فلسطيني يعود منتصراً إلى الوطن بعد 14 عام قضاها في الأسر واضراب عن الطعام لمدة 71 يوماً
عن جريدة " هآرتس الصهيونية".
دائرة الاعلام المركزي – ترجمة وسام الخطيب
لم ينم بلال كايد لأكثر من أسبوع، إنه يخشى النوم، خوفاً من أن يستيقظ ويكتشف أن كل ذلك كان حلماً. يقول؛ "أخشى إذا نمت أن يتحّول ذلك كله ليكون حلماً". وعلى أي حال، لا يريد أن يفوّت دقيقة من حياته المتجددة.
ويخبرنا، "أشعر بالحماس بشأن كل شيء بسيط، كالجلوس مع الناس في غرفة المعيشة، والتحدث إلى والدتي، ودعوتها لي لتناول العشاء. أنا حقاً لم أستوعب الوضع حتى الآن. أشعر أن شيئاً ما قد تغيّر في حياتي، لكني لا أدرك ما هو بعد."
هذا ما تشعر به عندما يتم الإفراج عنك بعد قضاء 14 عاماً ونصف العام في السجن. لكن قصة كايد ليست فقط طول فترة حبسه، دون إجازات أو مكالمات هاتفية أو حكماً مخففاً لحسن السيرة والسلوك أو غيرها من الميزات للسجناء "الجنائيين". قصته أيضاً هي إحدى الممارسات السيئة التي لحقت به وبعائلته.
قبل خمسة أشهر، عندما زرنا منزله، كان مكاناً للحداد. في اليوم المقرر للإفراج عنه في نهاية محكوميته التي استمرت 14 عاماً، إذ كانت عائلته وقريته تستعدان للاحتفال بهذا الحدث، أبلغته السلطات الإسرائيلية بقرار تحويله إلى "الحبس الإداري" – اعتقال دون محاكمة.
ولم يُقدَّم أي تفسير لذلك. وردّ كايد بإعلان إضراب عن الطعام، والذي استمر 71 يوماً، وكاد أن يُجهز عليه. عرضت عليه السلطات الإبعاد إلى الأردن مدة أربع سنوات، ورفض ذلك.
وأخيراً، في شهر آب، وافق على ترتيبات التي بموجبها سيُطلق سراحه في غضون أربعة أشهر إذا أنهى إضرابه. انتهت الشهور الأربع الأسبوع الماضي. وقد حوّلت منزل الحداد الذي كان أواخر الصيف إلى مكان للاحتفال مع حلول فصل الشتاء.
بدت عصيرة الشمالية، مسقط رأس كايد، كأنها طُليت بالأحمر: رايات الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين – التي ينتمي إليها كايد، والتي أدت إلى سجنه – معلقة على كل عمود كهربائي. لقد مضى وقت طويل، منذ أن تمتّعت هذه المنظمة الفلسطينية، التي (انحسرت بشكل ملحوظ، سواء من حيث العضوية والنفوذ، في السنوات الأخيرة، بهذا الكم من الاهتمام). لقد كان كايد بمثابة الناطق باسم السجناء المرتبطين بهذه المجموعة.
خلال زيارتنا، وصل وفد من الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين لمنحه درع تقدير. وأخبره رئيس الوفد: "لم تغب عن أذهاننا لحظة أثناء إضرابك عن الطعام. عندما كنا نأكل، كنا نفكر بك".
سوف يخبرنا كايد أن "إسرائيل" تحقق رؤية منظمته للدولة الواحدة، العلمانية والديمقراطية وهي لا تدري. رجل يبلغ من العمر 34 عاماً، فصيح ومثير للإعجاب، ويتحدث العبرية، التي تعلمها في السجن، بطلاقة. من بين أمور أخرى، يقول لنا أنه سيتعين عليه الزواج قريباً؛ لا يمكن لوالدته الانتظار أكثر من ذلك.
حيث كنا في الطريق إلى منزله في عصيرة الشمالية هذا الأسبوع، اندفعت مجموعة من حرس الحدود شاهرين أسلحتهم الأوتوماتيكية نحونا من سيارة كانت تسدّ الطريق عند المدخل الشرقي لمدينة نابلس. أدركنا أن أي تحرّك خاطئ من جانبنا قد ينتهي بشكل سيء، لكنهم سرعان ما تركونا نمضي في طريقنا إلى المنزل الذي زرناه قبل خمسة أشهر.
في ذلك الوقت، كانت سهى، شقيقة كايد، والتي تعيش في ألمانيا، قد عادت للترحيب بعودة شقيقها إلى المنزل. لقد عادت الآن، ونحن نتحدث باللغة الألمانية مرة أخرى، في مشهد سريالي إلى حد ما. كسرت سهى ذراعها الأسبوع الماضي خلال أحد الاحتفالات تكريماً لبلال، وقضت بضعة أيام في مستشفى نابلس. تقول سهى مبتسمةً؛ "إنه يجلب الحظ".
كان شقيقهما محمد، وهو مدير مدرسة في السعودية، حيث عاش لسنوات عديدة، هنا أيضاً. لم ير شقيقه منذ 17 عاماً؛ لم يُسمح له بزيارته في السجن. ما زالت والدة بلال، رهيبة، والزوجة الثانية لزوجها الراحل، نعيمة، والتي دعمت بلال أيضاً، لا تصدق أنه في المنزل.
أول شيء فعله كايد يوم الاثنين الماضي، بعد أن تم الإفراج عنه أخيراً، كان سجوده عند قبر والده. فلم تسمح له السلطات الإسرائيلية بوداع والده عبر الهاتف، عندما كان على فراش الموت قبل بضع سنوات، كما أنه لم يسمح له بحضور جنازته. كانت عيون كايد تدمع عند الحديث عن ذلك.
المزيد والمزيد من الضيوف يتدفقون إلى داخل المنزل أثناء زيارتنا، على الرغم من أن أسبوعاً قد مر منذ استعادة كايد حريته. هنالك صورة كبيرة له معلقة على أحد الجدران.
يقول "إن إطلاق سراحه لم يجرِ بسلاسة؛ تم إبلاغه في الصباح أن ثمة تأخير – أن الشاباك لم يقرر بعد إذا ما كان سيفرج عنه. طلبت منه سلطات السجن الانتقال من زنزانته المشتركة إلى الحبس الانفرادي، إلى حين اتخاذ القرار. وانتظر لمدة ست ساعات. لقد اعتاد وجوده هناك، بعد أن أمضى السنة الأخيرة من سجنه في الحبس الانفرادي، مع المشي لمدة ساعة واحدة يومياً في الباحة، مُكبّل اليدين والساقين. ويقول أنه لم يشرح له أي شخص أبداً لماذا كان هناك، على الرغم من أنه قيل له ذات مرة أنه قد فعل شيئاً لا يُغتفر ويشكل خطراً على الآخرين. يبدو أنه كان على علاقة سيئة مع إدارة السجون، ومع ضابط واحد على وجه الخصوص، الذي ذكر اسمه".
لاحقاً، في ذلك اليوم المشؤوم في الأسبوع الماضي، قيل له أنه سيتم نقله في سيارة السجناء إلى حاجز جبارة، قرب طولكرم، وأنه سيضطر إلى الانتظار في السيارة حتى يتم اتخاذ القرار النهائي. مرة أخرى تم إخباره أن ثمة تأخيرات. وأُطلق سراحه أخيراً حوالي الساعة 3 عصراً، وليس قبل أن يتم تحذيره، "لا نريد أن نرى أي احتفال على الحاجز".
لقد انتظرت سهى منذ الصباح في ظلال أشجار الزيتون في مكان قريب. وقالت لنا أنها لم تركض للترحيب به، لأنها كانت تخشى من أن الرجال الذين كانوا ينتظرون معها سيركضون أيضاً، الأمر الذي من شأنه أن يدفع الجنود لبدء إطلاق النار. سنوات منذ أن رأت شقيقها آخر مرة.
وتقول؛ "تعرّفت عليه على الفور. لكني لم أركض. لقد خشيت على الرجال. في النهاية، ركضوا إليه. لا أعرف ما إذا بكى، لقد قالت التعابير على وجهه أنه لم يكن متأكداً أن ذلك يحدث حقاً". انتظرت أم كايد، وزوجة أبيه، في المنزل.
بعد زيارة الأسير السابق قبر والده، وقبر شقيقه الذي الذي توفي في حادث سير أثناء سجنه، بدأت الاحتفالات. لقد حمل سكان القرية كايد على أكتافهم في الشوارع. وتظهر الصور الفرح العارم الذي كان يسود. لقد كان عمره 19 عاماً وقت اعتقاله. بالنسبة لسهى، التي كانت تبلغ 25 عاماً عندما ألقي القبض عليه في ليلة شتاء باردة، إنه لا يزال شقيقها الصغير.
وأوضحت، "بعد 14 عاماً ونصف، أريد أن أدعم والدتي وعائلتي. لن أتخذ أي إجراء ضد الاحتلال، لكن عندما أكون مع أمي هنا، أنا في الواقع أيضاً أعمل ضد الاحتلال، لأن بقاءنا على قيد الحياة هو تحرّك ضد الاحتلال. أنتم (الإسرائيليون) تقدمون الآن فرصة للفكرة الصهيوينة للانهيار. يعتقد العديد منكم أنه من الممكن أن يعيش في حالة من العزل والفصل العنصري للحفاظ عليها بالقوة حتة ينتهي العالم. هذه هي نهاية الصهيونية . لا أعتقد أنها سوف تستمر إلى الأبد. من خلال سياستكم أنتم توحدون كل القوى في الشعب الفلسطيني، وهو أمر لم نكن قادرين على فعله بأنفسنا".
وأضافت سهى، "سوف تجعلون رؤية الجبهة الشعبية تتحقق. وجليٌّ لك أيضاً أن مشاكلكم الداخلية – بين اليهود الأشكناز والمزراحيم (أي؛ اليهود الشرقيين والغربيين)، وبين المتدينين والعلمانيين – لم يتم حلّها، على الرغم من أن المشكلة الفلسطينية لا تزال قائمة. يمكن أن تنفجر تلك المشاكل في مجتمعكم. إما أن ينقسم المجتمع الإسرائيلي، أو ستنشب حرباً أهلية".
وقال لنا كايد، في 10 حزيران، "تم نقله من سجن هداريم، تمهيداً لإطلاق سراحه المقرر في 13 من الشهر نفسه. اقتيد بداية إلى سجن أوهلي كيدار، قرب بئر السبع، حيث تمنى له الموظفين حظاً سعيداً قبل إطلاق سراحه. قال له مأمور السجن؛ "ابدأ التفكير بشكل مختلف لحياتك"، وأجابه؛ "هذا يعتمد عليكم، أيضاً". وبعد ذلك بيومين، تم نقل كايد إلى سجن عوفر، قرب رام الله، حيث قيل له أنه سيجتمع مع منسق الشاباك، "سوف يقول لك بضع كلمات ويهنئك" هكذا ما قالته السلطات لكايد.
ولكن فجأة وجد نفسه يتم اقتياده إلى المحكمة العسكرية في عوفر. وسأل في ذلك الوقت: "لماذا أنا هنا؟ هل فاتني شيء؟"
وبعد ذلك تم توجيه الضربة: ستة أشهر من الاعتقال الإداري. وأكد كايد؛ "أنا لست على استعداد للذهاب إلى المحكمة"، عندما طُلب منه المثول أمام قاضٍ عسكريٍ لفرض اعتقاله. وأضاف؛ "إنه عرض كبير واحد. سأموت جوعاً. أنا أعلن إضراباً عن الطعام". فشلت جميع المحاولات لثنيه. "فقط 0.9 بالمئة من الناس في وضعي يتم إطلاق سراحهم من قبل المحكمة. أنا لن أكون واحداً منهم: قيل لي أنني خطر على العامة. بعد ذلك، قيل لي أنني سأكون خطراً إذا خضت إضراباً عن الطعام. وقلت لهم، دعوني أكون".
بعد 13 يوماً، اقتيد لمقابلة منسق الشاباك في نابلس. وأخبره المنسق؛ "لا ننوي السماح لك بتحريض الشارع"، ورد كايد؛ "هل سبق وسمعتني أحرض الناس؟". ثم عرض عليه منسق الشاباك خيار إبعاده مدة أربع سنوات إلى الأردن، مُهدداً أنه في حال لم يوافق كايد على المغادرة، سيقضي ست سنوات أخرى في السجن. ويستعيد كايد تلك اللحظة؛ "قلت له: لا يمكن أن أكون طرفاً في هذا الهراء. أنت تقدم لي خيانة. لماذا تقدم عرضاً كهذا؟ لماذا تريد أن تبعدني عن بلدي؟".
طلب منا شقيقه محمد أن ننهي حديثنا، لأنه كان قد بدأ بالتعب. آثار الاضراب عن الطعام ليست واضحة، على الرغم من أن فحص هذا الأسبوع في مستشفى نابلس كشف أنه لا يزال يعاني من نقص في بعض الفيتامينات. يخبرنا كايد أنه يشعر بالقلق إزاء مصير اثنين آخرين من الفلسطينيين، كلاهما يخوض إضراباً عن الطعام لما يزيد عن 80 يوماً. ويعتقد أن هناك من هم في القيادة "الإسرائيلية" من يريد لهما الموت، من أجل وضع حد لموجة الإضرابات عن الطعام.
بينما نحن في السيارة في طريق عودتنا، كانت محطة إذاعية من جامعة النجاح في نابلس تبث برنامجاً يبعث من خلاله المستمعون تحياتهم للسجناء. الأطفال يبعثون تحيات لآبائهم، والآباء لأبنائهم. وهناك قائمة طويلة من الناس تنتظر دورها.
---------------------------------------------------------------
رابط المقال الأصلي باللغة الإنجليزية على موقع صحيفة هآرتز؛
http://www.haaretz.com/israel-news/.premium-1.760731
