هآرتس – افتتاحية - 26/2/2012
عدمية خرق القانون
بقلم: أسرة التحرير
قصة الكشك الصغير في شاطيء جفعات اولغا، الذي مع السنين اتسع وأصبح مطعم "جورجي بيتش" ("سوق الخضيرة، فرع جفعات اولغا"، رويتال حوفيل ، "هآرتس"، 24/2) ليست قصة محلية. فهي ليست قصة من جفعات اولغا او عن شخص يدعى حاني جربي، كبير المجرمين في المنطقة، الذي حول مصلحة تجارية صغيرة الى مطعم يسيطر على 305 متر مربع في خط الشاطيء. القصة هي عن انعدام قدرة السلطات المحلية على فرض القانون والنظام على أناس ذوي نزعة قوة. القصة هي عن عدمية الفساد.
"جورجي بيتش" تجاوز كل مسارات الانظمة الادارية المتبعة. فقد اقيم المطعم بدون ترخيص بناء ومنذ 1993 وهو يعمل دون رخصة عمل. في وزارة الداخلية يدعون بانه لا يدفع الارنونا وانه راكم ديونا طائلة. تقرير وزارة حماية البيئة يفيد بانه يرتبط بشكل قرصنة بشبكة الكهرباء البلدية. ووفقا لحسابات محامي بلدية الخضيرة، حتى الان تراكم مبلغ 153,571.80 شيكل على الكهرباء فقط. المال يدفعه سكان المدينة.
حسب الشرطة والنيابة العامة، فان أسباب التسيب تكمن في العلاقات "الخاصة" التي تسود بين جربي وبين بلدية الخضيرة. في صراع قضائي يديره هذه الايام جربي في محاولة للدفاع عن المطعم، تقف البلدية الى جانبه في وجه كل السلطات الاخرى. فالمدير العام يعلن أن ليس للبلدية "اي اعتراض مبدئي بل انه توجد رغبة في تسوية الاستخدام للكافتيريات"، اما محامي البلدية فيعلن ان البلدية "ليس لها اي اعتراض مبدئي" على الدين الذين راكمه المطعم على استهلاك الكهرباء.
الربط الغريب بين من وصف في الشرطة بانه "رئيس منظمة جريمة وهدف استخباري كبير" وبين بلدية الخضيرة يثير الاشتباه. وضع تكون فيه الشرطة، النيابة العامة، وزارة الداخلية، وزارة حماية البيئة وسلطة الضرائب تحاول فرض القانون على من يخرقه بفظاظة، بينما السلطة المحلية تدافع عنه، من شأنه أن يشهد على شبكة علاقات تخرج عن اطار القانون. وزير الداخلية ملزم باصدار الامر بفحص العلاقة بين بلدية الخضيرة وجربي. محظور أن يترك سكان المدينة، الذين يمولون من جيوبهم، هذه المظالم، لمصيرهم امام القوة والجبروت.
-----------------------------
يديعوت – مقال افتتاحي – 26/2/2012
ماذا يُفعل بالاسد
بقلم: تولين دالوغلو - أنقرة
في يوم الاحد بعد دقائق معدودة من شيوع نبأ السفن الحربية الايرانية التي رست في ميناء طرطوس في سوريا، أبلغ رئيس لجنة الخارجية في البرلمان التركي ان الحديث عن تطور غير متوقع: "يجب على تركيا وسائر الدول ذات الشأن ان تظل هادئة وان تتخذ خطوات حكيمة لاحباط اللعبة"، كتب.
يخطيء اولئك الذين ما يزالون متمسكين برأي ان حكومة اردوغان تستطيع ان تؤثر في السياسة القاتلة للمنطقة. فالازمة في سوريا تفوق قوى تركيا وقد برهنت حكومة اردوغان في الماضي على أنه يصعب عليها ان تحافظ على برود أعصابها. ان رئيس حكومة تركيا الذي أخرج بشار الاسد من العزلة الدولية الى حلبة السياسة العالمية، يؤيد اليوم تغيير النظام في سوريا. وقد استقر رأي تركيا على اختيار جانب بدل الاحتفاظ ببرود الأعصاب والاستماع الضروري من اجل الجسر والمجيء بحل في هذه الايام الحرجة.
ان معارضي النظام في سوريا بخلاف نظرائهم في ليبيا سيظلون وحيدين في المعركة ايضا بعد ان فقدوا نحوا من سبعة آلاف شخص في 11 شهرا. ولما كانت الولايات المتحدة مشغولة بانتخابات الرئاسة فلا ارادة عند براك اوباما والبيت الابيض لاستعمال الجيش الامريكي لاسقاط نظام الاسد. وقد بين الامين العام لحلف شمال الاطلسي، أندريس بوغ راسموسن، ان حلف شمال الاطلسي برغم أنه يملك تفويضا من الامم المتحدة، لا ينوي التدخل في سوريا. أول أمس حينما عُقد في تونس لقاء الدول "الصديقة لسوريا" كان شيء واحد واضحا هو انه لم يتخذ أي قرار يشتمل على تدخل عسكري اجنبي.
في الوقت الذي يُصرف الانتباه كله الى وحشية نظام الاسد، لا يتناول النقاش العام صورة ملاءمة سياسة وخطابة حكومة اردوغان للواقع. ان اردوغان باعتباره يعتبر الزعيم الأكثر شعبية في العالم العربي قد فاجأ كثيرين حينما زعم ان ما يحدث في سوريا هو "الشأن الداخلي" لتركيا. لكن يبدو الآن ان تركيا – برغم انها تسمح للمعارضة السورية باستعمال اراضيها – بعيدة جدا عن خطة عملية ما للجسر بين الطرفين الصقرين. فهي تعارض تسليح قوى المعارضة وتنكر بشدة كل ادعاء أنها تفعل ذلك. والى هذا فان احتمال ان يتخذ البرلمان التركي قرارا يسمح بانشاء فريق امني في سوريا من غير ان يُعطى ذلك موافقة دولية واضحة وشرعية من الامم المتحدة، منخفض جدا.
نددت تركيا بالنقض الذي استعملته روسيا في مجلس الامن على القرارات المتعلقة بنظام الاسد وزعمت ان روسيا تمنح الزعيم السوري بذلك "رخصة قتل". لكن في الفترة التي تلت الحرب الباردة وبعد الحادي عشر من ايلول، لا يريد الروس ببساطة ان يروا دول الغرب برئاسة الولايات المتحدة تواصل فعل ما تشاء في العالم العربي.
هذا الى أنه لم يضمن اسقاط نظم الحكم الاشكالية في الشرق الاوسط حتى الآن مستقبلا ورديا لمواطني الدول المتحدث عنها. ففي الاسبوع الماضي نشرت منظمة "أمنستي انترناشيونال" تحذيرا واضحا يقول انه بعد أقل من سنة من نهاية عصر معمر القذافي، تهدد عصابات مسلحة الامن والاستقرار في ليبيا، فاذا حدث في سوريا أمر مشابه فسيكون تهديدا للمنطقة كلها ولتركيا ايضا.
ان مهاجمة اردوغان لاسرائيل عززت شرعيته باعتباره زعيما مسلما في نظر رجل الشارع، لكن في سوريا خطر أن يتناولوا هذه التصريحات بجدية. وليست كل دول المنطقة تُجل وتُقدر حقيقة ان زعيما عربيا مسلما قد بلغ الى مكانة قوة كهذه، وفي المستقبل قد يُنظر الى سياسة "حزب العدالة والتنمية" الخارجية باعتبارها فشلا أو اضاعة للفرص.
----------------
معاريف - مقال - 26/2/2012
الخفة التي لا تطاق في اطلاق النار
بقلم: شاي غولدن
جندي المدفعية الذي أطلق النار على المتظاهر الفلسطيني طلعت رامية قرب حاجز قلنديا يوم الجمعة فقتله، لم يكن يعنى على ما يبدو بالاعتبارات السياسية وبالجوانب الدبلوماسية والدولية لحكومة اسرائيل. فقد شعر بالتهديد من جانب شاب مسلح بمسدس العاب نارية، يقف على مسافة عشرات الامتار منه، فأطلق النار انطلاقا من الاحساس بخطر الحياة. كان هذا فعلا سخيفا لجندي شاب – يدل ليس فقط على الخفة التي لا تطاق والتي يستخدم فيها جنود الجيش الاسرائيلي النار الحية في احداث المظاهرات، وحتى في اثناء الهدوء النسبي، بل أيضا على الخطر الاستراتيجي الذي يكمن لاسرائيل اليوم في كل فعل يقوم به عريف ابن عشرين.
اعتداء الشبان العرب على الجنديين في حيفا، كما بدا الحال، مثل جنازة رامية والمواجهات العنيفة بين الجيش والمتظاهرين الفلسطينيين المشيعين لها في منطقة الرام في شمالي القدس قد يكونا بداية كرة النار التي تتدحرج في منطقة متوترة، ولكنها هادئة نسبيا، وستضر باسرائيل في جبهات عديدة. أضيفوا الى الامر سياسة الاستفزاز من مجموعة امناء جبل البيت والتي تعنى منذ اسبوعين باثارة النقطة الاكثر حساسية في الشرق الاوسط؛ والركب بالمجان الذي اتخذته حماس على عنف متطرفي اليمين لغرض الهاب الخواطر من جانبها – فستجدون بان اعمال الشغب في الحرم في نهاية الاسبوع الماضي هي مجرد المقدمة لموجة متفجرة وكبيرة جدا من العنف على خلفية دينية بين اليهود والمسلمين في فترة يصعب التفكير بما هو اكثر حساسية وتعقيدا لاسرائيل في الجبهة الدولية.
سوريا تشتعل، وعيون العالم كله تتطلع الى الجرائم النكراء التي يرتكبها الاسد. الاسرة الدولية كلها تتحد في تحالف دبلوماسي نادر لاسقاط الطاغية العنيف؛ ايران توجد تحت الضغط الدولي الاشد الذي تتعرض له منذ صعود نظام آيات الله، ولكن بدلا من استخدام هذا الزخم التاريخي في صالح مكسب دولي حقيقي، تنجح اسرائيل في التورط في نهاية الاسبوع الاخير في جولة غبية وعابثة من العنف.
من شاهد نشرات الاخبار في القنوات الدولية وجد أن محرري الاخبار في القنوات الاجنبية يربطون بين العنف في سوريا وبين نشاط الجيش الاسرائيلي في قلنديا. محاولات اقتحام متطرفي اليمين الى المسجد الاقصى غطيت هي ايضا بتوسع وخلقت في العالم الانطباع بان اسرائيل، مثل سوريا، هي دولة تشيع العنف والظلم ولا تأبه بحقوق الاقليات التي توجد بين ظهرانيها.
اذا لم تتخذ حكومة اسرائيل يدا متشددة ضد الاستفزازيين اليهود الذين يحاولون اشعال المنطقة، فقد تجد نفسها أسيرة معمعان يخرج عن سيطرتها ويلحق ضررا دبلوماسيا هائلا. اذا لم يأمر رئيس الاركان والمفتش العام للشرطة جنود الجيش وشرطة حرس الحدود بالامتناع عن استخدام السلاح الناري الحي في المظاهرات والامتناع قدر الامكان عن النشاط العنيف لتفريق المظاهرات، فقد نجد أنفسنا في بداية جولة عنف اخرى، زائدة وخطيرة – ليس فقط ستدهور الوضع في المنطقة بل وستضر ايضا بالقيم الاكثر استراتيجية لاسرائيل في هذا الوقت.
ولكن احيانا يخيل ان نزعة العنف والدمار الذاتي الاسرائيلية، وكذا الغباء البنيوي فيها، اقوى منها. يمكن ان تدفع هذه المرة غاليا على ضعفها الداخلي وعلى غبائها.
----------------------------------------
هآرتس - مقال - 26/2/2012
لا مُغيث في سوريا
بقلم: جدعون ليفي
كيف يمكن ان نقرأ خمسة فصول الفظاعة بقلم جونثان ليتل من مدينة حمص وأن نفكر في شيء آخر؟ وكيف يمكن ان نقرأ هذه الفصول الخمسة الفظيعة ونكتب عن شيء آخر؟ غير بعيد عن مكان سكننا، عند ظاهر حيِّنا حقا، تحدث مذبحة فظيعة لمواطنين متعطشين الى الحرية وتقصر أيدينا عن المساعدة بل إننا لا نحاول. ان بشار الاسد وهو طبيب العيون المحب للهاي تيك وزوج أسماء الحسناء تبين أنه وحش. فالجار القريب يقصف ويقتل بلا تفريق والعالم وفيه الجارة اسرائيل لا يحرك ساكنا. فماذا سيكون اذا زادت الفظاعة أكثر؟ واذا حدثت هناك محرقة؟ واذا طرق جماهير اللاجئين السوريين حدود اسرائيل؟ هل سنختبيء آنذاك ايضا وراء الباب الموصد مثل النساء العجائز الخائفات المذهولات – لا نسمع شيئا ولا نرى شيئا والأساس ان يبقى الباب موصدا؟.
في سنة 1981 حينما نشبت الحرب الفظيعة بين ايران والعراق، تمنى رئيس حكومة اسرائيل مناحيم بيغن "نجاحا للطرفين". في نهاية الاسبوع الماضي تذكروا باشتياق مرور عشرين سنة على موت بيغن لكن مقولته تلك كانت من أشد تصريحاته بؤسا ومهانة، لأنه لا يجوز لنا أن نفرح بسقوط أعدائنا بل يجب فقط ان نأمل ألا يكون أحد في اسرائيل فرحا بما يجري في بيت الجارة. يصرخ هناك جماهير المدنيين في عجز بازاء القذائف التي تسقط على بيوتهم: "الله أكبر" – بلا صريخ. ان هذه الصيحة التي تدمغ عندنا كل فلسطيني بأنه متهم بالارهاب قد أصبحت في سوريا صرخة انسانية يأسى لها القلب والقلب لا يأسى بقدر كاف.
اجل، صحيح، ماذا تستطيع اسرائيل ان تفعل؟ فكل عمل منها سيُتهم فورا بأنه تدخل اجنبي من اجل مصالحها الضيقة المعادية. وكل تصريح أو عمل من اسرائيل قد يوحد فورا الشعب السوري عليها. ومع كل ذلك لا يمكن الامتناع عن تخيل كيف كانت الامور يمكن ان تكون مختلفة. كيف كان يكون الامر لو ان اسرائيل عملت في الماضي أكثر كي تُقبل في حيِّها – غابتها: كانت تستطيع الآن ان تُظهر على مرأى من العالم كله ادعاءها أنها "الديمقراطية الوحيدة في الشرق الاوسط" وأن تُزكي ذلك بأفعالها. لو أنها كانت كذلك في الحقيقة لكانت الآن واحدة من قائدات التحالف الدولي الذي يخرج لانقاذ الشعب السوري كما خرجت اوروبا بالضبط لانقاذ كوسوفو وكما انتظمت في افريقيا جيوش لانقاذ أبناء شعوب جارة. والعالم لا يحرك ساكنا من اجل سوريا، وروسيا والصين تؤيدان المذبحة لأن العالم هزلي ومصلحي.
لكن اسرائيل كان يمكنها ان تكون مختلفة: تخيلوا مثلا لو ان التحالف مع تركيا كان نافذا، اذا كانت اسرائيل تتعاون معها لانقاذ جارتهما. وتخيلوا ماذا كان يحدث لو ان رئيسي حكومتي اسرائيل وتركيا وهما الديمقراطيتان الوحيدتان في الشرق الاوسط وقفا معا ليهددا نظام الاسد. لو كان اسرائيل صرفت جزءا صغيرا من خططها لمهاجمة ايران الى الخروج لحماية الشعب السوري فكيف كان العالم العربي يراها وكيف كان العالم كله ينظر اليها.
لكن هذه كلها أحلام يقظة. فاسرائيل ليست في منزلة ان تعظ النظام المستبد الجار، وهي غير قادرة على فعل شيء من غير ان تلتصق بها الريبة. ومع كل ذلك فان القلب لا يجعلنا نقر. فالصرخات تعلو من وراء الحدود وأخذت تقوى. ولهذا، وبرغم جميع التحفظات والقيود لم يعد ممكنا ان نقبل بعد سكون اسرائيل وعدم فعلها. ان أبناء الشعب الذي لا ينسى لدول العالم عدم اكتراثها وعدم فعل أكثرها وقت المحرقة لا يستطيع الاستمرار في الصمت. يجب ان يكون الحد الادنى توجها صارخا الى الحليفة المطلقة، الولايات المتحدة، والى سائر صديقات اسرائيل بقول: إفعلن شيئا ما وفورا. إنسوا لحظة التهديد الايراني والاحتلال الاسرائيلي وجندوا أنفسكم لعملية انقاذ لا شيء أسرع منها. وليرتاب العالم ما شاء. فان دعوة اسرائيلية صادقة كهذه لن تقع على آذان صماء. استيقظوا أيها الأخوة فالجارة تحترق. ان المواطن ر. المقطوع الرجل بحسب تقرير ليتل يستصرخ؛ وابن أخيه المقطوع اليد قد مات تحت التعذيب.
----------------------------------------
هآرتس - مقال - 26/2/2012
أفضل دفاع هو مبادرة سياسية
بقلم: أمير أورن
"انه يذبحنا، وقلص أسعارنا بـ 30 في المائة"، قال دودو رحماني، وهو مقاول اعمال تراب من العفولة، بمرارة، مشيرا الى ناصب الجدران الوطني عيران أوفير. ان العميد أوفير ابن الرابعة والخمسين هو رئيس مديرية منطقة التماس في وزارة الدفاع وهيئة الاركان العامة، وهو واحد من خدمة الجمهور الأكثر جدوى في اسرائيل. وقد عين أوفير، وهو خريج اخلاء جنوب لبنان وغزة وبناء جدران في جميع المناطق، عين نفسه المقاول الرئيس لـ "ساعة الرمل"، وهي نصب جدران على الحدود المصرية، وأبعد مراحل الوساطة بين الطالب الامني ومقاولي التنفيذ.
ان رحماني وعشرات من منافسيه ممن أملوا الحصول على راتب حسن من الحاجة المُلحة الى سد الحدود بين اسرائيل وجاراتها، يضطرون الى الاكتفاء بربح ضئيل. وان ذكريات قدماء هذا الفرع عن احتفالات الاسراف والفساد في بناء خط بارليف في سيناء، وفي حرب الاستنزاف، يبتلعها غبار حاشية الشارع 12 في ظاهر ايلات. فهنا وبغير لجان وهستدروت صُرف كل شيء الى الخارج. في الماضي في أيام رئيس هيئة الاركان الثاني يغئال يادين استعمل الجيش الاسرائيلي المغاسل والمافيا. وبعد ذلك فضل الجيش ان يستأجر جهات خارجية في ظروف تنافس من غير ان يُحمل نفسه عبء دفعات مخصصات التقاعد واعادة التأهيل للعمال؛ لكنه في الفترة الاخيرة فقط صار يفعل هذا في اقتصاد.
ان كلمة "جدار" مضللة. ربما يُحتاج الى تعبير آخر هو "جدار محبوك"، للاشارة الى نظام ذي جدارين أو ثلاثة من أنواع مختلفة وقنوات وخنادق ووسائل مراقبة وانذار وجولات استطلاع وجمع معلومات استخبارية وقوات رد سريع وقدرة على القيادة والتحكم تعادل بين الحاجة الى مطاردة فورية لتخليص مختطف قبل ان يُخفى مثلا، وبين معرفة حساسيات اقليمية.
كانت اسرائيل ستبدو بصورة مختلفة غير مُجرحة بالحروب الى هذا الحد لو استطاعت في الخمسينيات أو في الستينيات في أبعد تقدير ان تضرب حول نفسها جدرانا تحميها من اعمال التسلل. ان الفريق المتقاعد يادين الذي أصبح مستشارا لهيئة القيادة العامة وقت الحاجة في حرب يوم الغفران (ولم تُلغ عضويته في لجنة أغرينات بعد انتهائها وفي هذا ما فيه من الفضيحة)، أيد في السابع من تشرين الاول 1973 الاقتراح المتعجل لقائد الفرقة اريئيل شارون الانتقال الى هجوم في السويس قبل استكمال الصد. "من المهم ان نذكر المبدأ المقبول عند الجيش الاسرائيلي"، ردد يادين. "الهجوم هو الدفاع الأفضل". ولقد نبعت اخفاقات اسرائيل في تلك الحرب من اهمال الدفاع.
في اسرائيل 2012 لم يُستوعب معنى الزعزعات في مصر وسوريا والغليان تحت الارض في الاردن: وهو الاتجاه الى انتقاض السلطة المركزية في دول قومية عربية – مصنوعة احيانا – ازاء تقوي تيارات قبلية ودينية ولوائية. ان الاتفاقات الموقعة مع الحكومات وعلاقات التعاون مع الجيوش المجاورة لا تكفي حينما تهدد ظواهر شعبية وجماهيرية باغراق الحدود سواء أكان ذلك بديلا مدنيا عن استعمال المدرعات والصواريخ أم كان مُجاريا له. تكون هذه احيانا عفوية منظمة كما حدث مع قوافل الحافلات التي جلبت آلاف المتظاهرين من عمان على مبعدة سفر نصف ساعة عن النهر الى جسور الاردن في "يوم النكبة". وهناك منعتهم قوات الامن الاردنية من الاقتراب من الحدود الاسرائيلية؛ فماذا سيحدث اذا تضعضعت مكانة النظام الهاشمي بضغط من معارضيه الى ان يسقط أو الى درجة برود سياسته نحو اسرائيل؟.
ان التطورات في مصر والاردن والجمود السياسي يؤثران مباشرة في الجمهور الفلسطيني القادر على ان يُمط مثل نابض يتحرر بعنف. ان الهدوء الحالي والاحجام عن ضعضعة الوضع الاقتصادي في المناطق، وتوجيه أبو مازن اجهزة الامن الى التعاون مع الجيش الاسرائيلي و"الشباك" – كل ذلك موجود ومؤثر، لكنه مضلل ايضا لكونه متعلقا بسياق ولهذا يوشك ان يكون عابرا.
يكفي اسبوع عرضي واحد من الجولات في الخليل مع قائد اللواء العقيد غاي حزوت، وفي غور الاردن مع نائب قائد الفرقة 162 العقيد ايتسيك بار وفي الفرقة الميدانية 80 التي تسيطر على ثلث مساحة دولة اسرائيل تقريبا في العربة والنقب – ومع قيادة العميد نداف فدان والعميد أوفير لينطبع في نفوسنا ان الجيش الاسرائيلي يضع في المناطق الحساسة أفضل ضباطه. وتُبين الجولة ايضا مبلغ كون الوضع الامني هشا، من غير وهم انه يوجد في الطرف الثاني عامل قوة حاسم محسوم يحرز هجوم اسرائيلي عليه هدوءا مستسلما. ان الهجوم الأفضل هو مبادرة سياسية والدفاع الأفضل هو الدفاع.
------------------------------
هآرتس- مقال - 26/2/2012
فن التهرب من الخدمة في الجيش الاسرائيلي
بقلم: يهودا بن مئير
قالت المحكمة العليا قولها، ودونما صلة بالجدل القضائي الآسر بين الأكثرية والأقلية، فانها قضت بقرار تاريخي مناسب وشجاع بأن قانون طال غير دستوري وينبغي ألا يتم إطالته الى ما بعد شهر آب وهو الموعد الذي يزول مفعوله فيه. وهكذا تزول القاعدة القانونية عن سلطة وزير الدفاع لأن يؤجل بلا تحديد تجنيد أكثر أبناء الجمهور الحريدي للجيش الاسرائيلي.
ينبغي ان نأمل ان تكون هذه نهاية الوضع غير الاخلاقي وغير اليهودي والذي لا يطاق الذي ساد هنا منذ نشأت الدولة وأُعفي بحسبه جمهور كامل بشكل مطلق من حمل عبء الدفاع عن الدولة. ان تسوية معقولة مناسبة أقرها دافيد بن غوريون مع نشوء الدولة وبعد هدم مراكز التوراة في أنحاء اوروبا في المحرقة – والذي قضى بأن يُعفى 400 من طلاب المعاهد الدينية بالفعل من واجب الخدمة العسكرية – قد تم تشويهه على مر السنين وأصبح انعطافة وغولا حينما أُعفي في نطاقه من الخدمة العسكرية في سنة 2011 وحدها نحو من 8 آلاف حريدي، أي نحو من فرقة كاملة.
ليس صدفة ان القاضيين المتدينين في التشكيلة القضائية كانا بين قضاة الأكثرية وكتبا قرارات معللة ومؤثرة تؤيد الغاء القانون والغاء الاعفاء بالجملة من الخدمة العسكرية للوسط الحريدي. والحديث عن طالبين حكيمين من خريجي المعاهد الدينية يعرفان جيدا قيمة دراسة التوراة. وبرغم ذلك – وربما بسبب ذلك خاصة – خلصا الى الاستنتاج الذي خلصا اليه.
ان المصطلح الأساسي في قرار الحكم التاريخي هذا هو مصطلح التناسب. فقد أكدت الرئيسة دوريت بينيش ان القانون محكوم عليه ان يُلغى لا لأنه مُضر بالمساواة فقط بل لأنه يُضر بها على نحو غير تناسبي بالأساس، وهذا في الحقيقة هو الامر كله. ان دراسة التوراة هي في الحقيقة قيمة مركزية في اليهودية ويجب ان نضمن ان يكون في المدارس الدينية دائما طلاب أذكياء يدرسون التوراة ويشتغلون بها. لكنه منذ أُنزلت التوراة لم يكن في تاريخ الشعب اليهودي ظاهرة كهذه حيث جلس جمهور كامل ووسط كامل لدراسة التوراة فقط – لا في عصر الهيكل الاول ولا في عصر الهيكل الثاني ولا في بابل ولا في اوروبا ولا في شمال افريقيا. فليس هذا هو مثال توراة اسرائيل.
ان فضل دراسة التوراة يساعد الجيش الاسرائيلي حقا على الانتصار في الحرب، لكن جنود الجيش الاسرائيلي هم الذين يحسمون المعركة، وهذا ما كان منذ أيام يوشع بن نون الى اليوم. ان موقف الحريديين الذي يقول بأنه يجب تمكين كل من أراد دراسة التوراة، بلا قيد من ان يُعفى من الخدمة العسكرية وألا يعمل مصاب بالنفاق والخداع. فالحريديون يأملون وضعا يتوب فيه شعب اسرائيل كله، فماذا سنفعل آنئذ أنقعد ونطلب الى الامريكيين ان يدافعوا عنا؟ شعب اسرائيل مُحتاج الى طلاب أذكياء لكنهم كانوا دائما أفذاذا قليلين لا 72 ألف شخص.
هناك امكانية لتسوية خاصة يُمكّنون بحسبها في كل سنة عددا محدودا محددا من الأفذاذ يشتغلون بالتوراة من ان يعكفوا على دراسة التوراة. وفيما عدا هذا يجب على كل شاب فاضل ان يُجند نفسه، فهذا مبدأ مقدس.
هناك من يزعمون ان الحريديين لن يُجندوا للجيش الاسرائيلي أصلا. وقد يكون هذا صحيحا، لكنهم يملكون اليوم شرعية عدم الخدمة وهذه الشرعية عار في جبين المجتمع الاسرائيلي. غدا حينما يلزمهم القانون بالخدمة – حتى من غير ارسال رجال شرطة – سيحمل كل من لا يُجند فوق جبينه علامة العار وتعامله الدولة بحسب ذلك وبكل ما يحمل ذلك من معنى.
-----------------------------------------------------
معاريف - مقال - 26/2/2012
لا شريك
بقلم: بن كاسبيت
لسبب ما، أصريت على مشاهدة داني كوشميرو يجري مقابلة مع النائبة حنين الزعبي، وخسارة أن هكذا، إذ لدينا ما يكفي من المشاكل حتى بدون هذه المرأة الرهيبة. من أجل ماذا وجع القلب هذا في بداية اسبوع جديد؟ إذن هذا هو، كل من لا يزال يؤمن بمستقبل مشترك للشعبين على قطعة الارض هذه، مثلي، يحتاج بين الحين والاخر الى أن يتلقى هذه الضربة كي يفهم حجم المشكلة. ترهات هذه المرأة البائسة، تشرح على نحو ممتاز كيف حصل ان اليسار اختفى، لماذا تراجع "معسكر السلام"، لماذا تبددت مفاوضات السلام، لماذا اكتسب الاحساس بانه "لا يوجد مع من وعلى ماذا يمكن الحديث" حظوة كبيرة في مركز الخطاب الجماهيري في اسرائيل. إذ ليس فقط هنا عندنا يوجد يسار هاذٍ ويمين مشوش، ففي الطرف الاخر هذا أشد وباعث على الاكتئاب بقدر لا يقل.
كوشميرو لم يوفر على الزعبي شيئا. كل الاسئلة كانت هنا، ولشدة الاسف الاجوبة أيضا. فكر السيدة بسيط: سلبتمونا، طردتمونا، نحن محتل وحشي، الحل الوحيد هو اقامة دولة فلسطينية هناك ودولة ثنائية القومية هنا. اقسم أني لم اغير شيئا. للفلسطينيين حق في تقرير المصير. وماذا عن اليهود؟ يبدو أن لا.
لن يكون يهود في الدولة الفلسطينية، ولكن سيكون الكثير جدا من العرب في الدولة اليهودية، وهذا حتى قبل حق العودة. متى يوجد للجيش الاسرائيلي الحق في الرد، في العمل، في الهجوم، سألها كوشميرو، فأجابت: "فقط بعد الا يكون احتلال". إذن ماذا عن غزة، سأل كوشميرو، ففي غزة لم يعد احتلال، والسيدة لا تتشوش: "لا يوجد احتلال، ولكن توجد سيطرة". واذهب لتعلم متى من ناحيتها لا توجد سيطرة، وكيف ينبغي للدولة أن ترد عندما تطلق على مواطنيها الاف الصواريخ منذ قرابة عشر سنوات.
لنفترض ان حتى الان آراء الزعبي لا تزال محتملة. وعندها يسألها كوشميرو اذا كان لديها شيء طيب تقوله عن الدولة التي تربت وترعرعت فيها، الدولة التي تقبل بها نائبة في الكنيست، تدفع لها أجرا سخيا وتحتفظ لها بفريق من المساعدين كي تتمكن من أن تستنكرها وتنضم الى اولئك الذين يتطلعون الى ابادتها. "لا شيء"، قالت الزعبي، "لا شيء، ولا كلمة طيبة عندي عن الدولة"، وبينما تتحدث في الزمن الذروة التلفزيوني والاكثر مكانة في هذه الدولة، جرت في حيفا، في مسرح محترم، مظاهرة قام بها رفاقها تأييدا لبشار الاسد. نقول مرة اخرى: تأييدا لبشار الاسد. المكان الوحيد في العالم، باستثناء القصر الرئاسي في دمشق، حيث لا تزال توجد مظاهرات مؤيدة للاسد هو اسرائيل. المكان الذي وضع ابناء الاقلية المسيحية فيه، والتي تنتمي اليها الزعبي، هو الافضل في الشرق الاوسط هو اسرائيل. المكان الذي حرية التعبير فيه مطلقة، شبه تامة، هو اسرائيل. المكان الذي تكرس فيه صحيفة مركزية ومؤثرة تقريبا كل صفحتها الاولى لمقال في موضوع ماكن غير قانوني فلسطيني ترك لمصيره يموت هو اسرائيل. المكان الذي وضع المواطنين العرب فيه هو الافضل، بفارق هائل، عنه في كل باقي الدول (العربية!!!) الاخرى، من كل النواحي: التعليم، الصحة، الثقافة، الحرية الشخصية؛ نعم نعم، اسرائيل. نعم لا تزال هناك فوارق وتشويهات، ولكن محظور النسيان بان الشاب العربي يتمتع بتفوق ثلاث سنوات كاملة على زميله اليهودي (الذي يخدم في الجيش الاسرائيلي). كل هذا يمر عن حنين الزعبي من جانب الاذن.
مشوق أن نرى ماذا سيكون مصيرها في غزة، تحت حكم حماس، أو في مصر الحالية مع "الاخوان المسلمين". يمكنها أن تهتم بما يجري لدى الاقباط. ليس بهيجا لهم. ولم نتحدث بعد عن سوريا. إذن شاهدت، وأنا بشعور من الخجل، هذه المقابلة مع حنين الزعبي، التي هي عضو في الكنيست بفضل المحكمة العليا، ويخيل لي أن هذا الوضع قابل للاصلاح. في كل مرة اكتب فيها عن هذه الظاهرة أو عن هذه المرأة البائسة، تتدفق غير قليل من الرسائل الالكترونية من مواطنين عرب يقسمون بان زعماءهم في الكنيست بالكاد يمثلون ثلث جمهورهم في الشارع وفي البيت. إذن أيها الرفاق، اذا كان مستقبلنا المشترك هنا يعنيكم حقا، فتخلصوا بأسرع وقت ممكن من السيدة الزعبي وأمثالها. انتم تستحقون، ونحن ايضا، شيئا آخر.
-----------------------------
اسرائيل اليوم - مقال - 26/2/2012
هل ينجح الايرانيون في التضليل؟
بقلم: زلمان شوفال
زار اثنان من الاشخاص ذوي الشأن في القيادة الامنية الامريكية، هما مستشار الامن القومي المقرب من اوباما توم دونيلون ورئيس مديرية الاستخبارات الامريكية جيمس كالبر، زارا في الاسبوع الماضي اسرائيل لاقناعها بألا تعمل عسكريا على مواجهة ايران أو هكذا عُرضت الامور على الأقل في وسائل الاعلام.
كانت "مقدمة" الزيارة مقالة دنيس روس في صحيفة "نيويورك تايمز" التي زعمت في جملة ما زعمت ان احتمالات اجراءات دبلوماسية مع ايران قد تحسنت بسبب تشديد العقوبات عليها. لا يصدق روس ادعاءات الايرانيين أنهم يشتغلون بالذرة لحاجات سلمية، لكنه يؤمن بأنه يمكن وقف الجهد الحربي الايراني بوسائل دبلوماسية. جرى تشديد العقوبات في الاسابيع الاخيرة حقا، فقد انضمت "سويفت"، وهي الجهة الدولية التي تتولى الاتصال المصرفي الاعمالي العالمي، انضمت الى العقوبات، وهو شيء قد يفضي الى شل قدرة المصارف الايرانية على اجراء صلات تجارية دولية. وينبغي ان نفترض ان روس عرف ان شيئا ما يُدبر. ولم تمر ايام كثيرة في الحقيقة حتى نشرت رسالة سعيد جليلي، رئيس مجلس الامن الايراني الاعلى وفيها توجه لتجديد المحادثات "في جميع القضايا". وطهران تجعلنا نفهم ان ليس الشأن الذري وحده بل "جميع المشكلات" ستطرح في برنامج العمل، لكن وزيرة الخارجية الامريكية هيلاري كلينتون والمسؤولة عن العلاقات الخارجية في الاتحاد الاوروبي كاثرين آشتون عبرتا عن "تفاؤل حذر". أليس التفاؤل الحذر متفائلا كثيرا؟.
ان "العقوبات المُشلة" تنجح. فالاقتصاد الايراني، والاقتصاد الداخلي بخاصة، تضررا ضررا شديدا. لكن لا يقين من ان العقوبات الاقتصادية تعمل في الاتجاه الذي فُرضت من اجله وهو وقف السعي الى القدرة الذرية. قد تكون طهران قررت بسبب العقوبات تجديد الاتصالات الدبلوماسية لكن لا عن استعداد لوقف النشاط الذري بل لحفظ البقاء. فهي معنية بتفاوض غير ملزم لتنقذ نفسها. وقد عُلم حقا ان طهران مع اجراءاتها الدبلوماسية، ما زالت تواصل نشاطها العسكري بكامل النشاط.
تشعر ايران في هذه الايام بأنها مصابة ومعزولة: فسوريا، حليفتها الوحيدة في المنطقة تتفكك عراها وتظهر تركيا بمظهر العدو لا الشريكة، ولحماس ولحزب الله التابعين المخلصين مشكلاتهما. لكن طهران بسبب ذلك خاصة عازمة على التقدم في المشروع الذري الذي سيضمن في رأيها مكانتها في المنطقة. فيمكن اذا ان نُقدر ان اقتراح ايران بدء تفاوض ليس سوى اجراء تضليلي. فهل يشتري العالم وامريكا بخاصة بضاعة طهران الفاسدة؟ ليس الجواب واضحا. والسيناريوهات في هذا السياق ليست مشجعة بالضرورة.
تحذر في الاثناء جهات امريكية مختلفة من عملية عسكرية اسرائيلية وهذا غريب. ان الاستخبارات الحربية الامريكية تستحق المدح كما ثبت بعملية اغتيال ابن لادن، لكن الاستخبارات السياسية الامريكية شأنها مختلف. ان التصريحات من واشنطن فيما يتعلق بايران بعيدة عن ان تكون قاطعة لا لبس فيها. والشيء الواضح هو ان اوباما يميل الى تجديد الاتصالات الدبلوماسية أكثر من ميله الى الخيارات الاخرى بحيث سيكون نجاح الخدعة الايرانية أو عدم نجاحها متعلقا به بقدر كبير.
--------------------------------
يديعوت - مقال - 26/2/2012
لقاء النبل
15 ألف دجاني
بقلم: سمدار بيري
كان، وكيف لا، الخلل المفهوم من تلقاء نفسه، هذه المرة في معبر الحدود في جسر اللنبي. رغم أنهم من بلدية تل ابيب بعثوا برسالة مرتبة مع قائمة أسماء وأرقام جوازات سفر، فان شبابنا النشطاء كانوا ملزمين بان يستجوبوا بجذرية كل واحد من الدجانيين قبل أن يجتازوا الحدود ويدخلوا من الطرف الاردني: لماذا تأتون، الى اين تذهبون، ما هو هدف الزيارة.
لبنى دجاني، ابنة المصرفي عادل، الذي لعبت قصة حياته دور النجم في "يديعوت احرونوت" في تقرير نال عنوانا فاجأهم هم ايضا، "دجاني هو نحن"، تجلب ثلاثة أطفالها الى الاحتفال الذي سيعقد بعد ظهر اليوم في "ميدان دجاني" في يافا – في النطاق الذي تحول من مستشفى للولادة والجراحة الذي اقامه د. فؤاد اسماعيل دجاني. اليوم يعمل هنا تحت اسم آخر بيت عجزة ومركز نهاري للشيوخ.
الطبيب الاسطوري مات على نحو مفاجيء في 1940 وخلف وراءه أرملة وستة أطفال هربوا الى القاهرة. أصغرهم، عمر، كان في حينه ابن ثلاثة اشهر فقط، وقد ربى وعلم الجيل التالي على الذكريات. عمر وابنه، اللذان يأتيان من لندن، الابن والحفيد للمؤسس، سيتواجدان اليوم في الاحتفال الذي نظمه أحمد مشهراوي، عضو مجلس بلدية تل أبيب – يافا، لازاحة الستار عن اسم د. دجاني. قبيل الحدث يستعيد عمر ذكرى ما حصل لمصير عائلته: ستة أبناء وبنات، خمس جنسيات مختلفة، ينتشرون مع أنسالهم. حسب ناديا دجاني، التي تحافظ على الاتصال وتنظم اجتماعات عائلية، فان 15 ألف دجاني على الاقل ينتشرون اليوم في كل ارجاء العالم.
لا جدال في أن الاهتمام المتجدد للعائلة، التي جذورها في القدس وفروعها انتشرت الى اللد، الرملة، بئر السبع، ريشون لتسيون وبيت دجن، ثار في أعقاب الكتاب (الممتاز برأيي) لالون حلو "عزبة دجاني". حلو ولد في مستشفى دجاني في يافا، والذي تحول اسمه منذئذ الى تسهلون. لماذا أذكر حلو؟ لان أبويه ولدا في دمشق وهربا الى اسرائيل. فهل كان أحد يتصور بان في احدى دول العالم العربي سيسمون ميدانا مركزيا، بل حتى زقاق شارع ناءٍ جدا باسم يهود؟
على مدى السنين حصل لي أن تعرفت على عشرات من ابناء العائلة. أنت تقول دجاني، يروي طبيب النساء من شرقي القدس، د. رجائي، حتى يكاد يكون لكل اسرائيلي صلة وصل بعائلتنا. هو نفسه يلبس مرة في الاسبوع ملابس رياضية وينطلق الى المشي في الحي الالماني في القدس، مثابة جولة حنين، يرى ولا يتماثل، بين بيوت طفولته.
صورة عائلية تعرض سيدات النقاط بلباس فاخر، سادت ببدلات من ثلاثة اجزاء، افضل الموضة في تلك الايام. فناجين شاي وصحون فاخرة مزينة بأشرطة ذهبية رقيقة، للاحتفال التقليدي بعد الظهيرة.
كل شيء ضاع في الهروب الكبير: البيوت والاملاك التي انتقلت الى حارس املاك الغائبين، وحتى فريق كرة قدم الدجانيين. هذا ولد عندهم، هذا عمل عند الدجانيين او شغلهم، آخرون عندنا التقوا بالدجانيين في مؤتمرات دولية للاطباء، المحامين، المربين والاكاديميين. ان يكون المرء دجاني، شرح لي وزير كبير في حكومة الاردن، هو أمر يلزم من يحمل الاسم. هكذا، أخوان، د. محمد ود. منذر من جامعة القدس، طورا "الوسطية"، لتعليم الجيل التالي في الجانب الفلسطيني أن يعيشوا حياة كرامة، بدون عنف. حتى اليوم، الصيغة الدجانية، تلزم بالمساهمة في المجتمع، اكتساب التعليم والتميز دوما، وعدم نسيان التراث. ان شئتم، فهذه هي النبالة الفلسطينية، ملح الارض، هي التي هربتهم.
نأمل أن يجري الاحتفال اليوم، برعاية رئيس بلدية تل أبيب يافا دون عراقيل. وأن يمر الانفعال الكبير في طرفهم دون مشاكل من جانب اليمين عندنا ومن معارضي الحدث في الجانب العربي. ان ينجحوا في الا يتحدثوا عن حق العودة، عن الكفاح في سبيل الحياة الجديدة. لم يكن سهلا دوما على مسافة الاف الكيلومرات من الشجرة العائلية. يوجد، كما يتبين، دجانيون حتى في سنغافورة وفي السعودية، حلمهم لم يندثر.
--------------------------------------
اسرائيل اليوم - مقال - 26/2/2012
الرئيس ودراسة التاريخ
بقلم: يوسي بيلين
في زيارة قام بها رئيس الدولة شمعون بيرس لمدرسة في الناصرة، سأله الطلاب لماذا لا يُمكّنونهم من دراسة التراث الفلسطيني، وجاءوا على ذلك بمثال هو شعر محمود درويش الذي لا يُدرس في مدرستهم. ولم يتردد بيرس فاقترح عليهم ان يكفوا عن دراسة التاريخ وان يحصروا عنايتهم في المستقبل، وليس واضحا حتى هذه اللحظة هل تبنوا اقتراح الرئيس.
يحارب بيرس منذ سنين التاريخ، برغم أنه هو نفسه طالب مخلص جدا وخبير جدا بهذا المجال. فهو يبتلع السير الذاتية وهو متحمس دائما ليجد اشياء جديدة لم يعرفها من قبل. فلماذا يصر كثيرا على منع الآخرين من ذلك؟ يبدو ذلك لأنه لا شيء كالتاريخ في اثارة كُره الماضي وانتقام الماضي واحتلال الماضي وأن يجر بذلك الشعوب الى حروب لا داعي لها مع "عماليق" جدد لاسترجاع ما كان ذات يوم لشخص ما. ان كل بلد تقريبا سيطر في وقت تاريخي ما على ارض لم يعد يملكها اليوم، فلو أخذ الجميع ما كان لهم وقت توسعهم المناطقي لاحتيج الى مضاعفة مساحة العالم عشرات الأضعاف. واذا لم يدرس الناس التاريخ – ويبدو ان الرئيس يظن هذا – فسنقي أنفسنا من هذا الصداع الذي لا حاجة اليه. وأعترف بأنه حينما بدأ يقول هذا اعتقدت ان الحديث عن شيء من الهزل وهو بلا شك عنده حس الدعابة. وكلما كرر ذلك أدركت انه أقل إضحاكا.
أقول بالمناسبة انه لو احتيج الى الاكتفاء بموضوع دراسي واحد يُشتغل به في المدارس لما ترددت ثانية واحدة ولاخترت التاريخ.
وذلك لأن الحديث – اذا استثنينا اللغة – عن القاسم المشترك الانساني الأكبر مع مواطني العالم الآخرين ومع أبناء القبيلة التي ولدنا فيها، فبغير تاريخ لا توجد نقاط اعتبار. وبغير تاريخ لا امكانية لاستخلاص استنتاجات من سلوك سابق. ولا امكانية لاتقاء الأخطاء ولا امكانية لتكرار مسارات ناجحة. ان من يتخلى عن التاريخ يجعل نفسه مؤمنا بالوضعية بصورة مطلقة (بحيث يجب ان يتلقى ضربة من الطاولة ليقتنع بأن الحديث عن جسم صلب موجود في الغرفة يسبب ألما لمن يركلونه). ولا يمكن العيش على هذا النحو.
يُقتبس من كلام شمعون بيرس انه يستهين بأهمية معرفة حروب نابليون. لكن كيف يمكن ان نقرأ أدب القرن التاسع عشر من غير ان نتناول هذه الحروب؟ وعلى العموم تخيلوا ان شخصا ما دخل غرفة وهو شامخ بأنفه غير مكترث لما حوله، ويقود الى محاربة ايران ويطلب زيادة ميزانية الدفاع، ويُبطل عمل الساعات ويكسر الأقفال ويفتح الأقلام وهو غير مديد القامة بصورة خاصة، ستقول أنت "نابليون"، وينظر اليك مُحادثك متعجبا فتدرك أنه اذا كان لا يعرف من هو نابليون فلا يمكن الحديث معه.
"لا، لا"، سيقول لك مُحادثك الذي يشعر بالاهانة، "لا تتخلى عني، تحدث إليّ. فأنا ببساطة لم أحضر دروس التاريخ، فقد كان عندي قصاصة ورقية من الرئيس!".
- انتهى -