هآرتس – افتتاحية - 23/3/2012
تضامن وليس تدخلا
بقلم: أسرة التحرير
الكشف عن هوية محمد مراح، القاتل من تولوز، وتبجحه بانه مع أنه عمل وحده فانه ينتمي الى منظمة القاعدة، يحدد القتل كفعل ارهابي صرف. ومع ذلك، من الصعب تجاهل الصدى المأساوي والمرير للذاكرة اليهودية في فرنسا، ومن سياقها السياسي الجديد: الفعل الارهابي وجه منذ البداية تجاه اطفال مدرسة يهودية، والقاتل قال صراحة انه انتقم لدماء الاطفال الفلسطينيين. وهكذا ربط مصير اليهود مواطني فرنسا بمصير اسرائيل والقى عليهم بمصيبة بسبب النزاع الجاري في الشرق الاوسط.
ولكن هذه ليست كل الصورة، المركبة في هذه الحالة على نحو خاص. التصريحات المتسرعة للسياسيين الاسرائيليين الذين دعوا يهود فرنسا "للعودة الى الديار" خوفا من اللاسامية، تجسد كم هو متهالك ومشوش الفهم الذاتي لاسرائيل كدولة قومية ذات سيادة، وكم هو عميق تضامنها مع الجاليات اليهودية في العالم.
هذا التضامن الطبيعي وان كل يشكل جزءا لا يتجزأ من هوية اسرائيل كدولة اليهود، الا ان دعوة يهود فرنسا لمغادرة بلادهم هي خطأ بائس. في فرنسا كانت ولا تزال لاسامية "قديمة" بشعة وخطيرة، اما الناطقون الفظون بلسان الاسلام المتطرف يكنون لليهود كراهية من نوع "جديد" تتغذى ضمن امور اخرى على النزاع الاسرائيلي – الفلسطيني.
في ضوء هذا، فان اسرائيل ملزمة بالحذر والا تضم صوتها بالذات الى الجوقة الاكثر اشكالية في فرنسا، والتي يملي اليمين المتطرف نغماتها التعيسة. فعل القتل الشنيع تمت ضد مواطني فرنسا على أرض الجمهورية الفرنسية، والقاتل أشار صراحة الى أنه "انزل فرنسا على ركبتيها" بسبب قانون الخمار ودور الجمهورية في افغانستان. كراهيته لليهود ممزوجة بالتالي بالاستفزاز العنيف للغرب بشكل عام.
القلق والتضامن مبرران، ولكن اسرائيل لا يمكنها أن تترجم عملية ارهابية الى كليشيه سياسي ضيق، والخروج من الحدث الصعب والمعقد بصرخة حصرية توجه التهمة للاسامية جارفة في دولة صديقة. بفعلها هذا فانها تشكك بسيادة فرنسا.
----
معاريف - مقال - 23/3/2012
اوروبا سقطت
بقلم: نداف ايال
يقع منزل محمد مراح في حي سكني فرنسي هادىء نسبيا. الطبقة البرجوازية الصغيرة. المنازل منخفضة، من طابق واحد وبحديقة. على مسافة كيلو مترين من هناك تقريبا توجد مدرسة "كنز التوراة". هذا بالتأكيد ليس حيا فقيرا في تولوز ولا غيتو مهاجرين انحشر في الضواحي بعيدا عن العين وعن الاغلبية البيضاء والمسيحية.
ولكن في قلب هذه الصورة، مبنى مراح مختلف جدا. هو مبنى من الشقق، وليس منزلا خاصا، من عدة طوابق. صوره تظهر جودة البناء؛ يبدو أنه مبنى حكومي ومتردٍ. سكانه ليسوا بيضا ومسيحيين مثل جيرانهم – هم مهاجرون، ابناؤهم واطفالهم. يعيشون معا، باكتظاظ، مختلفين، في قلب الحي العادي. هذا هو بالضبط الاندماج الاوروبي المتنور: عدم ابعاد المهاجرين الى ضواحي بائسة ومنعزلة، بل اسكانهم في احياء عادية، في مبان بنيت خصيصا. في بريطانيا، في قلب أحياء غنية توجد مباني للسكن العام بفقرائها ومهاجريها. من جهة، بيت خاص يساوي الملايين، وتماما خلف الجدار، تطل مبان من الشقق طويلة وفيها مهاجرون ماليزيون، غانيون، باكستانيون. القصة الفرنسية، بشكل عام، أسوأ. هناك انحشر الكثير من المهاجرين الى ضواحي الحضارة الفرنسية، عديمي الوسائل والعمل، غير مرتبطين على الاطلاق بالحلم الفرنسي. في العام 2005 اندلعت "ثورة الضواحي"، اعمال الشغب الجماهيرية والفتاكة. كانت هذه هي الاشارة الاولى، المنذرة بالشر.
* * *
ولكن لعائلة مراح هذا لم يحصل. فهم لم يعانوا من فصل جغرافي، من عيش في غيتو بائس في الضواحي وعديم سبل العمل. عندهم اتخذت السلطات طريقة اخرى: تتبيل السكان الاقوياء بمهاجرين جدد. قلة المهاجرين داخل الاحياء المسيحية – البيضاء. وفي النهاية، ولعل هذه هي النقطة الهامة، هذا لم يغير شيئا. المبنى وقف في قلب الحي، ولكنه كان من عالم آخر. سكانه تلقوا البريد من ذات ساعي البريد، ولكنهم شاهدوا تلفزيونيا آخر وقرأوا كتبا أخرى، وبعضهم، ولا سيما محمد مراح، حلموا احلاما اخرى.
القاتل كان جهاديا، سلفيا. المنظمة الاسلامية التي انتمى اليها تصف، عمليا، الثقافة الاصولية الدون التي نشأت في الاحواض المهملة لابناء المهاجرين في فرنسا. مئات الافلام في الانترنت تبين عصبة من الشباب، الكارهين والضائعين. ذقونهم تنمو بانفلات عقال، اعلامهم سوداء على افضل تقاليد القاعدة. وهم يحملون خريطة سوداء لفرنسا وكتب عليها: "الخلافة". الافلام تبدأ برسومات مبذولة الجهد، مع حركات وأغان عن المستقبل النبيل لفرسان الاسلام. ولكن بعدها تبدو عصبة بائسة تمارس اللعب في قلب مبنى مهجور في تولوز. وهم يروون لانفسهم ولنا بانهم يتدربون من اجل الجهاد. ولكن أكثر من مقاتلين يبدون مثل وحوش تربوا في مستنقع الفشل. في مظاهراتهم يهذرون بالخوف من الاسلام، ولكن في نفس الوقت يدعون الى دولة شريعة ويعدون بتصفية الصهاينة. الخوف الذي ينتجونه مبرر جدا.
* * *
الرئيس ساركوزي قال هذا الاسبوع انه يوجد وحش يتجول في فرنسا: وقد كان محقا. ولكن يوجد اكثر من وحش واحد. من الضواحي المهملة لباريس وحتى لنماذج الاندماج في تولوز، الكثير من الوحوش نبتت وترعرعت في اوروبا، تصب الحليب المسموم للاسلام المتطرف. فرنساهم ليست الحرية، العدالة والمساواة؛ حلم الاندماج لا يعنيهم، وهم لا يريدونه. هذا ليس تصريحا سياسيا؛ هذا واقع في فرنسا. وهي الان تدفع الثمن على الفشل الرهيب. ليست الهجرة بحد ذاتها بل فشل اندماج المهاجرين. ليست الرغبة المتنورة في التعددية بل التجاهل الرهيب للخطر الراديكالي. قبل بضع سنوات كانت هذه بريطانيا هي التي دفعت ثمنا كهذا، عندما انتحر بريطانيون عاديون، مسلمون، في شوارع لندن كي يقتلوا بريطانيين آخرين. في التصدي للراديكالية، تعدد الثقافة في بريطانيا فشل، والان ايضا النموذج الفرنسي ينزف. باتريك فيل هو مؤرخ فرنسي يعنى بالهجرة. "هذه كانت هجمات رمزية جدا"، قال هذا الاسبوع، "القاتل هاجم فكرة الاندماج الفرنسية. هاجم من يمثل المواقف الاساس للجمهورية الفرنسية – مبادىء المساواة والكرامة للتنوع الانساني".
فرنسا كانت صوتا واحدا من الأسى الموحد حتى يوم الاربعاء في الثالثة صباحا. مسلمون، مسيحيون ويهود كان بوسعهم أن يتعانقوا وان يأملوا بان يتبين بان القاتل مجنون وعديم الايديولوجيا. رد الفعل الفرنسي كان صاخبا، صادما ومذهولا بحيث لم يكن ممكنا الخطأ في فهم الفكرة الوطنية خلفها. قلب فرنسا لم يصبح فظا بالعنف وبالمغدورين. الدولة كلها توقفت عن السير، تجندت للمطاردة، ارتبطت بشاشات التلفزيون. يوجد حديث تبسيطي احيانا عن القلب اللامبالي لاوروبا. الدفء الذي اندلع من فرنسا هذا الاسبوع عبر عن الروح الحقيقية للالم.
كان أمل كبير في رد الفعل هذا، ولكن هذا تبدل الان بأزمة داخلية عميقة. عبثا سيحاول الرئيس ساركوزي توحيد تمزقات الواقع الذي انكشف. هذه ليست فرنسا وهذا ليس الاسلام، يقول معظم الزعماء السياسيين في الدولة. وهم محقون. ولكن لجعل الحياة لا تطاق، لقتل مريم مونسنغو، ابنة الثامنة، لا حاجة للاغلبية. مطلوب فقط أقلية عاطلة عن العمل ومصممة. وأقلية عاطلة عن العمل ومتطرفة – في كل مكان – يمكن أن تنبت فقط اذا سمحت لها أغلبية أوسع بالعمل. أغلبية تدير عيونها أمام الكراهية والعنصرية. الاعشاب الضارة تنبت في الاحواض التي تتلقى العناية. الاصولية الدينية لا تستدعي العنف ولكنها تحمل الطاقة الكامنة للعنف. مثل التلوث الفيروسي.
* * *
الان تبدأ المعركة السياسية. الاشتراكيون سيدعون الى وحدة فرنسا وسيقولون، بهدوء أكبر، ان ساركوزي دفع الجالية الاسلامية نحو الحائط. محللون سياسيون فرنسيون بدأوا منذ الان يشرحون بان "قانون الخمار" مأدى الى سياقات تطرف في مجتمع المهاجرين المسلمين. وأن الحكومة خدمت المتطرفين هناك. وحيالهم سيقف اليمين المتطرف وعلى رأسه مرين لا بان. وقد كان الاول الذي حطم تحالف الصمت بين المرشحين للرئاسة الفرنسية الذين قرروا تعليق الحملة السياسية بسبب المأساة. وقد عرض لا بان نظرية مقنعة. الاصولية تقتل المسلمين، الاطفال اليهود، المسيحيين. يجب الخروج في "حرب" ضدها. الفاشية تحب الحديث عن الخروج في "حرب"؛ دون تحديد عدو أو أهداف دقيقة.
وحيال بداية المناوشات السياسية، كان الرئيس ساركوزي ملزما بمواصلة الخط الرئاسي القومي السامي. إذا ما نجح في التمسك فيه حيال الهجمات، فقد ينتزع النصر في الانتخابات. ولكن "الجبهة الوطنية" ومرين لا بان سيحاولان فقء عينيه وعرضه كرقيق ومعتدل جدا؛ الدليل الذي سيعرضانه سيكون المآسي في تولوز. بعد المآسي دوما تبقى السياسة. من مثلنا يعرف.
-----------------------------------------------------
هآرتس – مقال – 23/3/2012
الجبهة الهادئة
الارهاب لم يرفع رأسه
بقلم: عاموس هرئيل
الثناء الاكبر الذي يمكن لآفي مزراحي، قائد المنطقة الوسطى المنصرف أن يتلقاه في ختام سنتين ونصف من ولايته، هو ان الاسرائيلي العادي لم يشعر به. مقارنة بفترات عاصفة سابقة، لا يكرس مواطنو اسرائيل الان الوقت للتفكير او القلق على ما يجري في الضفة الغربية. مكان القلق اليومي من عمليات الباصات احتله التخوف، النظري حاليا، من حرب مع ايران. في ولاية مزراحي أيضا كانت عمليات قاسية في الضفة، بينها قتلة عائلة بوغل في ايتمار وقتل ابناء عائلة بالمر قرب الخليل. ولكن في الميزان العام بقيت الضفة هادئة نسبيا، وبفضل ذلك يسافر المستوطنون على الطرق بلا خوف تقريبا. مزراحي ايضا يعرف بان هذا هدوء مؤقت اكتسب بجهد جم. انعدام الافق السياسي – التعبير الذي يحذر مزراحي من أن يتخذه صراحة – من شأنه أن يقيد فترة الاستقرار هذه بسنة أو سنتين في اقصى الاحوال.
فهل الغطاء سيطير عن الوعاء قريبا، سُئل مزراحي في مقابلة مع "هآرتس" فأجاب: "توجد امور كثيرة خفية عن عين الجمهور الغفير. الحقيقة هي أن الارهاب لم يرفع رأسه. الجمهور يسمع عن العملية في ايتمار – وهو لا يعرف عن عشرات المخربين الذين اعتقلوا في طريقهم الى عمليات اخرى، عن أعمال الاحباط التي تجري كل ليلة. في السنة الماضية، بعد أن قتلت سائحة بريطانية في انفجار عبوة قرب مباني الامة في القدس، اعتقلنا شبكة ارهاب لحماس لولا احباطها لتلقينا منها عمليتين كثيرتي الاصابات. مثل هذه العمليات كانت ستحدث هنا تغييرا استراتيجيا. والجمهور الاسرائيلي لم يعد معتادا على امتصاصها، وذلك لانه واثق من أننا اجتزنا هذه المرحلة.
"في منصبي كان أهم بالنسبة لي تدريب والاعداد لوحدات القيادة المركزية لامكانية اشتعال مواجهة في الشمال، ولكن الرأي العام يقيسك في شيء واحد، بالدم: في العمليات في المناطق وفي العمليات في الجبهة الداخلية. لا يمكن الوصول الى نتيجة صفر اصابات ولكن الارهاب اليوم لا يشكل عاملا في اتخاذ القرارات لدى حكومة اسرائيل. هذا يعطي للسياسيين حرية في القرار".
ماذا فعل السياسيون مع مجال المناورة الذي منحه لهم الجيش الاسرائيلي والمخابرات. مزراحي لا يقول. حاليا، ربيع الشعوب العربي لم يسقط على الضفة رغم الاستعداد الاسرائيلي لهذه الامكانية في ايلول الماضي، مع توجه السلطة الى الامم المتحدة. ويقول مزراحي الان ان "الفلسطينيين في احساس فظيع بانهم خرجوا من اللعبة، وانهم فقدوا الانصات العالمي. وهم يحاولون استئناف الخطوة السياسية عبر الامم المتحدة، ولكني لا أرى في هذه اللحظة على الارض مؤشرات اندلاع في 2012. في هذه الاثناء، يمكن اصدار صافرة تهدئة. ولكن – وهذه لكن كبيرة – اذا كان احد ما يعتقد بانه يمكن ابقاء الوضع الحالي على مدى الزمن دون ان يكون شيء آخر في قناة غير أمنية، فهذا لن يحصل. هذا قد يستغرق سنة، سنة ونصف ولكن العبوة (للانفجار، ع. ه) توجد هناك.
"ان تكون الهزة التي ألمت بالعالم العربي لم تقع في المناطق، هذه ليست معجزة. فقد شخصنا الميل في تشرين الثاني 2010، ومنذ ذلك الحين بدأنا بالاستعداد لايلول 2011، لتوجه السلطة الفلسطينية الى الامم المتحدة وبالتوازي الى المصالحة بين السلطة وحماس. شخصنا دور القيادة الوسطى وقدنا منظومة الاستعدادات العملياتية.
"التنسيق مع أجهزة السلطة نبع من مصلحة مشتركة. عندهم أيضا انكوى الوعي بنتيجة عدم سيطرتهم على مستوى اللهيب في الماضي. الموضوع المركزي هو انعدام الطاقات للمواجهة. وهم لا يريدون العودة الى تجربة 2000 . لديهم ما يخسرونه أكثر من الماضي. الاسطورة التي بموجبها يمكن للعائلة الفلسطينية أن تكتفي على مدى الزمن بالخبز والزعتر، قد يجد تعبيره ربما حين يكون لديهم ما يقاتلون في سبيله. يمكن لهذا أن يحصل في حالة مواجهة حول الحرم، عملية ارهابية يهودية يحرق فيها أحد ما المسجد والناس فيه، ولكن حاليا ليس في الكفاح اليومي".
ومثل سلفه في المنصب، اللواء غادي شماني، بدأ مزراحي ولايته باشتباه كبير تجاه أجهزة أمن السلطة. وقد حل محل هذا بالتدريج لغة مشتركة، صمدت باحترام في اختبارات صعبة. قصة حب كبيرة لا توجد هنا، ولكن على الاقل على المستوى الامني يوجد للجيش الاسرائيلي اليوم شريك. بعد احتفال تبديل القيادة مع شماني، أخذ مزراحي جانبا أحد ضباط القيادة الكبار وسأله بشك: "ماذا تبنون هنا، جيش فلسطيني؟" بعد سنة كان مزراحي اللواء الاسرائيلي الاول الذي شاهد مناورة بالنار الحية للاجهزة.
"التقيت مؤخرا مع قادة أجهزة أمن السلطة"، يقول. "هم في ضائقة غير بسيطة. يوجد جمود سياسي والامر الوحيد الذي يعمل على الارض هو التنسيق الامني. لديهم نزاع حيال الشعب. سألوني، ماذا يخرج لنا من التنسيق الامني؟ قلت لهم: هيا نقول بلعب ادوار قصير. في صيف 2009 كان 41 حاجزا في يهودا والسامرة. الان يوجد 11. الفلسطيني الذي يسافر من جنين الى الخليل سيتوقف فقط في حاجز واحد، في وادي النار قرب القدس. هذا لم يحصل عبثا، بل لاننا رأينا بانكم نجحتم في استقرار الوضع الامني.
"لديهم انجازات ليعرضوها على جمهورهم: حواجز اقل، لا توجد فوضى مسلحين في نابلس. البنية التحتية المادية في رام الله تقدمت في السنوات الاخيرة بقدر أكبر مما في تل ابيب. في رام الله بنوا مبنى جديد على رأسه يوجد مطعم دوار، بملكية قطرية. دخلت الى زيارة في نابلس قبل اسبوع، بلا سلاح، مع حراس فلسطينيين. ان ترى تنمية مذهلة، متنزه جديد يبنونه تحت جبل عيبال. أكلنا في نابلس الكنافة الرائعة، في نصف سنة بنوا هناك ملعب كرة قدم رسمي، بإذن من فيفا. قلت: ربما نجلب الى هنا مكابي نتانيا. لم يسقطوا عن الكراسي. بتعابير الاحتلال، اين كان الفلسطينيون يفضلون العيش الان – في السلطة، تحت حكم اسرائيلي جزئي، في مصر أم في سوريا. هم لا يحبوننا. نحن لسنا احتلال متنورا في نظرهم وهم يريدوننا ان نخرج، ولكن الجواب على السؤال هو في انعدام الطاقة للمواجهة. ولا يزال، يحتمل ان نفاجأ. نحن لا نعرف كيف نجسد على نحو جيد بما فيه الكفاية أحاسيس الجمهور الفلسطيني".
حاليا التنسيق الامني مع السلطة مستمر، لكن شكاوى الاجهزة واتفاق المصالحة بين فتح وحماس، ولكن مزراحي يشخص منذ الان "بوادر على ان الامور ليست كأمس وأول أمس. يوجد انخفاض في عدد الاعتقالات، بتصميم. صحيح أنه قبل شهر اعتقلت خليتا ارهاب خططتا لعمليات اطلاق نار واختطاف ضد سرائيليين، دون ان يكون لدينا على الاطلاق معلومات عنهما. اعتقلوا نشطاء في نابلس وقلقيليا حتى دون أن يتلقوا ولا طرف خيط منا. بالمقابل، توقفوا فجأة عن الانشغال بتهريب مال حماس الى المنطقة".
قائد المنطقة المنصرف يكشف النقاب عن أن نشطاء الارهاب الذين تحرروا من السجون في اسرائيل في تشرين الاول من العام الماضي، في اطار صفقة شليط وابعدوا الى قطاع غزة، يعملون الان في محاولة المبادرة الى عمليات اختطاف اخرى لمواطنين وجنود اسرائيليين في الضفة. وعلى حد قوله "نحن نشخص مساعٍ أكبر للميدان لعمليات اختطاف. وحتى عندما تحافظ حماس على الهدوء النسبي تجاه اسرائيل في قطاع غزة، فان النهج هو أن في الضفة مسموح المبادرة الى العمليات. واذا كانت في الماضي محاولات قتل لاسرائيليين وبعدها المساومة على جثثهم، على فرض أنه من الصعب الاحتفاظ برهينة حي في الضفة، فانهم يهتمون الان بامكانية اختطاف اسرائيلي وهو لا يزال على قيد الحياة وتهريبه الى خارج حدود الضفة".
في الفترة الاخيرة تنقل مزراحي وضباطه في المستوطنات وفي قواعد الجيش الاسرائيلي لاجل التحذير من السفر بالمجان. مزراحي يخشى بان تكون لخلايا الاختطاف فرصا عديدة للعمل. "بنات في غوش عصيون يقفن في موقف الباصات في الساعة 12 ليلا. هذا خطير"، قال.
هذه اهانة
العلاقات الطيبة مع قيادة السلطة، مهما كانت مؤقتة، دفعت مزراحي الى التدخل بشكل استثنائي في العام الماضي للضغط على القيادة السياسية لان يحرروا للفلسطينيين الاموال التي يستحقونها خشية أن يمس تجميدها بالتنسيق الامني. رئيس الوزراء، وزير الخارجية ووزير المالية قادوا خطوة تأخير لاموال السلطة، كخطوة مضادة لتوجه السلطة الى الامم المتحدة وغيرها من الخطوات. "هذا المال هو فلسطيني"، يشرح الان مزراحي. "نحن نجبي من أجلهم الضرائب في الميناء حسب اتفاق باريس مع السلطة في 1994. اذا كنت تريد العودة للسيطرة على الحياة اليومية لـ 2.4 مليون فلسطيني، فعليك أن توظف في ذلك عشرات المليارات. متظاهرو روتشيلد أظهروا لك في الصيف بانه ليست لديك المليارات.
"عندما لا نحول للسلطة المال، فان الفلسطينيين لا يمكنهم أن يدفعوا الرواتب والوقود لاجهزة الامن. وهكذا فانك بكلتي يديك تؤدي الى فقدان الدافعية لدى السلطة لمكافحة الارهاب. اذا كان تأخير المال أداة هامة بهذا القدر فلماذا تتراجع في كل مرة وتعود لتحول المال بعد شهر؟ هذه اهانة. ما هي هذه اللعبة؟ ماذا سيفعل الان الشرطي الذي لم يتلقَ الراتب؟ نحن نريد أن ندفع بدلا منهم لقاء اخلاء القمامة ولقاء الصحة؟ أنا أدعي أن ليس صحيحا حمل ابو مازن، سلام فياض والاجهزة الى وضع الحاجة الى كسرة الخبز. هذا يتعارض والمصلحة الاسرائيلية في الحفاظ على الاستقرار الحالي".
شبكة العلاقات المركبة مع المستوطنين اجتازها مزراحي بشكل عام بسلام. معظم النار من اليمين تركزت على نيتسان الون، قائد قوات الجيش في الضفة. مرة واحدة خرج مزراحي عن طوره. هذا حصل في كانون الاول الماضي، عندما اقتحم نشطاء اليمين المتطرف قاعدة لواء افرايم وضربوا نائب قائد اللواء المقدم تسور هرباز. مزراحي هاجم اعمال الشغب بكلمات حادة. اليوم يعترف، بنصف فم بان هذه كانت خطوة محسوبة.
في الجيش شخصوا تراجعا كبيرا في فرض القانون على متطرفين المستوطنين وقرروا استخدام الحادة لدفع القيادة السياسية الى العمل. من الخطوات النشطة التي أعلن عنها رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو بما فيها تقديم المشاغبين امام المحاكم العسكرية، لم يتبقَ الكثير، لكن، يقول مزراحي، "هم حذرون الان. اصدرنا أكثر من 30 أمر ابعاد عن المنطقة لنشطاء اليمين. هذا ليس ديمقراطيا، هذا تعسفي، صحيفتك لا تحب هذا – ولكن لا يوجد شيء آخر. تصريحي بعد الاعتداء على نائب قائد اللواء كان اشارة تحذير قبل أن يكون فات الاوان. ولكن علينا الا نوهم أنفسنا: المس بالمساجد ، المس بالارواح، هذه امور يمكن ان تحصل. الظاهرة لم تختفي".
ويعترف مزراحي بان قسما من المشكلة هو في التغطية الاستخبارية. "ليس لدى المخابرات ما يكفي من المقدرات لتغطية ظاهرة الارهاب اليهودي بذات القوة بالنسبة للقطاع العربي. المخابرات تركز على منع العمليات: كي لا يفجروا الحرم، كي لا يغتالوا رئيس وزراء، كي لا ينفذوا عمليات ضد العرب. عندما يسممون اشجار زيتون ويقتلعونها، هذه من ناحيتهم ليست عملية. الدائرة اليهودية في المخابرات، هي مثل كل الجهاز ممتازة. في نهاية المطاف الامر يتعلق بالمقدرات. لو كان لدى لواء شاي في الشرطة مزيد من الشرطة، لكان الامر بدا مختلفا".
ويعتبر مزراحي نفسه مرشحا مناسبا لرئاسة الاركان وتنافسه على المنصب سيجري بشكل مرتب ونظيف أكثر مما في المرة السابقة.
---------------------------------------