمتلك أدوات طبقية محددة تعبر عن رؤيا او برنامج بديل،مع ادراكي العميق لتباين التطور والأنماط الاقتصادية والاجتماعية السائدة في الوطن العربي،وصحيح انه هناك حالة انفعالية ثورية انتشرت في الشارع العربي انتشار النار في الهشيم،وهذه الحالة الانفعالية محرك عملية التغير،حالة التمرد الاجتماعي القائم على الانفعال الوجدني وتقوده جماهير تائه لا تمتلك وعياً ذاتيا واضحاً،تكون عرضة للتضليل والخداع والانسياق وراء شعارات وخطب ديماغوجية مضللة،وتصبح عرضة للإستغلال والإستثمار الخاطيء في غير مصلحة الجماهير،بحيث تكون الجماهير القائدة للتمردات الاجتماعية وقوداً لمن لديهم أجندات وأهداف ليس لها علاقة بمصالح الجماهير وتطلعاتها،مع إقراري بصوابية ما طرحة الرفيق غازي الصوراني بأن مزاج الجماهير وانفعالها الثوري ليس دائماً محك صواب،وخصوصا في ظل غياب الوعي الذاتي محدد المعالم والواضح،وفي الحالة العربية الملموسة،فإن الجماهير العربية المتمردة اجتماعياً ،وفي حالة الهياج والفوران الانفعالي والعاطفي،جرى استغلالها من قبل مجموعة من القوى المحلية والعربية والاقليمية والدولية خدمة لمصالحها وأجنداتها واهدافها،بحيث كانت الجماهير المتمردة وقوداً وحطباً،فالتمرد الاجتماعي جرى استغلاله وسرقته وتجييره من قبل تلك القوى مجتمعة،حيث كانت هناك حالة تزاوج بين فقه البداوة والبترودولار الخليجي والاسلام السياسي ودعاة الفوضى الخلاقة،بحيث غدت ما يسمى بالثورات العربية وبلغة غسان بن جدو كفارس مقطوع الرأس،فارس مخيف وبلا ملامح ينتقل من بلد عربي الى آخر على راحلة قطرية،فإسرائيل وأمريكا من مصلحتهما في هذا التمرد الاجتماعي غير الواعي خلق فتن طائفية ومذهبية في الوطن العربي،وبما يغرقها في حروب ليس لها أول أو آخر،وبما يمكن من إعادة رسم وتشكيل الجغرافيا العربية بعد تفكيكها،من أجل السيطرة على ثرواتها ونهب خيراتها،مع بقاء اسرائيل القوة الاقليمية الوحيدة في المنطقة،وبالمقابل عربان ومشيخات البترودولار تتعهد بتمويل حالة التمرد الاجتماعي غير المستند لفلسفة وهوية ومرجعية فكرية،بما يساهم في تقسيم وتجزئة وتذرير الجغرافيا العربية،وحرف الصراع وتشويهه من صراع عربي- اسرائيلي الى صراع فارسي- عربي،وبحيث ينتقل الصراع في هذا الإطار الى المستوى الشعبي،مقابل تعهد أمريكي بحماية تلك المشيخات والاقطاعيات من رياح التغيير،في حين قوى الاسلام السياسي تأخذ دورها في الحكم بشرط أن تقضي على أي حالة نهوض عربي قومي،أي تقيم الدولة الدينية المتحللة من الالتزامات القومية،مع المحافظة على اتفاقيات "السلام" مع اسرائيل وتوسيع عملية التطبيع معها. ونحن نشهد جهوداً وممارسات في هذا الاتجاه من تونس لمصر فليبيا وسوريا وغيرها ومن هنا فنحن لسنا أمام لا ربيع عربي...ولا ثورات عربية،بل نحن وبلغة غسان بن جدو أمام" تمرد اجتماعي قائم على الانفعال العاطفي،كيف لثورة أن يقودھا قطري جاھل وسعودي يؤمن بنقاب المرأة أن يقود تحررا ديمقراطيا؟ كل ما رأيناه ھو حركة فوضوية لجمھور بلا قيادة وبلا قائد وبلا عقل مدبر وھنا كمنت الكارثة الوطنية. الثورات مجھزة بقاذفات الفتاوى الدموية الرديئة المخجلة والخالية من الإنسانية والمليئة ب "الإسرائيليات" والأساطير". القدس- فلسطين 19/2/2012 0524533879